إيران تُخرج إسرائيل من المعادلة العسكرية… قراءة في التحولات الأخيرة

إيران تُخرج إسرائيل من المعادلة العسكرية... قراءة في التحولات الأخيرة
تناولت المقالة التحولات العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل، مشيرة إلى نجاح إيران في تحييد الدور العسكري المباشر لإسرائيل مؤقتًا، مع تحول السياسة الأمريكية نحو الضغوط الدبلوماسية والرقابة النووية بدلاً من العمليات العسكرية....

منذ اللحظة الأولى لدخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، كان الملف الإيراني يتصدّر أولويات خطابه السياسي، ولم يكن يخلو أي تصريح للرئيس الأمريكي من تحريض مباشر وصريح لإسرائيل للقيام بعمل عسكري ضد إيران، باعتبارها العدو الأول الذي يُهدد الأمن الإقليمي والمصالح الغربية في الشرق الأوسط.

غير أن المشهد تغيّر جذريًا بعد المواجهة الأخيرة التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، والتي أسفرت عن سلسلة من الضربات المتبادلة غير المسبوقة، وصلت إلى عمق الأراضي على حد سواء. وعلى إثر تلك التطورات، بدأت تتكشف معالم واقع جديد في المنطقة، حيث تشير الوقائع بوضوح إلى أن إيران نجحت، ولو مرحليًا، في إخراج إسرائيل من المعادلة العسكرية المباشرة ضدها.

مؤشرات هذا التحول بدأت تظهر بجلاء في تصريحات ترامب الأخيرة. فالرئيس الأمريكي الذي لطالما كرّر تحريضه لإسرائيل على توجيه ضربات عسكرية لإيران، بدا في الأيام الأخيرة يتجنب الحديث عن أي دور عسكري إسرائيلي في المستقبل القريب، مكتفيًا بالتركيز على إيران بشكل مباشر، عبر التهديد باستهداف منشآتها النووية مجددًا، والدعوة لتشديد الرقابة والتفتيش الدولي عليها.

ترامب، الذي اعتاد التصريحات التصعيدية تجاه إيران، شدّد مؤخرًا على ضرورة خضوع مواقع إيران النووية لتفتيش فوري من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، محذرًا من عواقب استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي. لكنه في المقابل، تجاهل تمامًا مسألة احتمالية قيام إسرائيل بأي عملية عسكرية جديدة ضد طهران، وهو تغيّر لافت في لغة التصريحات الأمريكية، يعكس قراءة دقيقة للواقع الميداني الجديد.

التقارير الإعلامية والاستخباراتية، خاصة تلك الصادرة عن الصحافة الأمريكية والأوروبية، أجمعت على أن إسرائيل تكبّدت خسائر فادحة خلال المواجهة الأخيرة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، ما دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية، بعيدًا عن المغامرات العسكرية الخارجية، خاصة ضد إيران التي أظهرت قدرة كبيرة على الرد الفوري والمؤلم.

في المقابل، لم تتأخر إيران في استثمار هذا التحول لصالحها. تصريحات المسؤولين الإيرانيين، وفي مقدمتهم قائد الحرس الثوري، أكدت أن إسرائيل لم تعد جزءًا فعالًا من معادلة الردع في المنطقة، معتبرين أن استهداف العمق الإسرائيلي وتحييد جزء من القدرات الجوية الإسرائيلية أحدث تغييرًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله.

هذا التوازن الجديد لم يأتِ من فراغ. إيران عزّزت موقفها عبر تكثيف العمل العسكري، وتوسيع دائرة النار، ما خلق ضغطًا مستمرًا ومتعدد الجبهات على إسرائيل، جعلها في موقف دفاعي، وأجبرها على الانكفاء نحو الداخل، بدلًا من الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران.

إلى جانب ذلك، لم تغب الحسابات الأمريكية عن المشهد. خسائر القواعد الأمريكية في المنطقة، والضغوط الداخلية المتزايدة في الولايات المتحدة، دفعت إدارة ترامب إلى التراجع عن فكرة التصعيد العسكري الواسع، خاصة إذا كانت إسرائيل ستدفع الثمن الأكبر في تلك المواجهة، وهو ما جعل واشنطن أقل حماسة لتوريط إسرائيل في معركة جديدة غير محسوبة العواقب.

أما على المستوى السياسي، فلا يمكن إغفال أن ترامب، رغم لهجته العدائية المعهودة تجاه إيران، بدأ يلوّح بإمكانية العودة للمفاوضات، معتبرًا أن الدبلوماسية المشروطة بالقوة قد تفضي إلى نتائج أفضل من التورط في حرب شاملة غير مضمونة النتائج.

كل هذه المعطيات تشير إلى أن إيران، عبر استراتيجية معقدة ومتعددة الأبعاد، نجحت في تحييد إسرائيل مرحليًا من المعادلة العسكرية المباشرة، وفرضت معادلة ردع جديدة تُعيد رسم توازنات القوة في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا الإنجاز لا يعني نهاية دائمة للصراع، بل يعكس مرحلة انتقالية يُعاد خلالها ترتيب الأوراق، حيث لا تزال إسرائيل تمتلك قدرات نووية وصاروخية ضخمة، وقد تعود للواجهة إذا توفرت الظروف السياسية والعسكرية الملائمة. دون انهيار الجبهة الداخلية.

لكن حتى إشعار آخر، يبدو أن إيران استطاعت إخراج إسرائيل من حسابات المعركة المباشرة، على الأقل في المدى القريب، وهو ما يتجلّى في صمت تل أبيب، وتحوّل خطاب ترامب نحو الضغوط الدبلوماسية، بعيدًا عن مغامرات الحسم العسكري عبر إسرائيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *