عندما يكون بيان المرجعية بلسماً ووعياً

عندما يكون بيان المرجعية بلسماً ووعياً
بيان المرجعية يحلل الصراع بين الحق والباطل، يفضح فلسفة الكيان الصهيوني، يؤكد استمرار الحرب ضد المسلمين، ويعزز الأمل بنصر الله رغم فقد القادة، مع التركيز على البعد العقائدي...

البيان الذي أصدره سماحة المرجع اليعقوبي ليس موقفاً لنصرة الجمهورية الإسلامية فحسب، ولا إدانة لما قام به المعتدون فقط؛ وإنما يرسم للمؤمنين طريق الحق، وبيان قرآني  لحقيقة الصراع القائم بين معسكري الحق والباطل.

فلو أردناه تحليل الخطاب، فإننا نقف أمام ثلاثة محاور أساسية للتمييز بين المعسكرين:

المحور الأول. بيان فلسفة الكيان الصهيوني الغاصب، المبنيّة على ( الظلم والعدوان والاستكبار واحتقار الآخرين ) وفق التحذير الذي أطلقته الآية الشريفة  {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} (التوبة:8) أي أن هؤلاء الصهاينة لو تمكنوا من المسلمين لا يرقبون الله فيهم ولا القوانين المرعية والمواثيق الدولية التي تلزم المتخاصمين في أخلاقيات الخصام والحروب، فنراهم يباغتون الناس الآمنين بالقصف على تجمعات مدنية سكنية، ويملأون العالم ضجيجاً بتصريحاتهم التي تحث على الحوار والدبلوماسية في تسوية الأمور، والدفاع عن النفس باستخدام القوة في موارد محددة؛ ولكن الحقيقة المرّة أن العالم يستيقض على وقع تفجيرات الاغتيالات وسط الأحياء السكنية، وهذا عين ما وصفهم القرآن الكريم ( لا يرقبون فيكم إلّا ولا ذمة ).

من هذا المنطلق القرآني يُظهر سماحة المرجع اليعقوبي عدم تفاجئه من ( ما قام به الكيان الصهيوني الغاصب هذا اليوم من اعتداءات وحشية على التجمعات السكنية والمعالم الحضارية من منشآت نووية ومراكز لخدمة الشعب في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشقيقة) فهذا هو ديدنهم منذ ان احتلوا الارض المقدسة، وارتكبوا أنواع المجازر الوحشية التي يندى لها جبين الإنسانية.

وأسسوا الكيان الغاصب في قلب الأمة الإسلامية، وكما أشار سماحة المرجع بأن جعلوه ( رأس الحربة في تنفيذ مشاريعها العدوانية لاستعباد الشعوب وسرقة ثرواتها)، ليس ضد الشعب المنكوب المحتلة أرضه فحسب، بل لاستعباد جميع شعوب المنطقة الإسلامية والسيطرة على مقدراتها والتحكم بسياساتها وسرقة ثرواتها، كما يحصل اليوم بشكل جليّ.

المحور الثاني. استمرار الحرب ضد المسلمين منذ فجر الإسلام وإلى يومنا هذا، من أجل إخضاع المسلمين لإرادة الاستكبار العالمي، وهو ما أشار إليه سماحة المرجع بالتعبير القرآني {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة:217)، يقاتلوننا بشتى الوسائل من حروب خشنة أو ناعمة أو حروب اقتصاديّة، لغرض واحد هو إرتداد الناس عن دينهم الحق، وتحويلهم إلى الآيديولوجيا العلمانية والليبرالية اللادينية، لكن بعد أن عجزوا عن تركيع المسلمين، وفشل أنظمتهم السياسية وأيديولوجياتهم التي بشّروا بها، تحولوا لاحقاً إلى خطة أخرى مدروسة وهي إعلان الدين الجديد وأمروا ببناء المعابد الوهمية في بعض الدول، وزيارة البابا إلى مدينة أور التاريخية التي اتخذت مقراً لحج أتباع الديانة الجديدة اليها، ويفرض على الحكّام التطبيع مع المحتل تحت عنوان التطبيع مقابل السلام.

وفي الوقت نفسه، فإن أي دولة تعارض هذه المشاريع، تُشن ضدها الحروب، وتوجه نحوها القنابل بطرق وحيل خبيثة، وتنفيذ الاغتيالات وتجنيد العملاء، وكل ذلك بدعم دول العالم التي تدعي التحضر والحرية، ولكنها تدعم العنف والظلم والعدوان في الوقت نفسه، وهذا هو ديدنهم وإن تظاهروا خلاف ذلك.

ورغم تفوّق العدو عسكرياً وتمكنه من التقنية الحديثة، فإنه لا يتجاوز الوهن الذي عليه بيت العنكبوت ﴿مَثَلُ الَّذينَ اتَّخَذوا مِن دونِ اللَّهِ أَولِياءَ كَمَثَلِ العَنكَبوتِ اتَّخَذَت بَيتًا وَإِنَّ أَوهَنَ البُيوتِ لَبَيتُ العَنكَبوتِ لَو كانوا يَعلَمونَ﴾ [العنكبوت: 41].

فيشير البيان إلى نتيجة عدم تمكنهم من تنفيذ أهدافهم وفق الوعد القرآني الذي بشّر به سماحته ونشر الأمل بين المؤمنين ( وعد الله تعالى بأنهم لا يبلغون هدفهم وما كيدهم {إِلَّا فِي تَبَابٍ} (غافر:37))، أي أن كيدهم في خسارة بإذن الله، وقد رأيناهم كيف تحولوا من الانتفاخ وزهو الشعور بالغلبة في إغتيالهم للقادة والعلماء، إلى الخوف والهلع والمبيت في الملاجئ، بمجرد إطلاق العنان للصواريخ لدك المعتدي، ورد كيده إلى نحره؛ ثم يولولون كالنساء ويصورون للناس أنهم مظلومون ومسالمين!!

وهذا هو الأساس الثالث في التمييز بين معسكري الحق والباطل.

المحور الثالث. رغم المصاب الجلل بفقد القادة الشهداء، إلا أن ( العدو يعاني من الرعب والخوف والهزيمة أكثر) وهذا التوازن في الرعب الذي أشار إليه البيان القرآني {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} (النساء:104)؛ والفرق الجوهري بين المعسكرين هو الرجاء من الله تعالى والمآل الذي يلجأ إليه الإنسان ويطمح إلى تحقيقه في هذه الحياة، أو المصير الذي يسكن اليه في العالم الآخر والحياة الأبدية {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} (النساء:104)، وهذه الحقيقة تمثل سرّ تعلق المؤمنين بالله والأجر والثواب المُعد، والفوز بالجنة، والدرجات العالية عند تحقق الشهادة على طريق الحق والعدل والخير.

فالبيان يذكّر بأن الصراع عقائدي بالدرجة الأساس، والمستهدف هو الإسلام المحمدي الأصيل، لتركيع آخر قلاع الصمود بوجه الماسونية ومخططاتها الشيطانيّة التي أعدت للمنطقة وللعالم أجمع.

ويشير إلى أن الظلم والعدوان والوحشية هي ديدن الغرب اليوم، وإن تلبس بالباس الحضارة والتقدم العلمي.

وإنما الأمل والعمل ينعقد في نشر الإسلام الأصيل وبيان محاسنه وسماحته، فهو النموذج الوحيد القادر على تحقيق العدالة ونشر الرحمة في العالم الذي يأن من تسلّط أصحاب الأموال المأزومين المستبدين.

والحمد لله قاصم الجبارين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *