تقدّم لنا رواية ” متاهة الأعراب في ناطحات السّراب” للروائي مؤنس الرّزاز الصادرة في العام 1986 رؤية واقعيّة محزنة للواقع العربي ضمن معطيات الحاضر والمستقبل المستشرف الذي يضيع فيه العرب دون طوق نجاة ينقذهم ممّا هم فيه من خسارة وتشرذم وتهاوٍ.والرواية قائمة على المفارقة منذ عنوانها حيث يضيع الأعراب،وهم مواد حقيقيّة،في السّراب،وهو الوهم،فكيف تضيع المادة في اللامادة؟! ثم نجد حسنين الذي يؤمن بالتفكير العلمي ويحاضر في موضوع التكنوإلكترونيك بينما في الوقت نفسه يؤمن بالخرافات والشعوذات والقوى اللامرئيّة.
وحسنين يستيقظ فجأة ، ليجد نفسه مريضاً نفسياً في مصحة، ويستعيد ذكرياته الأليمة منذ أن وجد نفسه محمولاً في نعش، إلى أن مدفن حياً، إلى أن وجد نفسه فجأة يعود إلى غرفته الكبيرة المعرّاة من الأثاث، ويتحسّس نفسه ليجدها عارية من الملابس.وأيّ عالم ذلك الذي يعود موتاه بعد الموت أحياء يرزقون ؟! لا شكّ أنه عالم عجيب، لا علم لنا بمثله في حياتنا، ولكننا نتواطأ مع الكاتب وندخل لعبته، وفق شروطه، وضمن ضوابط عالمه..
خارج شقة حسنين كلّ شيء على حاله، الشارع، البنايات، المحلات التجارية، أمّا الناس، فذاتهم، لكنّهم يرتعدون كلما رأوه، ويظنونه شبحاً ويولّون الأدبار.إذن الحقيقة المرعبة التي تواجه حسنين هي حقيقة وجوده، فهو ليس إلا شبحاً؛ لذا يقررّ الانتحار، والهروب من هذا الوجود المرعب.
وفجأة تلّف غيمه المكان، وتتمخّض عن كائن أسطوري، ويزعم أنّه حسنين أيضاً،والكلّّ بات يرفض حسنين الأصلي إلى أن يقررّ الشبح أن يموت، وبعد أن يكتب مسودة (للعالم البديل) الذي ألفّه وابتدعه، يقدم على الانتحار، لكن ساعي البريد ينقذه، ويطلب منه الذهاب إلى مبنى المؤسسة العربية، وهناك يبدأ الدكتور المسؤول باستجواب حسنين، ونتعرف إلى الأحداث الرئيسة في العالم البديل الذي ابتدعه حسنين؛ وهو عالم غريب يتداخل فيه الممكن باللاممكن، ويغدو القفز عن الزمن هو قانونه، ويضج هذا العالم بالصراعات والحروب بين الأعراب. “وتكون نقطة البداية في متاهة الرواية منذ لحظة الضياع والتشرّد والتزويد والتحريف لوجه آدم الحسنين الذي عاش في المنطقة منذ الأزل. يقيم حسنين في المؤسسة العربية إقامة جبرية، تتيح له التعرف على هذه المؤسسة الغريبة التي تتكوّن من طوابق كثيرة في أعلاها مكاتب لا تختلف عما نعرفه من مكاتب في الوقت الحاضر، أمّا الطوابق الأخرى، فكلّ منها يمثّل فترة زمنية مختلفة.
والبنية السّردية في هذه الراوية تستدعي الموروث الدينيوالأسطوري والشعبي ضمن توليفة لغوية خاصة،ثم تؤول إلى التشظّ والتبعثر في قوالب الحدث الذي يبنى ضمن انحرافات في مجرى السرد سببها الانتقالات المتعدّدة من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل. أمّا حبكة الرواية، فهي حبكة مفكّكة غير متماسكة تقوم على عنصر الغموض الذي يلّف كثيراً من الأحداث، مثل :- اختفاء الوالد، ونهاية أم سليمان، واستجواب حسنين في المؤسسة العربية، وشخصية آدم الحسنين …
ومن يقرأ هذا العمل الضخم قراءة متعمّقة، يتاح له أن يدرك أيّ أدوات سحرية وأيّ فضاءات واسعة أضفى السرد العجائبي على العمل؛ فالبطل الشبح المسكون بحسن الثاني أتاح لنا أن نتلمّس أبعاد الشخصية العربية المنفصمة / أي الفرد العربي أو الآخر الذي يعيش بداخله أو الذي يريد أن يكونه.؛ فالمؤلف وضعنا أمام الفرد العربي الذي يعيش أزماته الخاصة والعامة، أمّا المتاهة الرزّازية فهي رمز لمتاهة كبرى اسمها الوطن العربي،والعربيّ في هذه المتاهة لا يعدو أن يكون أعرابيّاً سلبياً يطارد السّراب، ويحترف الهروب والقفز ويبقى السؤال العالق الملحّ: كيف يتسنّى لنا الخروج من هذه المتاهة؟! ودون أن نجد الإجابة الشّافية المنقذة تصرخ الرّواية في وجوهنا قائلة: “متاهة الأعراب في ناطحات السّراب مستمرّة حتى هذه اللحظة،وقد تستمرّ!


