أبعادُ التَّعبِئةِ الصَّليبيَّةِ على إيرانَ

أبعادُ التَّعبِئةِ الصَّليبيَّةِ على إيرانَ
يعرض النصّ أبعاد التعبئة الصليبية ضد إيران، مركّزًا على استغلال البُعد العقائدي للطعن بعقيدة المهدي (عج)، بهدف شرعنة العدوان الأمريكي والصهيوني وتفتيت الموقف الشيعي الموحّد ومواجهة محور المقاومة بقيادة طهران...

مَن يَستَمِعْ لوزيرِ الخارجيَّةِ الأمريكيّ ماركو روبيو وهو يَتحدَّثُ عن عقيدةِ الشِّيعةِ الإماميَّةِ بالإمامِ المهديِّ (عج)، يَشعُرْ بأنَّ الرَّجُلَ يعملُ على الإعدادِ لحملةٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ على إيرانَ.

وهي وإنْ كانتِ الحملةُ الّتي قادَها الرّئيسُ بوش في 16 أيلول/سبتمبر 2001، بعد خمسةِ أيّامٍ من هجماتِ 11 أيلول لازالت قائمة ، حينَ خطبَ مرتَجَلًا أمامَ الصَّحافةِ قائلًا:

“This crusade, this war on terrorism, is going to take a while.”

“هذه الحملةُ الصليبيَّةُ، هذه الحربُ على الإرهابِ، ستستغرقُ وقتًا.”

لإنَّ فيها مُحاكاةً لـ”الحروبِ الصليبيَّةِ” الّتي شكَّلَتْ سلسلةً دَمَويَّةِ، شنَّتها أوروبا المسيحيَّةُ في القرونِ الوسطى على المسلمينَ، للسَّيطرةِ على القدسِ آنذاك.

لذا، فإنَّ الواقعَ يُؤكِّدُ أنَّ الحربَ الّتي شنَّتْها أمريكا على المسلمينَ في عامِ 2001، لم تنتهِ بعد، وإنِ اتَّخذتْ أشكالًا متعدِّدةً.

ولكن بما أنَّ أمريكا وإسرائيلَ قد حقَّقوا كثيرًا من أهدافِ هذه الحربِ، وعلى وجهِ التَّحديدِ إخراجَ الإسلامِ السُّنِّيِّ تَقْرِيْبًا من دائرةِ التَّأثيرِ، وضمانَ انخراطِ أهمِّ أنظمتِهمِ السّياسيَّةِ وأكثرِها غِنًى في مشروعِ التَّطبيعِ والدّيانةِ الإبراهيميَّةِ، فلم يَبقَ أمامَهم إلّا الالتفاتُ لتصفيةِ حساباتِهم مع الشّيعةِ بشكلٍ كاملٍ ونهائيٍّ، خاصَّةً وأنَّ الشّيعةَ، بقيادةِ إيرانَ، لم يَرفضوا التّطبيعَ والإبراهيميَّةَ فحسب، بل قاوموا الوجودَ الصُّهيوني والمشاريعَ الأمريكيَّةَ في المنطقةِ والعالمِ.

وكانت إيرانُ رأسَ الحربةِ في هذه المواجهةِ، من خلالِ قيادتها لمحورِ المقاومةِ في عمومِ المنطقةِ.

وما أنْ شعرَ الأمريكانُ بعجزِ ذرائعِهم ومُبرِّراتِهم عن إقناعِ الرأيِ العامِّ الدَّوليِّ بالحربِ الّتي شنُّوها مع الصَّهاينةِ على الجمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ، والّتي انتهكوا فيها كافَّةَ المواثيقِ والقوانينِ الدَّوليَّةِ، حتّى انعطفوا إلى محاولةِ إضفاءِ البُعدِ العقائديِّ والدِّينيِّ على عدوانِهم السّافرِ.

ولهذا المنحى الجديد عدَّةُ أسبابٍ نحاولُ الإضاءةَ عليها على النّحوِ الآتي:

أوّلًا:

شكَّلَ خطابُ المرجعيَّةِ الدِّينيَّةِ العُليا في النَّجفِ الأشرفِ صدمةً بالغةً للإدارةِ الأمريكيَّةِ، لما له من تأثيرٍ عميقٍ في تعبئةِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ والشَّعبِ العراقيِّ ضدَّ العُنجهِيَّةِ الأمريكيَّةِ.

فوجدوا أنفسَهم أمامَ كتلةٍ بشريَّةٍ صلبةٍ تغطِّي مساحةً جغرافيَّةً واسعةً من حلبةِ الصّراعِ في المنطقةِ والعالمِ.

وكان لا بُدَّ لهم من محاولةِ تقويضِ هذا التَّحوُّلِ أو مقابلتِه بالمثلِ، من خلال إضفاءِ السِّمةِ الدينيَّةِ على حربِهم هذه .

ثانيًا:

من المعلومِ أنَّ ترامب أحرزَ الفوزَ في الانتخاباتِ، ووصلَ إلى سدَّةِ الحكمِ بشعار:

“أمريكا أوّلًا”، والدّعوةِ إلى تصفيرِ الحروبِ والأزماتِ العالميَّةِ، وحصدَ بذلك ما بين 82–83% من أصواتِ الإنجيليّينَ البيضِ، البالغِ عددُهم قرابةَ 44 مليون ناخبٍ من غيرِ السُّودِ.

وهؤلاء من الصَّعبِ عليهم تَقبُّلُ فكرةِ انخراطِ ترامب في حربٍ هجوميَّةٍ غيرِ قانونيَّةٍ، ما لم تُمنَحْ غطاءً دينيًّا يُبرِّرُها.

وليس ثَمَّةَ شيءٌ يُقنِعُ (الإنجيليّينَ) المتعاطفينَ مع الحركةِ الصُّهيونيَّةِ إلّا الحربُ المُغلَّفةُ بالبُعدِ العقائديِّ الّذي يُدغدغُ مشاعرَهم ويُقنِعُهم بضرورةِ شنِّها، لأنَّها مرتبطةٌ بظهورِ المُخلِّصِ عيسى (ع).

ثالثًا:

تسعى الولاياتُ المتّحدةُ إلى عزلِ إيرانَ عقائديًّا عن محيطِها الإسلاميِّ، بعد أن هالَها حجمُ التَّفاعلِ والعاطفِ الإسلاميِّ الكبيرِ معها في الدّاخلِ والخارجِ.

دون أن تَظهرَ بمظهرِ المُحاربِ للإسلامِ، تجنُّبًا لإثارةِ المسلمينَ، فادَّعتْ أنَّها تُحارِبُ الشّيعةَ فحسب، لأنَّهم أصحابُ عقيدةٍ توسُّعيَّةٍ تقومُ على أساسِ أنَّ إمامَهم الثّانيَ عشرَ سيُقيمُ الدّولةَ العالميَّةَ ويقضي على إمبراطوريّتِهم.

رابعًا:

حاولَ وزيرُ الخارجيَّةِ الأمريكيُّ التّغطيةَ على فضيحتِهم بخرقِهم القوانينِ والمواثيقَ الدَّوليَّةَ في عدوانِهم السّافرِ على إيرانَ، وإظهارَ الجمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ بأنَّها الدّولةُ المُتسبِّبةُ باندلاعِ صراعِ الحضاراتِ، من خلال تبنّيها أيديولوجيَّة القضاءِ على إسرائيلَ وهزيمةِ أمريكا.

وهي عقيدةُ الإمامِ المهديِّ (عج) الّتي يَنتهجُها قائدُهم الإمامُ الخامنئي، ويُنظِّرُ لها.

خامسًا:

إنَّ تصريحَ وزيرِ الخارجيَّةِ الأمريكيِّ حول ضرورةِ التَّصدِّي لعقيدةِ الإمامِ المهديِّ (عج) يأتي في سياقِ العملِ على الحدِّ من تنامي الشّعورِ المُقْرِفِ لدى الشّعوبِ الغربيَّةِ من سياساتِ بلدانِهم العدوانيَّةِ حيالَ الشّعبِ الفلسطينيِّ، وآخرِها الحربُ اللّامُبرَّرةُ على إيرانَ.

وهم بذلك يسعون إلى تغييرِ مزاجِ الشّارعِ الغربيِّ، وتعبئتِه دينيًّا ضدَّ الجمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ.

سادسًا:

ينطبقُ التَّوجّهُ سالفُ الذّكرِ في النّقطةِ أعلاه على محاولةِ التّشويشِ على الشّارعِ الرّوسيِّ المُتعاطفِ مع إيرانَ، من خلالِ إيهامِه بأنَّ الجمهوريَّةَ الإسلاميَّةَ تحملُ مشروعَ القضاءِ على الدّيانةِ المسيحيَّةِ.

سابعًا:

إنَّ إصرارَ وزيرِ الخارجيَّةِ الأمريكيِّ على ذكرِ الإمامِ الخامنئي، وأنَّهُ المُتبنِّي لعقيدةِ المهديِّ (عج) في القضاءِ على القوى الغربيَّةِ، يَنطوي على محاولةٍ لشرعنةِ استهدافِ السّيّدِ القائدِ، وإحداثِ فجوةٍ في الموقفِ الشّيعيِّ المُوحَّدِ حيالَ العدوانِ، والّذي ساهمَتْ فيه بياناتُ المرجعِ السّيّدِ السّيستاني مساهمةً كبيرةً وفاعلةً جدًّا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *