هايكو الحرب عند سيتو سانكي: الشعر كصرخة مكبوتة في وجه الجحيم

التصویریة بین الهرطقة العربیة والواقعیة
شكّلت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول كبرى في تاريخ الهايكو الياباني، حين أُجبر الشعر المكثّف والصامت على مجابهة مشاهد لم يعهدها من قبل من الجثث والقمع والتهجير والرقابة والاعتقال. وإذا كان ياماغوتشي سيشي قد مثّل صوت الحداثة الصلبة ضمن الشكل التقليدي، فإن الشاعر سيتو سانكي(Saitō Sanki, 1900–1962) ذهب أبعد من ذلك، مفككاً الهايكو من الداخل، ومانحاً إياه وظيفة تشبه الوثيقة الشعرية أو الصرخة المختنقة....

شكّلت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول كبرى في تاريخ الهايكو الياباني، حين أُجبر الشعر المكثّف والصامت على مجابهة مشاهد لم يعهدها من قبل من الجثث والقمع والتهجير والرقابة والاعتقال. وإذا كان ياماغوتشي سيشي قد مثّل صوت الحداثة الصلبة ضمن الشكل التقليدي، فإن الشاعر سيتو سانكي(Saitō Sanki, 1900–1962) ذهب أبعد من ذلك، مفككاً الهايكو من الداخل، ومانحاً إياه وظيفة تشبه الوثيقة الشعرية أو الصرخة المختنقة.
ولد سيتو سانكي في تسوياما، وبدأ حياته المهنية طبيبًا للأسنان، غير أن منعطفه الشعري جاء متأخرًا في الثلاثينيات، ضمن حركة “الهايكو الجديد الصاعد” (Shinkō Haiku)، والتي تمردت على شروط الهايكو الكلاسيكية مثل الالتزام بالكلمة الموسمية أو الاحتفاء بالطبيعة¹. في أحد أشهر نصوصه التي كتبها بعد الاعتقال، يقول:
فمي مغلق
أبتلع الصرخة.
بهذه الصيغة القصيرة، يقدّم سانكي تجربة القمع، ليس كموضوع، بل كفعل جسدي حيث الصرخة تُحوّل إلى حركة داخلية وهي الابتلاع، بدلًا من القول. هنا يتحول الجسد إلى وعاء للمقاومة، والهايكو إلى ممارسة وجودية ضد الصمت المفروض.
على العكس من التصورات الجمالية للهايكو، يقدّم سانكي لغة حادة وقاسية، غالبًا ما تستدعي العنف بصوره الأولية. نقرأ في إحدى قصائده:
رشاش آلي
بين الحاجبين
– تزهر زهرة القتل.
تشكل هذه الصورة قلبًا ساخرًا للزهرة، وهي الرمز الأعلى في الهايكو التقليدي. لكن عند سانكي، “الزهرة” لا تتفتح، بل تنفجر في الجبهة، إنها لحظة قتل، مصورة كنوع من “تفتح دموي”. المفارقة القاسية هنا تقوم على اختزال مشهد الإعدام أو القتل العسكري إلى استعارة واحدة مشوهة².
لم يكن سانكي معنياً بالطبيعة بوصفها فضاءً للتأمل، بل بوصفها ضحية جانبية أو شاهدًا على الجريمة. نجد ذلك في قوله:
جثث منتفخة
تحت ضوء القمر
بعوضةٌ تطنّ.
هنا يُستبدل القمر الذي طالما رمز إلى التأمل والجمال، بمشهد تشريح بارد. البعوضة كرمز للحياة الصغيرة لا تهدّئ المشهد، بل تؤكّد حضوره اليومي المأساوي. هذه المفارقة بين عناصر الطبيعة والموت تشكل نمطًا متكررًا في شعر سانكي، حيث كل ما كان مألوفًا يتحوّل إلى حامل للمأساة³.
وفي هايكو أخرى يتناول التفاهة اليومية بوصفها عنفًا مقنعًا، حين يقول: نهر من دمٍ يجري ببطء… صباحٌ آخر فقط. يشير الشاعر إلى التكرار المَرَضي للقتل، حيث أصبح الدم جزءًا من المشهد اليومي، دون أن يثير أي ذعر أو حتى دهشة. المفارقة هنا قائمة على توتّر العبارة الأخيرة “صباحٌ آخر فقط”، كأن الموت صار مكونًا من مكونات الحياة المدنية العادية.
يُمثّل سيتو سانكي انقلابًا شعريًا داخل الهايكو الياباني، ليس فقط لأنه كسر البناء التقليدي أو تخلّى عن عناصر الزينة الجمالية، بل لأنه استخدم هذا الشكل المكثّف ليقول ما لا يُقال، وليمنح العنف الداخلي صوته الخاص. في عالم صاخب بالدم، كانت قصيدته هي الأهدأ، لكنها أيضًا الأكثر فتكًا. إن هايكو سانكي يقدم نموذجًا فريدًا لما يمكن أن يصبح عليه الشعر المقاوم حين يواجه الجحيم بأدواته الخاصة، محولًا الصمت المفروض إلى صرخة مكبوتة تحمل قوة الانفجار في كثافتها.
الهوامش:
Suzuki, Daisetsu Teitaro. Zen and Japanese Culture. Princeton University Press, 1959.
Choi, Ryan. Three Demons: The Selected Haiku of Saito Sanki. Isobar Press, 2022.
Hiroaki Sato. One Hundred Frogs: From Renga to Haiku to English. Weatherhill, 1983.
تنويه: نُشرت ترجمات القصائد الإنجليزية عن سانكي في مجلة Kenyon Review ومختارات Isobar Press، وقد تمت إعادة صياغتها بالعربية بما يحفظ دلالاتها الشعرية والنقدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *