سامحوني إن كتبت اليوم عن ظاهرة اجتماعية خطيرة، بل شديدة الخطورة، لما لها من تداعيات وانعكاسات شرعية وأخلاقية، يتحمّل مسؤوليتها الرجل والمرأة على حدٍّ سواء، وإن كان العبء الأكبر يقع غالبًا على الرجل.
إنها ظاهرة إبقاء الزوج زوجته معلَّقة؛ لا هي زوجة تُعاشر بالمعروف، ولا هي مطلَّقة تُمنح حقها في بداية جديدة.
وقد حذّر القرآن الكريم من هذا السلوك الصريح حين قال تعالى:
﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (النساء: 29).
فالمرأة المعلَّقة تعيش مأزقًا قاسيًا؛ لا تستطيع كبح رغباتها الفطرية كأنثى، ولا تنعم باستقرار بيت الزوجية كامرأة متزوجة، فتُترك فريسة للقلق والاضطراب والحرمان، في مخالفة صريحة لمقاصد الزواج التي أرادها الشرع سكنًا ومودة ورحمة.
وتتفاقم هذه الظاهرة في بعض الحالات عندما ترفع المرأة أمرها إلى المحكمة المدنية، فيحكم القاضي بالتفريق بينها وبين زوجها دون أن يُوقع الزوج الطلاق الشرعي، تعسفًا أو عنادًا. وقد تظن المرأة أن هذا الحكم يُعد طلاقًا شرعيًا، فتُقدم على الزواج مرة أخرى، وربما تُنجب أبناءً، دون أن تعلم أن زواجها الجديد غير صحيح شرعًا، لأن القاضي المدني لا يملك شرعًا حق تطليق المرأة دون إذن زوجها.
وهنا يبرز السؤال الخطير: ما الحل؟
الحل يكمن في اللجوء إلى الحاكم الشرعي، وهو المرجع الديني أو وكيله، الذي يقوم بدوره بالاتصال بالزوج ومحاولة حل الإشكال، إما بإعادة زوجته إلى عصمته، أو الزامه بتطليقها. فإن أبى واستكبر وتعسف، قام الحاكم الشرعي بتطليقها رغمًا عنه، حفظًا لكرامتها ورفعًا للظلم الواقع عليها.
وتتكرر المأساة في حالة أخرى لا تقل خطورة، حين يُطلق الزوج زوجته دون شهود، فيكون الطلاق باطلًا شرعًا. وعندما تطلب الزوجة تصحيح الطلاق بحضور الشهود، يرفض الزوج ويماطل، لتبقى المرأة معلّقة من جديد. والحل هنا أيضًا هو ذاته: اللجوء إلى الحاكم الشرعي دون تردد.
ومن هنا، لا بد من التحذير الشديد من الاستعجال في الزواج قبل إحراز الطلاق الشرعي الصحيح، والذي تتحقق شروطه بأن يقول الزوج لزوجته: “أنتِ طالق”، دون ضغط أو عصبية، وبحضور رجلين عدلين، وأن تكون المرأة في طُهرٍ لم يواقعها فيه. فإذا اختلّ أي شرط من هذه الشروط، فالطلاق باطل، ويكون الزواج اللاحق حرامًا إذا كانت المرأة على علم بذلك.
عرفت المجتمعات القديمة أشكالًا متعددة من تعليق المرأة، وكانت تُعد من أقسى صور الإقصاء الاجتماعي لأنها تُبقي الإنسان خارج الحياة دون أن تحرره منها. ولهذا ارتبط تحريم هذا السلوك في الشرائع والأعراف السوية بفكرة صون الكرامة الإنسانية ومنع تحويل الزواج إلى أداة قهر.
إن الذهاب إلى الحاكم الشرعي ليس تعقيدًا، بل هو صمام أمان؛ لمنع الزوج من التفرعن، وحماية المرأة من استبداده، وإنقاذها من أن تبقى أسيرة مزاجه وتلاعبه بأعصابها ومصيرها.
فالعدل في الزواج ليس خيارًا، بل فريضة… والظلم، وإن طال، لا يدوم.


