في مسار الفهم الأعمق للأسس النظرية للإسلام وعلاقتها بقضايا الإنسان المعاصر، يُعد الرجوع إلى آراء مفكرين كالشهيد الصدر الاول والعلامة الاصفي والعسكري و كالشّهيد مطهري، وآية الله مصباح يزدي، وغيرهم من المفكرين البارزين في نصف القرن الأخير، أمراً شائعاً ومشروعاً في آنٍ معاً. هذا الرجوع ينبع من شمولهم العلمي، وصدقهم الفكري، وحرصهم الصادق على الإجابة عن الأسئلة الجوهرية للعصر الحديث. فقد سعوا إلى إعادة قراءة وإحياء التعاليم الوحيانية بلغة عقلانية تتناسب مع متطلبات الزمان.
ومع ذلك، ثمة شخصية فاعلة معاصرة تمتلك رصيداً نادراً في ساحة الفكر الديني، لكنها لم تُدرس كثيراً من هذا المنظور: آية الله السيد علي الخامنئي. لا شك أن موقعه القيادي في البنية السياسية للجمهورية الإسلامية قد جعل أنظار الرأي العام تتركز على مواقفه التنفيذية والحُكمية، مما أدى إلى تهميش الجوانب النظرية والمعرفية في شخصيته.
لقد غابت قسطٌ كبير من تأملاته الفكرية، وتحليلاته الاجتماعية، وقراءاته التاريخية لمفاهيم الإسلام، والتقليد، والحداثة، إمّا بسبب الغفلة، أو لأحكام مسبقة؛ وكأنّ مسؤوليته السياسية كانت مبرّراً لاختزاله في مجرد فاعل تنفيذي. هذا في حين أن كتاباته وخطاباته تشهد على مفكر ملمٍّ بالتقليد الإسلامي، عميق التأمل في تحولات العالم المعاصر؛ شخصية استطاعت أن تصوغ العلاقة المعقدة بين الهوية الإسلامية، والتاريخ الحديث، وضرورة التجديد الفكري، ضمن مستوى استراتيجي.
في هذه الآثار نواجه منظومة فكرية تحاول إقامة علاقات جديدة بين الهوية الدينية، واستحقاقات العالم الحديث، والمفاهيم الإسلامية الأساسية، ومتطلبات بناء الحضارة الإسلامية؛ منظومة لم تُختبر على مستوى التحليل النظري فحسب، بل في مقام القيادة والعمل التاريخي أيضاً.
من هذا المنطلق، فإن إعادة القراءة العلمية والمنظمة لهذا الإرث، لا بد أن تنبع لا من منطلق الالتزام السياسي، بل كضرورة معرفية لفهم الأسس الأيديولوجية والثقافية للجمهورية الإسلامية، وكذلك لاستعادة عقلانية دينية في التعامل مع التقليد والحداثة.
إن هذا الكنز المهمل الذي حُجب خلف السياسة، جدير بأن يُتناول في الأوساط العلمية والثقافية للبلاد كأحد المصادر المعتبرة في الفكر الإسلامي المعاصر، بحثاً ونقداً وإعادة قراءة منهجية.


