ترامب في الرياض: منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي

ترامب في الرياض: منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي
 في ظهوره خلال منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي الذي عقد في الرياض منتصف مايو 2025، لم يكن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب زعيماً يُقدّم طرحاً استراتيجياً...

في ظهوره خلال منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي الذي عقد في الرياض منتصف مايو 2025، لم يكن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب زعيماً يُقدّم طرحاً استراتيجياً، بل بدا كمروّج استثماري يتقن فن المبالغة أكثر من إدارة التوازنات الدولية. المنتدى، الذي حضره كبار رجال الأعمال الأميركيين، شهد إعلان صفقة استثمارية هائلة قُدّرت بـ600 مليار دولار، تغطي مجالات الدفاع، الذكاء الاصطناعي، الطاقة، والبنية التحتية.

لكن الحدث لم يكن اقتصادياً فقط. لقد تحوّل إلى منصة خطابية طغى عليها الاستعراض الشخصي، حيث قدّم ترامب نفسه كصديق وفيّ لولي العهد محمد بن سلمان، واصفاً إياه بأوصاف أقرب إلى الإعلانات التجارية منها إلى الدبلوماسية الرئاسية. بدا وكأنه جاء لا ليقنع، بل ليُعجب، لا ليعرض رؤية، بل ليؤدي دوراً في حملة علاقات عامة على مستوى دولي.

لم يتحدث ترامب في الرياض كرئيس لأكبر قوة عظمى في العالم، بل كمفاوض تجاري يستعرض مكاسبه، ويمتدح مضيفه، ويوزع رسائل داخلية موجهة لخصومه في واشنطن. لم يفوّت الفرصة للهجوم على الرئيس جو بايدن، محملاً إياه مسؤولية تراجع السياسات الدولية، وتدهور الهيبة الأميركية، وحتى خسارته الانتخابية، رغم مرور أكثر من أربع سنوات على نتائج الانتخابات التي ما زال يصفها بـ”المزوّرة”. الغريب أن هذا الهجوم، الذي يُفترض أن يكون جزءاً من صراع داخلي بين الجمهوريين والديمقراطيين، نُقل هذه المرة من الخارج، من على منصة سعودية، في لحظة كان يفترض أن تكون توحيدية تعكس رؤية الولايات المتحدة لمستقبل المنطقة.

لم يتوقف ترامب عند حدود الدعاية، عاد إلى تكتيكاته المألوفة: التهجم على إيران، وتضخيم تهديداتها الإقليمية، في الوقت نفسه الذي أعلن فيه رفع عقوبات مفاجئ عن سوريا، شمل بعضها قوانين تعود إلى عقود سابقة. ثم استقبل من يُقدَّم على أنه “رئيس العملية الانتقالية” في سوريا، أحمد الشرع، في مشهد يعكس تبدلات السياسة الأميركية بلا مقدمات مفهومة. اللافت أن ترامب لم يأتِ على ذكر إسرائيل، رغم تغوّلها العسكري في الأراضي السورية، ولم ينتقد التدخل التركي المتواصل في شمال سوريا، بل تجاهل كل ذلك، وكأن الجغرافيا تُقاس فقط بمقدار العائد المالي منها.

يُفهم من خطاب ترامب أن الحلفاء يُكافأون ليس لأنهم يتشاركون المبادئ، بل لأنهم يقدمون المال. من ينضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، أو يوقّع على صفقات بالمليارات، يُعاد تأهيله دولياً. العقوبات لم تعد مسألة أخلاق أو قانون دولي، بل ورقة تفاوض تُسحب حين تثمر مصلحة اقتصادية.

لا يزال ترامب يتقن استخدام سياسة الحافة: يدفع الأزمة إلى أقصاها، ثم يتراجع فجأة ليُعلن “نصراً”. سبق أن فعلها في ملف كوريا الشمالية، وفي الانسحاب من الاتفاق النووي، وها هو يعيد الكرة في الملف السوري، وسط غياب أي رؤية متكاملة للحل.

ظهور ترامب في منتدى الاستثمار بوصفه طرفاً مرحباً به، لا بوصفه ممثلاً لهيبة أميركا، يُطرح تساؤلات عميقة: هل تغيّرت موازين القوة؟ هل باتت واشنطن تتكيّف مع لغة السوق في السياسة، أم أننا أمام انقلاب ناعم في بنية القرار الأميركي، حيث لم تعد القيم تُوجّه الخطاب، بل تُقايض بالمصالح؟

من أفغانستان إلى سوريا، ومن تلويح الحرب إلى صفقة الاستثمار، يظهر أن الولايات المتحدة لا تُفاجئ أحداً بسياساتها، بل تفاجئنا نحن بتقبّلنا لهذه السياسات دون مقاومة. فهل تغيّرت أمريكا؟ أم أننا نحن الذين تغيّرنا، وباتت أعيننا ترى في دعاية ترامب “فرصة”، لا خطراً؟ وهل بقي في السياسة ما يُبنى على المبادئ، أم أنها كلها باتت تُدار على طاولة الصفقات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *