ربما الحقائق القانونية لا تظهر الا بعد نزاع مجتمعي يثيره موقف او تصريح او فلم سينمائي او مسلسل تلفزيوني. ومسلسل (عالم الست وهيبة) احدها. فتباين الرأي العام حوله لا على أساس محتواه هذه المرة وانما بسبب “اسم” احد شخصياته فاستخدام الكاتب اسم (مهدي ابو صالح) او (مهيدي أبو صالح)على احد شخصياته, وبعيداً عن ترجيح احد هذه الآراء, فان هذا التباين الاجتماعي ثار تساؤل قانوني من المهم بمكان ان يعرفه المجتمع ورواد الفن, مفاده:
هل للأسماء المدنية قيمة قانونية في المجتمع عامة وفي العمل الفني خاصة؟
ليس صحيحاً ان قصارى ما يسعى اليه الانسان هو الذود عن مصالحه المالية فحسب, فهناك نعم إنسانية غير مالية يتمتع بها, تلزمه كيما يتاح له ان تزدهر شخصيته في بيئته الاجتماعية يسعى للذود عنها, من هذه القيم غير الاقتصادية هي حق الفرد في احترام ذاته, ومن صور هذا الاحترام ان يكون له “الاسم” يتمتع بالحماية القانونية, والاسم يتكون من عنصرين أساسيين: الاسم الشخصي واللقب. واضافة اللقب الى الاسم الشخصي ضرورة قانونية لان الاسم الشخصي لا يكفي لتمييز الفرد عن غيره. وهذا ما قضت به المادة (40) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل. واقسم هذه المقالة على محورين: ادرس في الأول: القيمة القانونية للاسم في المجتمع, وابحث في الثاني: القيمة القانونية للاسم في العمل الفني.
اولاً: القيمة القانونية للاسم في المجتمع :
يجمع “الاسم المدني” في تركيبه بُعدين: بُعد عام وبُعد خاص, والبُعد العام تارة يكون في مواجهة الدولة وتارة يكون في مواجهة المجتمع, فأما البُعد العام للاسم المدني في مواجهة الدولة فيتمثل بان “الاسم المدني” نظام امني, فمصالح الدولة العليا تقتضي ان يتميز افرادها بعضهم من بعض ولا يجوز ان نجحده فدواعي الامن تقتضي ان يكون لكل فرد اسم حتى يتسنى للدولة فرض الأعباء ومنح الحقوق, ومن اجل ذلك كان الاسم اجراء الزامي وواجب قبل ان يكون حقاً, وهذا ما مقرر في قانون تسجيل الولادات والوفيات رقم 148 لسنة 1971 المعدل الذي اوجب على وزارة الصحة تسجيل اسم للفرد حال ولادته. وقانون البطاقة الوطنية رقم 3 لسنة 2016 التي اوجبت المادة (م1 / رابع عشر و ثامن عشر) منه ان يكون لكل فرد اسم مجرد يميزه عن غيره في الاسرة الواحدة وليس فقط في المجتمع ويكون له لقب يعتمده رب الاسرة وجاءهذا القانون بنظام قانوني مفصل حول “الاسم المدني” وعهد هذا القانون لوزارة الداخلية في تنظيم ذلك لتعلقه بالامن وتنظيم المجتمع.
اما الُبعد العام للـ”اسم المدني” في مواجهة المجتمع, بكونه يعكس القيم الاجتماعية لاي مجتمع, وشيوع الاسماء التراثية والدينية والسياسية يؤشر على القيم السائدة في ذلك المجتمع والمستقرة في ضميره, ومن اجل ذلك توجهت بعض التشريعات الأجنبية كما يقول الفقيه القانوني الألماني (جان مالير Jan Mailler) في كتابه (الحياة الخاصة والقانون الحديث) الى ان تكون الأسماء صالحة لاداء وظائفها الاجتماعية واستبعاد الاسماء مخلة بالحياء والنظام العام او الماسة بالشعور الوطني والديني. فلا يجوز ان يطلق على الأشخاص أسماء مشكلة او الأسماء المخنثة او التي تشكك بالانساب والأصول او تهين طائفة او تقلل من مقدارها. لتحقيق النظام القانوني ضد فوضى الأسماء ويمنح الفرد شعور بالرضا عن اسمه مستقراً بين جماعته.
اما البًعد الخاص “للاسم المدني” فانه يعد حق من حقوق الفرد اللصيقة بشخصيته طبيعياً ووضعياً. لانه يدل على الصفات الشخصية للفرد من ثقافة ونشاط واستقامة وتنظيم اجتماعي وعائلي فالشخصية تتأثر بالاسم, وعليه تتوقف صحة التصرفات القانونية للفرد, فمن حق الفرد ان لا يعرضه اسمه للسخرية او الضحك او التنمر او التشكيك في اصله او يطلق عليه أسماء مخنثة او من لا تُعرف ابائهم .فهو مظهر لتمييز والتميز عن غيره في جميع نواحي الحياة. وبذلك يكون الاسم حقاً اكثر من كونه واجباً شأنه شأن الحق في الحياة والحق في العمل وغيرها من حقوق الانسان. ومن هنا فرض القانون حماية “الاسم المدني”
وخلاصة القول, الاحرى في “الاسم المدني” ان يجمع التوفيق بين ثلاث مصالح : مصلحة المجتمع في ان تؤدي الأسماء وظيفتها الاجتماعية المتمثلة في تمييز الفرد عن غيره بشكل لا يتعارض مع الاداب والنظام العام ولا يمس الشعور الوطني والديني للمجتمع, ومصلحة الفرد في ان يكون له اسم يعكس ثقافته واستقامته وتميزه الاجتماعي. ومصلحة الإباء في ان يطلقوا على أولادهم أسماء تتفق مع شعورهم الوطني او الديني اوالرمزيات الذين يتعلقون بها.
وبسبيل المحافظة على البٌعدين العام والخاص للاسم المدني فان القانون يضفي ظل حمايته المدنية والجنائية للاسم او حق الانسان في حماية اسمه, والحماية المدنية تتمثل في ان المادة (40) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 عدت الاسم من حقوق الانسان ومنحت الفرد إمكانية قانونية في المطالبة بالتعويض اذا ما تعرض اسمه المكون من (الاسم الشخصي واللقب) للعدوان وفقاً للمسؤولية التقصيرية بموجب للمادة (41) منه. والحماية الجنائية تمثلت بتجريم فعل انتحال اسم في المواد (249) و(290) و(292) من القانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 وعاقبت اشد العقاب اذا ترتيب على ذلك ضرراً للمجتمع والدولة والفرد.
ثانياً: القيمة القانونية للاسم في العمل الفني :
ويكون للاسم دوراً فاعلاً في العمل الفني ومحور احداثه لدلالة على خصائص الشخصية الخيالية الفنية وافكارها وثقافتها والرسائل الاجتماعية المطلوب ايصالها للمجتمع, فلا يمكن للكاتب ان يؤلف القصة او المسرحية او الدراما التلفزيونية اذا كان يجوز لاصحاب الأسماء التي تعطى للشخصيات الفنية الخيالية ان يعترضوا على هذا الاستعمال بدعوى العدوان على اسمه, والقول بذلك يعني ان القانون ذاته اصبح عائقاً امام الابداع وقامعاً للحريات الفكرية, فالكاتب في العمل الفني يملك الحرية في تسمية شخصياته في نتاجه الفني, الا ان الحرية بهذا الشأن ليست مطلقة ومن دون حدود وانما هي مقيدة بحدود دقيقة جداً, لان الأسماء بشكل عام هي شأن عام تتعلق فيها حقوق الغير تتمثل بحق الفرد وحق المجتمع على المؤلف ان ياخذها بعين الاعتبار عند اطلاق الأسماء على شخصياته الخيالية الفنية , اما حق الفرد فيتمثل بان لا يكون هو المقصود من هذه الشخصية الخيالية باستخدام اسمه ولقبه الفعليين او اسم شهرته المعروف به في الأوساط العامة يترتب عليه ضرر نفسي ينشأ من ذلك, وحق المجتمع يتمثل ان لا ينتهك اسم الشخصية الخيالية الشعور الوطني او الديني وبث البغضاء بين سكان المجتمع بسبب استعمال هذا الاسم فعلى المؤلف ان يراعي المزاج العام لمجتمعه فمن المجتمعات ما تكون حادة وغير متسامحة في مسائل الوطن والدين ومنها ما تكون بعكس ذلك.
لذا اشترط الفقه القانوني في قيام مسؤولية المؤلف القانونية ان يخلق الاسم في العمل الفني “لبس” بين صاحب الاسم الحقيقي والشخصية الخيالية, وترتب على ذلك ضرراً فيحق لصاحب الاسم عند ذاك إقامة دعوى التعويض للمطالبة عن الاضرار المعنوية التي ترتب على هذا “اللبس” , ويمكن للادعاء العام وفق قانونه رقم 49 لسنة 2017 باعتباره يمثل المجتمع ان يطلب من القضاء التدخل لمنع استعمال هذا الاسم الذي ينتهك حق المجتمع اذا ما كان اسم الشخصية الخيالية الفنية ينتهك حقوق المجتمع وماساً بالشعور الوطني والديني والأخلاقي لان المؤلف يلتزم بعدم الاضرار بالغير في عمله الفكري وهو واجب عام على كل المواطنين بغض النظر عن صفاتهم.
واللبس يحصل عادة عندما يكون اسم الشخصية الخيالية في العمل الفني متطابقاً تماماً او يقترب من هذا التطابق لصاحب الاسم الحقيقي كأن يستخدم المؤلف نفس الاسم بكل عناصره المكونة منه (الاسم الشخصي واللقب) او يستعمل اسم الشهرة المعروف به صاحب الاسم الحقيقي, فاللبس الذي يثيره الاسم في العمل الفني هو مناط مسؤولية المؤلف القانونية في نتاجه الفني من خلال إضافات للاسم المجرد تزيد من تعريف الشخص, وكلما تجاوز المؤلف حدود الاسم الشخصي او المجرد وأضاف اليه لقب او شهرة كلما اقترب عمله هذا من المسؤولية القانونية, فالحدود التي تبعده عن المسؤولية القانونية هي استخدام الاسم الشخصي المجرد فقط, ولا يشفع للكاتب ادعاءه انه لا يقصد شخص بعينه, فالعمل الفني هو رسالة تضمن مقاصد ونوايا هادفة لا عمل عبثي, ومسألة وجود لبس في استخدام الاسم من عدمه هي من مسائل الواقع تستعين في اثباته الى الخبراء المختصين بهذا الشأن وفق قانون الاثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل ولا رقابة لمحكمة التمييز عليها بهذا الشأن.


