الحرب الدينية الخفية: بين القيامة الصهيونية والجمهورية الإسلامية

الحرب الدينية الخفية: بين القيامة الصهيونية والجمهورية الإسلامية
يكشف النص أنّ الصراع بين الجمهورية الإسلامية والكيان الصهيوني ليس سياسيًا فقط، بل ديني–عقائدي عميق، تسعى فيه الصهيونية لفرض هيمنة توراتية عبر "المشروع الإبراهيمي". ويؤكد أن إيران تمثّل حصن المقاومة الإسلامية، ويُعدّ دعمها واجبًا دينيًا في وجه مشروع استئصالي خطير...

في ظاهرها، قد تبدو الحرب الدائرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني حربًا سياسية أو أمنية أو حتى صراع نفوذ إقليمي. إلا أن الغوص في عمق هذا الصراع، وتحليل الخطاب والرموز والخطط المعلنة والمضمرة، يكشف عن حقيقة أخطر وأعمق: نحن أمام حرب دينية عقائدية شاملة، يقودها المشروع الصهيوني ومن خلفه التحالف الغربي – الأميركي، تحت عباءة ما يُسمى بـ”المشروع الإبراهيمي”، في مواجهة مدرسة الإسلام المقاوم التي تمثلها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

  1. البعد الديني في المشروع الصهيوني

المشروع الصهيوني لم يكن يومًا مشروعًا سياسيًا خالصًا. منذ تأسيسه، وهو يستمد روايته وشرعيته من “الأساطير التوراتية” ونصوص التلمود، ويقدم نفسه كمبعوث إلهي لتحقيق “الخلاص اليهودي” وبناء “الهيكل الثالث” على أنقاض المسجد الأقصى. ولذلك:

  • يتم تسمية الأسلحة والمنظومات العسكرية بأسماء دينية، مثل منظومة “مقلاع داوود” وصواريخ “السهم” (حيتس)، في تأطير واضح للصراع بأنه مقدّس وتوراتي.
  • بنيامين نتنياهو قال في إحدى خطاباته أمام الكونغرس الأميركي (2023):

“النبي إشعيا علّمنا قبل ثلاثة آلاف سنة: من أجل صهيون لن أسكت، ومن أجل أورشليم لن أهدأ حتى يتلألأ خلاصها كمشعل مشتعل.”

وهذا الاقتباس من سفر إشعيا (الإصحاح 62) يستخدم لتصوير الحرب على أنها تتمة لنبوءة دينية، وليس مجرد موقف سياسي.

  • كما قال في مناسبة أخرى:

“نحن نعود إلى أرض آبائنا، التي وعدنا الله بها في التوراة، وسنبني أورشليم الجديدة مهما كلف الثمن.”

  • حاخام شلومو أمار، أحد كبار حاخامات الكيان، صرّح خلال العدوان على غزة عام 2008:

“هذه المهمة العسكرية مهمة مقدسة تُنفذ باسم الشعب اليهودي كله.”

  • الحاخام يونا متسِجَر أفتى خلال الحرب قائلًا:

“هذه الحرب تُخاض من أجل تقديس اسم الله، فلا تخافوا، الله معنا.”

هذه التصريحات كلها تؤكد أن الحاخامات والقيادات الدينية الصهيونية لا ينظرون للحرب كأداة أمنية بل كوصية دينية.

  1. المشروع الإبراهيمي: غطاء الهيمنة الدينية

ما يسمى بـ”المشروع الإبراهيمي”، الذي تروج له الولايات المتحدة وبعض الأنظمة العربية، يقدّم على أنه مشروع حوار ديني، لكنه في جوهره محاولة لتذويب الهوية الإسلامية ودمجها في إطار عقيدة دينية عالمية يسيطر عليها الكيان الصهيوني.

فالبيت الإبراهيمي في الإمارات، والصلوات المشتركة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، ليست سوى تمهيد لنزع مركزية الإسلام وتحويل القدس إلى عاصمة دينية لقيادة صهيونية مسيانية.

وما لا يُقال صراحة، هو أن هذا المشروع يستهدف إفراغ الإسلام من محتواه الجهادي والمهدوي والحسيني، وتحويل الأمة إلى “أتباع سلام” في مشروع خلاص يهودي توراتي.

  1. الجمهورية الإسلامية: الهدف العقائدي

يرى الكيان الصهيوني أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمثل الخطر الوجودي الأكبر لمشروعه، ليس لأنها تملك صواريخ أو نفوذًا سياسيًا فقط، بل لأنها تمثل القيادة الفكرية والعقائدية لمشروع المقاومة الإسلامي، القائم على:

  • عقيدة الانتظار المهدوي، التي تتناقض كليًا مع نبوءات “الخلاص اليهودي”.
  • الإيمان بثورة الحسين (عليه السلام) كمصدر شرعي للثورة على الظلم والاحتلال.
  • دعمها العملي لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق.

وقد عبّر العديد من القادة الصهاينة عن هذا الخطر بوضوح، إذ قال أحد جنرالاتهم:

“الخطر الحقيقي ليس إيران كدولة، بل إيران كعقيدة… هي من تمنح الشرعية لحزب الله، ولحماس، وللجهاد الإسلامي، وللحشد الشعبي، وهي من تحرّك الملايين بروح عقائدية لا نملك أمامها شيئًا.”

  1. الغفلة العربية والتطبيع الوهمي

للأسف، كثير من الأنظمة العربية انخدعت بأن التطبيع مع “إسرائيل” سيجلب الأمان ويحفظ العروش. لكنهم تناسوا أو تجاهلوا:

  • أن الكيان الصهيوني لا يحترم عهدًا ولا اتفاقًا، بل يستخدم الاتفاقيات كمراحل تكتيكية نحو هدفه الأكبر: السيطرة على المنطقة بأكملها.
  • أن الصهيونية تنظر حتى إلى هذه الأنظمة على أنها أدوات مؤقتة، سيتم استبدالها أو تفكيكها عند الحاجة.
  • أن المشروع الديني الصهيوني لا يعترف إلا باليهود فقط كعنصر شرعي للحكم، وما سواهم يجب أن يكونوا خدمًا أو منفيين.
  1. الواجب الشرعي: نصرة الجمهورية الإسلامية

لقد آن للأمة الإسلامية أن تدرك أن ما يجري ليس صراعًا إيرانيًا-إسرائيليًا، بل صراع أمّة ضد مشروع صهيوني ديني استئصالي، لا يرضى بالتعايش، بل يريد الاستعباد والهيمنة والخراب.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقف كسدّ منيع في وجه هذا المشروع، وتدفع ثمنًا باهظًا سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا، لأنها تقول “لا” للمشروع الصهيوني وللمشروع الإبراهيمي، و”نعم” للقدس وفلسطين والمستضعفين.

إن الوقوف معها ليس خيارًا سياسيًا، بل واجبًا دينيًا وعقائديًا وأخلاقيًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *