في هندسة الردع والهيمنة: إيران والعدوان الإمبريالي بوصفه مسرحا لإعادة إنتاج السيطرة في منطق العدوان: حين يتحوّل السلام إلى أداة حرب

في هندسة الردع والهيمنة: إيران والعدوان الإمبريالي بوصفه مسرحا لإعادة إنتاج السيطرة في منطق العدوان: حين يتحوّل السلام إلى أداة حرب
تناول المقال الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران كجزء من هيمنة استعماريّة جديدة تحت ستار "السلام"، مستهدفًا موقع إيران الاستراتيجي وبنيتها الإنتاجية، مؤكّدًا أن الرد الحقيقي يكمن في بناء استقلال اقتصادي وتقني مقاوم...

ليس فجرا عاديا ذاك الذي افتتحته الطائرات الأمريكية المنقضة على منشآت إيران النووية، باسناد صهيونيّ سافر. إنه فجر يعيد إنتاج العلاقة الكولونيالية بصيغتها المعاصرة: سلام يُقصف من الجو، وسلام يُعلن تحت ركام السيادة الوطنية، تحت قعقعة “توماهوك” وبريق قنابل اختُزلت وظيفتها في صورة دعائية لإمبريالية مأزومة.

أن يُقصف بلد لأنه يراكم مقدرات ردعه، فذلك ليس انحرافا عن القانون الدولي، بل هو منطق القانون الإمبريالي ذاته، حيث يُشرعن القوي تدخله لا باسم القوة بل باسم “السلام”. وإذ تعلن واشنطن أن لحظة العدوان هي لحظة سلام، فهي تُعرّي جوهر هذا السلام: إخضاع الشعوب باسم نزع سلاحها، وقتل استقلالها باسم توازن ردع لا يُحتكر إلا لمن يصنع النظام العالمي ويهيمن عليه.

هذه هي الوظيفة الجديدة للقوة: لا أن تحقّق انتصارا، بل أن تُعلن القوة كايديولوجيا، وتفرض الهيمنة كقدر.

لم يكن الهجوم على فوردو وأصفهان ونطنز حدثا عسكريا صرفا؛ بل كان فصلا في مسرحية أمريكية–صهيونية مدروسة، يُراد منها اختراع نصر وهمي يعوّض انكشاف المشروع الصهيوني في الإقليم. الطائرات تنطلق من “ميزوري”، والقنابل خارقة للتحصينات تُلقى، لكن لا يسمع دويُّها أحد، ولا تُسجّل الأقمار الصناعية انفجارا ذا معنى. ما رُصد فقط “حدث حراري” قرب المنشأة، لا داخلها. إذا، ما جرى لم يكن إلا ضجيجا يراد له أن يُخفي مأزق الهزيمة السياسية والعجز الاستراتيجي.

طهران، العضو في معاهدة منع الانتشار النووي، تخضع منشآتها للتفتيش الدوري. في المقابل، “إسرائيل” كيانا يمتلك من 80 – 200 رأسا نوويا، يقف خارج أي رقابة، محصّنا بالحماية الأمريكية والغربية. المفارقة هنا ليست أخلاقية، بل بنيوية: في النظام الإمبريالي، من حق المركز أن يمتلك، ومن واجب الأطراف أن تُعرّى من كل ما يجعلها قادرة على الدفاع عن وجودها.

الضربة لم تكن موجهة ضد اليورانيوم ولا أجهزة الطرد المركزي. بل كانت تستهدف رأس النظام الإيراني، ومجمل موقعه الإقليمي، بوصفه عقدة في شبكة المقاومة، ومحورا يُخلّ بترتيب السيطرة المفروض على المنطقة. الهدف أن تنكفئ إيران عن حلفها مع روسيا والصين، أن تتبرأ من غزة وبيروت وصنعاء، أن تتنازل عن استقلالها، مقابل أمن وهمي يُمنح بفتات المفاوضات. في هذا السياق، لا تُستهدف إيران فقط كمفاعل نووي في نطنز أو فوردو، بل تُستهدف كموقع استراتيجيّ في “خط الشمال” (إيران – تركيا – باكستان)، هذا الخط الذي يمثل تحديا لبنية السيطرة الغربية، ويهدد بإعادة ترتيب توازن القوى من خارج منظومة الهيمنة الأمريكية.

الخضوع ليس خيارا عقلانيا، بل انهيار لمعادلة الردع التي صاغتها طهران عبر عقود من الصمود والحصار. في منطق المقاومة، يكون الرد فعلَ وجود، ويصبح الصمت مقدمة لانهيار سياسي وشعبي شامل. ومع ذلك، لا يُقاس الرد بكمية القصف بل بنوعيّة التحوّل: هل تستطيع طهران أن تعيد إنتاج قواعد الاشتباك؟ هل تملك القدرة على تحويل العدوان إلى فرصة استراتيجية؟

“الرد ليس فعلاً عسكريا، بل هو إعادة إنتاج لموقع الدولة في الصراع الطبقي العالمي”.

“القوة أولاً ثم السلام”، هكذا نطق نتنياهو، وهو لا يدرك أنه يكرر أسطوانة فاشية قديمة بلسان حداثي. لكنها القوة التي لا تعرف أن في المنطقة شعوبا لا تُستعمر مرتين، وأن موازين القوى لا تُقاس بالترسانة بل بالمعنى التاريخي للفعل المقاوم. من صنعاء إلى غزة، ومن الجنوب اللبناني إلى طهران، يتشكل مشهد جديد: الرد ليس ضرورة تكتيكية، بل شرط لبقاء الإرادة.

الهجوم على إيران ليس معزولا عن صيرورة تاريخية يتصارع فيها مشروعان:

  • مشروع أمريكي–صهيوني، يراهن على تحويل غرب آسيا إلى “بحيرة إسرائيلية” تقطع جذور المقاومة،
  • ومشروع تحرري تعددي، تسنده شعوبٌ تصرّ على إعادة رسم الجغرافيا وفق موازين العدالة والسيادة.

إيران لا تُستهدف وحدها. إنما يُستهدف المعنى التحرري لوجودها، ومجمل البنية الجيوسياسية المقاومة في الإقليم.

ما يجري اليوم ليس مواجهة عسكرية وحسب، بل صراع على منطق العالم:

  • هل يكون العالم منظما وفق منطق القوة الاستعمارية القديمة بأدوات حديثة؟
  • أم تُستعاد فيه إرادة الشعوب كقوة مؤسسة لنظام دولي بديل؟

بين سؤال الرد الإيراني وسؤال الموقف العربي، يتحدّد مصير الإقليم لعقود مقبلة. فإما أن تتحوّل لحظة العدوان إلى مقدّمة لانبعاث تحرري، أو تكون مدخلا لعصر جديد من التبعية والخراب.

خاتمة: في جدل البنية والردع… السيادة ليست قرارا سياسيا، بل علاقة إنتاج ليس الردع في دولةٍ من دول الأطراف مسألة قرار سيادي فوقيّ، بل هو تعبير عن توازن مختلّ في البنية التحتية ذاتها، وعن موقع هذه الدولة في تقسيم العمل الإمبريالي. ففي منطق الهيمنة، يُمنع على دولة مستعمَرة أو شبه–مستقلة أن تمتلك شروط الردع، لأن امتلاكها يقتضي تحرّر أدوات الإنتاج: التكنولوجيا، الاقتصاد، والعلم، من علاقات التبعية.

لذا، فإن البرنامج النووي الإيراني، مثلما هو مشروع تقني وعسكري، فهو كذلك مشروع اقتصادي–اجتماعي، يسعى إلى قلب موقع إيران في البنية الإمبريالية العالمية. وحين يُقصف هذا المشروع، فإن ما يُستهدف ليس فقط مفاعلا تحت جبل، بل يُستهدف أفق إنتاج الدولة ذاتها كفاعل مستقل. يُستهدف حقها في بناء قاعدتها الصناعية، وأدوات اكتفائها، وعناصر تفوقها المعرفي.

لقد فهمت طهران – كما فهمت هانوي من قبلها – أن السيادة لا تُنتزع من مجلس الأمن، بل من نمط الإنتاج السائد في علاقاتها الدولية. وأن الردع لا يُبنى على خطاب سياسي، بل على بنية تحتية مقاومة للتدويل الإمبريالي.

من هنا، فإن الرد على العدوان لا يكون فقط بإطلاق الصواريخ، بل بمراكمة القدرة الإنتاجية خارج منطق التبعية، وإعادة هيكلة المجتمع والدولة بحيث تنتج سلاحها، قمحها، دواءها، ومناهجها. لأن السيادة لا تكون بامتلاك قرار الرد، بل بامتلاك شروطه الموضوعية.

فالردع، إذًا، في المشروع التحرري ليس توازنا في السلاح، بل توازنا في البنية. والسيادة ليست شعارا، بل نفيا ماديا للعلاقات الإمبريالية في الاقتصاد والثقافة والتقنية.

“نحن لا نحارب فقط لرد العدوان، بل لنُنتج عالما لا يقوم على الهيمنة. هذه هي الوظيفة التاريخية للمقاومة.”

ولعل اللحظة التي نعيشها، حيث تتقاطع القنابل الخارقة مع الكلمات الفارغة عن السلام، هي لحظة كشف: إما أن تُعاد صياغة العالم من أسفل، من البنية، من الإنتاج، وإما أن يُعاد استعماره باسم “السلام العادل والنظام الدولي”.

وتبقى كلمة السر: ” حرب الاستنزاف”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *