خلال متابعتي ومواكبتي للمنجز القصصيّ العراقي المبدع ( علي السباعي ) لأكثر من عقدٍ وجدت : التناص التاريخي حاضراً وفاعلاً وماثلاً في معظم مجاميعه القصصية ، وقد خصصت فصلاً عن مجموعته البكر ، الموسومة تحت عنوان :- ( إيقاعات الزمن الراقص ) الصادرة عن إتحاد الكتاب والأدباء العرب في دمشق عام 2002 م ، في كتابي:- (( فنارات في الثقافة العراقية –دراسات نقدية )) عام 2010 / ج1 ، وأكدت على إن المعادل الموضوعي بين الأدب المؤدلج وبين الأدب الجاد الوطنيّ الهادف الذي يمثل الهم العراقي ّ ، وتطلعات وآمال المجتمع ،وقد أعتمد القاص علي السباعي التمويه ، والترميز، والشعرية الفائقة ، والنقد اللاذع لنظام الاستبداد القائم إبان تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق الذي حكم بالحديد والنار ، والمفارقة الساخرة من الطغاة ، طغاة الحكم فيه ، حيث بدأ سخريته وتحديه من العنونة الرئيسة للمدونة حتى جوهرها ، ومضمون الكتابة السردية عند علي السباعي والتي يتقن الأداء فيها بالتناص التاريخي بحرفية عالية . إذ يستثمر الشواهد القرآنية والأحداث التاريخية بماهرة قل نظيرها ، ويوظفها في نصه القصصي المعاصر ، تلك هي ميزت تفردت بها مجاميعه القصصية كافة . أدون للتاريخ ما أنجزه القاص العراقي المبدع ( علي السباعي ) لوطنه العراق ولشعبه حيث حصدت قصصه الجوائز المحليّة و العربيّة ، فقد حصل على الجائزة الأولى في مسابقة (بيت الشعر العربي ) للأعوام (96-97-98) ، والجائزة الثالثة لمسابقة مجلة أور الإبداعية عام 1999 ، والجائزة الثالثة في مسابقة دبي الثقافية 2003-2004 ، وجائزة ناجي نعمان في لبنان عام 2006 ، والجائزة الأولى بمسابقة أور الإبداعية 2006 ، والجائزة الأولى في برنامج (سحر البيان) الذي أطلقته الفضائية العراقية ، والجائزة الأولى مناصفة بمسابقة أور الإبداعية 2007. لقد صدر له حتى الآن خمس مجاميع قصصية ، وهناك خمسة أخرى تنتظر الطبع ، و روايتين بانتظار الصدور قريباً . ونشر من الثمانينيات قصصه بتونس ،ولبنان، ودولة الأمارات العربية ، واليمن ، وقطر ، والأردن ومعظم الصحف والمجلات العربيّة والمحليّة ، وتألق السارد علي السباعي بالسرد القصصي من خلال منجزه الإبداعي بمجاميعه التي حظيت بدراسة للماجستير :- (( المنجز الإبداعي للقاص العراقي علي السباعي )) للدارس حازم كامل الشامي، وقد كتب عنه عشرات الأكاديميين والنقاد ، فتجربته المتفردة من خلال القدرة على استقدام التاريخ بنصوصه القصصية من خلال التناص مع النص القرآني ، وحشد النصوص بلغة شعريّة مُعبرة ومُتدفقة بلا تكلف ميّز العطاء القصصي ّ لمبدعنا السباعي علي في بناته الخائبات الصادرة عن دار ميزوبوتاميا عام 2014 م ، تضم المجموعة المتفردة بجرأتها اللافتة قصتين قصيرتين ، هما :- (( فرائس بثياب الفرح )) و ((سيوف خشبية )) ، حيث تبدأ كلتا القصتين بحديث يأتي بضمير المتكلم ، يعبر عن انهزامية البطل ويأسه في الأولى ص 7: (ما كنتُ يوماً قاطعَ طريق لكثرة تعثري بظلي) ، والقصة الثانية تبدأ بلسان المقصود عدي عتودة الرمزية التي أكدت عليها بكتابات السباعي ص 29) إني سيءُ السمعةِ للغايةِ أكثرَ من كلِ الناس ِ ) في قراءة متأنية متفحصة لمجموعته القصصية (بنات الخائبات ) ، نقرأ في قصة :- (( فرائس بثياب الفرح )) :- ( ما كنت يوماً قاطع طريق ، لكثرة تعثري بظلي ، فتمنيت لو كنت طارق بن زياد ، لأحرقت نفسي بدل إحراق سفني ، لأنني لم أكن صانع هذا العالم ، وما كنت كاسراً للصمت الدولي ، لأنني أنفقت عمري كله أعيش مثل أبي الهول ، وكم تمنيت أن أكون ساعات ضعفي مثل أوغستو بينوشيت ، حتى أقتص من كل الصبية الذين ضربوني في المدرسة ) يجسد ما ورد أعلاه انهزامية البطل إبان حكم الطاغية المقبور ، ومدى عجزه الكبير على تغيير نفسه ، حيث ينصاع لأوامر أبن الطاغية . إذ كتب يقول :- (( بدأت أشعر بفحولة أنكيدو . رددها بصوت عال ثانية : فحولة أنكيدو تنتضي سلاحي الباسل . أفقي كان أسد بابل وعشتار . أرسلت له تموزاً كي يبث فيه الخصب . قال عتودة بنشوة مثل أبيقور : ناصرية ، سأفض بكارتك قبل غروب الشمس )). قام السارد علي السباعي بالتناص مع تاريخ عتودة ، وعتودة هو خادم أبرهة الحبشي الذي كان مخلصاً لسيدة أبرهة حيث طلب من سيده أن يمنحه شرف فض بكارة كل فتاة قبل زواجها . إذ جعل السباعي عتودة – عدي بكل شجاعة ، وتتوالى القصة الشجاعة تتصاعد بدراماتيكية عالية حتى تبلغ ذروتها التي هي نهايتها . تبدأ القصة الثانية من مجموعة بنات الخائبات ، والتي وسمها القاص السباعي علي بعنوان لافت :- (( سيوف خشبية )) . إذ كتب في مطلعها :- (( أنني سيء السمعة للغاية أكثر من كل الناس . تعلقت بذيل حمار ودخلت سفينة نوح فكان لي النصيب الأكبر من سيئات الناس ، رغم حقارتي ونذالتي ، إلا أنني أدخل البيوت إلا من أبوابها ، بإمكاني إدخال خيطي في كل نسيج ، أجمل القبيح وأقبح الجميل . كنت مبتلى من هذا الجانب .(( أستثمر القاص المبدع علي السباعي كعادته الكثير من التناصات التي شحن بها قصته في مستهلها سيوف خشبية وتلك ميزة ينماز بها عن مجايلية كافة . جسد التناصات التي وظفها المبدع العراقي علي السباعي في سيوف خشبية على حالة العنة التي كثراً ترمز إلى حالات «العجز الجنسي» لدى الإبطال ، أبطال قصته ، كل بطل رمز إليه السباعي لديه عجزه ، كل واحد من أبطاله ينوء بحمل عجزه ، تارة يكون عاجزاً اجتماعيا ، ومرة عاجزاً سياسياً . إن عجز السلطة الحاكمة- نظام البعث- من جهة ، واسم البطلة «ناصرية» يمنحنا صورة واضحة رسمها السارد بشكل جلي عن عدم قدرة النظام آنذاك من إخضاع مدينة الناصرية لهيمنته ، وانهزام النظام البائد أمامها :- (( ناصرية عنقاء بعثت من رمادها، نطقتها في وجهه بعينين متحدتين تفيضان عداوة جارحة )) . تميزت مجموعة بنات الخائبات بما يلي: أ . لغتها العالية جداً . ب. كتبت في زمن أعتى دكتاتورية مرة بتاريخ البشرية ” دكتاتورية صدام “. ج. إنمازت القصة بثراء مكاني كبيرة . د. تفردت بسياحة معرفية هائلة تحسب لمبدعها القاص العربي المبدع “علي السباعي ” . وقد درس تلك القصص نقاد كثر لديهم التشخيص العلميّ بتحليل الخطاب ، والسرديات ، فأثنوا على قضيتين جوهرتين :- أ- استخدام الرمز التاريخي . ب- شعرية اللغة . ويمكن لنا تحديد أبرز ما أنجزه “السباعي علي ” في تلك القصص :- 1- اشتغال القاص على منطقة الرمز . أن تكتب ضد سلطة دموية ، وأفعال وجرائم صدام إبان فترة حكمه تلك هي الفرادة والميزة والشجاعة فقد نشرت بعض من قصصه بتونس ولبنان والإمارات والأردن وغيرها ..كما ذكرت بالمقدمة . . 2- أستثمر القاص العربيّ ” علي السباعي” حادثتين تاريخيتين شنيعتين من جرائم المقبور صدام ونجله عدي ، وقد وظفهما بشكل أخاذ ، ووثق ببنات الخائبات جريمتين من أبشع الجرائم في تاريخ البشرية إلا وهن :- إعدام الداعرات في السوح الرئيسية لكل مدينة من مدن العراق ، واغتصاب العذراوات من قبل عدي ،حيث كتب القاص والروائي الراحل كاظم الحصيني بصحيفة الزمان دراسة :- (( لقد تميز ( علي السباعي ) عن أقرانه ، وأصبح نصه القصصي ينتمي إليه ، يعود إليه كرؤيا وهموم وطريقته كتابته متوالية ، فالنص لديه يتولد عن نصوص أخرى ، وهذا التوالد يأتي بعد قطع في حدث القصة باللجوء إلى استعانة برمز تاريخي أو حديث ، وكأنه فقد التسلسل . لكنه يعود إلى حدثه أكثر قبضة ، ثم يمزج الحدث الوليد بالنص الأصلي)) ، كما وقد يذكر الباحث حازم كامل الشامي برسالته للماجستير عن علي السباعي :- (( المنجز الإبداعي للقاص العراقي علي السباعي )) ص 77 -: )) تناولت قصص علي السباعي موضوعات كثيرة ومتعددة، حملت في طياتها هموم الإنسان العراقي ، وواقعه الوطني والقومي والاجتماعي ، فقد انتقلت من هموم فردية ،إلى هموم وطنية ذات طابع قومي ، فعبرت عمّا يعانيه الفرد ضمن الهموم الجماعية من دمار وقتل وحصار وحروب ،وماتبع ذلك من هزائم متتالية ، وظهور مشكلة اللاجئين والنازحين ….) وفي ص 138 :- نجد في قصّة ((وساخات آدم )) التناص الديني واضحاً للقارئ الحصيف الذي طرحه علي السّباعي وتقديمه سورة ((العصر)) التي استهل بها النص متمثلة بكلمة ((العصر)) حيث يقول :- (( والعصر زمن عقاربه مد وجزر ،طرقات ، دقي يا ساعة أخرت التوقيت ،دقي ، أعلني توقف آدم عن السر طرقات ملطخة بالأوساخ ،تسأل :هل عندكم نفايات ” ). الاحتجاجات على الدكتاتورية والاستبداد يُعالجها الأديب الملتزم بقضايا وطنه وناسه يعالجها بأدبه الإنساني الجاد وفق التناص التأريخي وبرمزية وحيل يهرب منها من الرقيب القامع .
هيثم محسن الجاسم براعة في ومضات قصصية-
محاولة جادة ،وهادفة ،ورصينة من المبدع التسعيني ” هيثم محسن الجاسم ” الذي واصل مشواره ومنجزه القصصي طوال أكثر من 3 عقود ، وكانت مجاميعه القصصية تمتاز بجودة الحبكة، وفن إدارة الصراع ،وإلتقاطاته الواقعية التي ترصد بؤس الأنسنة زمن الحصار بالجشع والإحتكار وفقدان الكرامة ،وقد تناولته بموسوعة فنارات في الثقافة العراقية دراسات نقدية في 2009. وبمحاولة جديدة يُجرب بتفوق بكتابة القصة القصيرة جداً بكفاءة..ودراية ..وخبرة ..وقدرة لغوية فائقة بالتهكم والشجب لكل ماهو مدان من الظواهر الإجتماعية ، وفق ثنائية (الهيمنة /الخضوع ) (الحرية /الإستبداد ) (النزاهة / والإستئثار ) كتب تلك القصص بسخرية لاذعة يضمنها بحرفية : 1-الشعرية 2- رصد المتغيرات الإجتماعية 3- الإختزال رغم محافظته على الحدث- 4-الشخصية – والزمان-والمكان 5- إعتمد المفارقة اللغوية وهو السر بنجاح تلك القصص القصيرة 6- إعتمد هيثم الجاسم المفارقة الدرامية ،واللفظية ، 7- تميزالعنونة المناسبة لكل قصة قصيرة 8- إشراك المتلقي بالتفاعل مع الحدث المدان بقصصه .. قصص قصيرة جداً مُستلة من إيقاع حيواتنا السريع بتحولاته ..والظواهر المستجدة بشكل مفزع تثير الهلع موضوعات بصميم الواقع ..نعم صادمة لعلّ المتلقي والقاريء والسياسي يرعوي في التسرع بقضم المال ،أو التخلي عن الوطنية صوب الأنانية باللهاث حول المال السحت ، أو توقف من يضمر النية السيئة للعنف ،قصص “هيثم الجاسم “ليست طوباوية ،خيالية أو نرجسية ذاتية ككتاب الهواجس بالفضاء الألكتروني الأزرق وإستسهال النشر أجد “هيثم” بتلك القصص يمثل الهم الجمعي وهو يطارد كل لص أو مأجور أو سفاك للدماء وهذا ينظوي تحت هدفية وقصدية وتواصلية الأدب الهادف والجاد الذي يقف مع المقموعين ضد الجلادين. قصصه . تلك القصص القصيرة جداً بحبكتها وتماسكها ودلالاتها وعلامتها إشارة تنزاح لتشخيص السلبيات وتصويب السلوك الفردي ّ ؛ معتمداَ على قدرة اللغة التواصلية في عوامل التأثير الإتصالي والدلالي من خلال خبرته القصصية بإستخدام البلاغة بسبك تلك النصوص من : مجاز- مفارقة- توتر – ترميز –ضربة ،كتبت أكثر من 4 مقدمات لقصص قصيرة جداً لمبدعين عراقيين أجد المبدع”هيثم محسن الجاسم” تمكنه بمتنه القصصي بالإقتصاد والتكثيف الماهر بالإختزال وإيجاز الحدث بكلمة كنص الهايكو ،يغدو بنسجه للقصص القصيرة جداً كقطعة شوكلاته يسهل إلتهامها بمتعة ولذة ونشوة ..جمالية المغامرة جسده “الجاسم” في التأطير السردي الذي إعتمده بالمراوغة والمباغته وتسجيل أهدافه البارعة.. نماذج إجرائية لقصصه الومضة تشير لقيمة الإختزال ، والتكثيف ووقع الضربة الفنية تختزل صورة للبلاد
فساد- حملوا الدين شعارا ؛نهبوا الوطن…
لافتة إحتجاج ضد من يرتدي أقنعة ليوهم الآخرين ،والبسطاء بأنه الممثل لهم ،قصة تمثل هم حمله شباب تشرين وكل وطني ّ ،وفي نص آخر : فقد سلبوه كرامة العيش ؛استغنى بعلمه.. جوهر الأدب والفن بتعبيره يمثل إنعكاس الواقع برمته لذلك قصص المبدع “هيثم محسن الجاسم” تنتمي لنص الومضة كشعلة جمرة تتوقد لاتنطفيء ..والتنوع بالموضوعات ك قصة حظ سيء :
اختلفت النسوة الثلاث بالرهان ؛ الرجل بلا رجولة . ..أو بنص تضاد :
أقبلت مستورة ؛ أدبرت عارية ..
حمقى : فرشوا قصاع وجوههم ؛ امتلئت ببصاق الوعود الكاذبة .
خائن :
استودعه صوته همسا؛ فضحه الصدى .
تصويت :
كان صندوق التصويت كفم حوت شره؛ قمامه ورق صقيل ..
تلك القصص المحسوبة بكلماتها بتلك الإضمامة من القصص القصيرة جداً “قصص الومضة ” أكثر من 80 قصة ومضة كتبت بصدق ودون تزويق للواقع برغبة عارمة لقلع الأشواك من ورود وجودنا، ومضات تؤرشف الأسى اليومي ، ومضات عبارة عن وخزات وصدمات كهربائية ليصحو الضمير ليست سودواوية مفرطة بل مُذكرة مُعنفة ،لذلك لم يضع الجاسم أحمر الشفاه على فم القرد ليجمله ، تلك الإلتقاطات من الواقع كالطير الذي يلتقط من الأرض الحب الجيد من الرديء،تثير التوتر والإنفعال والشد بإيجازها لتجاوز الخراب نحو آفاق البناء ، ومضات المبدع “هيثم محسن الجاسم ” بتلك النصوص تحقق القبول الحسن لمصداقية السرد الخاطف كبرق بعد رعد .. يؤكد الناقد الدكتور جاسم خلف الياس بكتابه (شعرية القصة القصيرة جداً ) ص 67 ( والقصة كغيرها من الأنواع الأدبية التي استطاعت بما تملكه من مؤهلات بنائية أن تعبر عن المرحلة أو اللحظة التي يعيشها الإنسان ، وتساير حركية المجتمع وتغيراته …).


