المتلقي وفعل القراءة في النقد الحديث – الحداثة وما بعد الحداثة

المتلقي وفعل القراءة في النقد الحديث - الحداثة وما بعد الحداثة
ظهرت الشكلانية الروسية بين عامي ( 1915-1930 ) في سياق تاريخي يرفض الرأسمالية ولا تعترف الا بالاشتراكية العلمية...

 المقدمة : 

لقد شهد العالم بأسره تحولات نوعية على  مستويات متعددة ، وهذه التحولات رافقت العصور جميعها من غير استثناء ، فالعالم في حركة تطور مستمرة في السياسة والاقتصاد والفلسفة والعلوم المختلفة ، ولكل نفهم ونحلل هذه التطورات علينا أن نعي أولاً أنها لم تكن وليدة الصدفة وإنما تولّدت بسبب من عوامل وأسباب ومخاضات فكرية تربط السبب بالنتيجة والمقدمة بالخاتمة ، تطورات انطلقت من فهم وتدبر ، تركت آثارها على الفكر الإنساني بعامة ، وعلينا أن ندرس طبيعة تلك التحولات وانعكاساتها على الفكر السائد ، فمراجعة الأفكار والمفاهيم القارة أصبحت ملمحاً واضحاً لما يعرف بالحداثة وما بعد الحداثة ، فالبحث يبحث في ( المتلقي ) في عصر الحداثة  ، ذلك المتلقي الذي ينتج وعياً وفكراً وقراءة جديدة من غير الركون إلى محددات سياقية مسبقة كالمنهج الاجتماعي والمنهج النفسي والمنهج التاريخي فضلاً عن البنيوية التكوينية والسيمائية ، فالمتلقي تكون قراءته محكومة بمحددات معينة ، لذلك لم يكن للمتلقي أي دور في تفكيك النص وقراءته فضلاً عن تحليله ، إذ الفارق واضح بين ( المتلقي المحكوم والمتلقي المنتج ) ، فكانت خطة البحث موزعة على ثلاثة مباحث هي :

أولا : الحداثة … قراءة في المرجعيات الفلسفية .  

ثانيا :   المتلقي وفعل القراءة  في مناهج الحداثة .

ثالثا : ما بعد الحداثة قراءة في المرجعيات الفلسفية .

رابعا : المتلقي وفعل القراءة  في مقولات ما بعد الحداثة .

أولا : الحداثة  قراءة في المرجعيات  الفلسفية  :

لقد أرجع  بعض الدارسين نشأة ( عصر الحداثة ) الى العهد الروماني واليوناني ، حيث بداية نشأة الأفكار المثالية ، ففي هذا العهد ظهرت ملامح الحداثة وتختفي إلى أن ظهرت بصورتها الفلسفية المتكاملة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين [1] في حيث نجد بعضهم من ربط نشأة عصر الحداثة بالحملة الفرنسية والمبادئ التي نادت بها كالحرية والمساواة وسيادة العقل والتعقل والعقلانية واللوغوس وهي مقولات انتشرت في العصر الأوروبي التنويري [2] ويعرف الفيلسوف الألماني  (كانت ) الحداثة في سياق إجابته عن سؤال ما الأنوار فيرى  أن يخرج الإنسان من حالة الوصاية التي تتمثل في استخدام فكره دون توجيه من غيره بمعنى أن العقل يجب أن يتحرر من سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل [3] فهي على وفق هذا التوصيف دعوة الى التفكر والتعقل وجعل العقل مصدراً رئيساً للمعرفة وسبيلاً يتوصل من خلاله الى إدراك الحقيقة المطلقة ، برؤية علمية قائمة على محاكاة العقل ، فهي منهج عقلائي يدعو الى التفكير المنظم من خلال ربط الحقائق بالإحالات الخارجية ذات المرجعيات المعرفية القارة وبذلك فقد (( مزقت الحداثة العالم المقدس الذي كان إلهياً وطبيعيا في آن واحد وكان مخلوقاً وشفافاً أمام العقل … وأطاحت الحداثة بوحدة عالم خلقته الإرادة الإلهية أو العقل أو التاريخ وحلت محلها العقلنة وتحديد الذات )) [4] وبذلك بشرت الحداثة (( بجملة مبادئ وقيم مثل : الحرية والعدالة وحقوق الإنسان وطرحت خيارات الديمقراطية وقاطعت اللاهوت وعالم الغيب ونادت بتحرير المرأة ونادت بمساواتها مع الرجل وفيما اعتبر الإنسان في زمن الحداثة صانع التاريخ وقد تميزت مجتمعات الحداثة بالقدرة على الابتكار والاستكشاف والتصنيع والإصلاح الديني والاجتماعي ، وبذلك كانت الحداثة الثورة ضد القليد والقديم )) [5] فتقويض القديم والى إصلاح المفاهيم وإعادة قراءة التراث والتجديد في عرض الأفكار أصبحت سمة بارزة لعصر الحداثة ، كل ذلك قد (( أدّى إلى تراجع الكنسية عن موقعها وإلى ظهور حركة إحياء ديني وأخلاقي وفلسفي نتيجة الإيمان المطلق بالعلم والمعرفة العقلية … )) [6]

لا يمكن الحديث عن عصر الحداثة من غير الوقوف على تجليات عصر ما قبل الحداثة ، والتعرف سريعا على طبيعة المحددات والأفكار والرؤى الحاكمة للمجتمع في تلك الحقبة الطويلة من تاريخ أوروبا ،  وتلك الوقفة تعيننا على فهم الحداثة بمنظورها الفلسفي والفكري  ، وما نريد قوله إن مرحلة  ما قبل الحداثة قد  (( اتسمت بخضوع المجتمعات الاوربية لسلطة الكنيسة التي أشاعت الإيمان بالأساطير والخرافات والسحر والسيطرة على مقدرات الشعوب ، فأصبح الإنسان ضعيفاً خاضعاً لرجال الدين والملوك والأمراء ، أما الثقافة فقد كانت دينية متخلفة ونظر للغة على أنها أساليب بنائية ، أما الأدب فقد كان يمثل حياة الطبقة الارستقراطية ، فقد كان فكر ما قبل الحداثة يتركز أساساً على اللامعقول وعلى الخرافة والأساطير ، فكانت الأديان والغيبيات والخرافات )) [7] وهكذا كان للكنسية السطوة الكبرى (( فقد كانت تقوم مقام الدولة في كل صغيرة وكبيرة ، حتى أن أرباب الملك والسيادة كانوا أحياناً لا يقطعون أمراً إلا بمشورتها وإرادتها … فقد كان للكنيسة قانونها الخاص باسم قانون  الكنسي وكان يتبع ذلك القانون نظم إدارية لتعزيزه ، وكانت تلك القوانين تمارس بشكل مباشر على الكثير من المناحي الحياتية عند المجتمعات ، فالزواج وكل ما يتعلق به يقع تحت سلطة الكنيسة ، حتى أن عملية تقليد المناصب والتوصية   فيها كان للكنيسة التأثير الأعظم فيها …)) [8] ومن الناحية النظرية فقد كانت الكنيسة (( بمثابة التجلي الأرضي لتجسيد المسيح ، فهي القائمة بدور الوسيط بين الرب والافراد وكانت مسؤولة حصرياً عن منح نعمة الله من خلال الاسرار ، أي : المعمودية والتثبيت ( الميرون ) والتناول والتوبة والكنهوت والزواج والمسحة المقدسة … وكان الكاهن يمتلك القدرة الاعجازية أو السحرية كما يجادل بعضهم لتحويل خبز وخمر التناول الى جسد ودم المسيح الحقيقيين ، وبدون شفاعة الكنيسة والكاهن لم يكن الفرد يمتلك اتصالاً مباشراً مع الرب … كان الكاهن وحده يجعل الرب في اتصال مباشر مع شعب الكنسية وكان هذا الدور التوسطي هو ما يجعل الكنيسة تلك المؤسسة القوية )) [9]

ومنذ مطلع القرن الرابع عشر شهدت أوروبا تحولا نوعياً وتحديداً في  إيطاليا  ، إذ شهدت ما يعرف بعصر النهضة ، فقد أدى ذلك التحول الى (( ظهور نزعة فردية عصرية متميزة ، وفقد كان عصر إحياء العصور الكلاسيكية القديمة واكتشاف عالم أوسع ، وعدم الارتياح المتزايد تجاه الدين الذي يتخذ شكلاً مؤسسياً ، يعني أن الإنسان أصبح فرداً له روحانيته … )) [10] دخلت أوروبا عصر النهضة، فبعد أن كانت الغيبيات مزاج المثقفين في القرون الوسطى أصبحت البشرية مزاج المثقفين في أيام النهضة ، إذ بدأت حركة فكرية فلسفية تدعو الى  البحث عن الكتب الاغريقية القديمة وبدأوا يدرسونها ويناقشون أفكارها وآراءها بما فيها من كفر ووثنية [11] وفي ذلك يقول ( ميشليه ) بأن عصر النهضة (( فترة تاريخية حاسمة في الثقافة الأوروبية ، مثلت فاصلاً جوهرياً مع العصور الوسطى والي صاغت فهماً جديداً للبشرية ومكانتها في العالم )) [12]

ومن نتاج عصر النهضة ظهور( المنهج التجريبي ) الذي أرسى  دعائمه ( فرنسيس بيكون ) الذي سعى على وفق منهجه إلى تخليص الفكر البشري من التقاليد الافلاطونية والأرسطية من خلال التنظير الى المنهج التجريبي ، كون المنطق الأرسطي ما عاد نافعاً ومفيداً للكشف عن الحقيقة ، كونه منطقاً يجبر المتلقي التسليم بنتائجه ولا يكشف عن شيء جديد [13] ولهذا آمن بيكون  أن الدراسة ليست غاية أو حكمة في حد ذاتها أن المعرفة إن لم تكن مقرونة بالعمل ليست سوى زهو وغرور علمي شاحب وفي ذلك يقول : (( إن انفاقك في الدراسة النظرية وقتاً طويلاً ضرب من الكسل والخمول والتحلي بها تصنع وتكلف ومحبة للظهور واستنادك في حكمك دائما على أحكام الدراسة النظرية وقواعدها ضرب من جنون العلماء ومزاجهم )) [14] وهذا يعني أن المنهج التجريبي الذي دعا إليه بيكون يقوم على مبدأ وقاعدة مفادها (( إن أهمية المبادئ في نتائجها العملية )) [15]

ومع جون لوك ( 1632-1704) م ، و هيوم ( 1711- 1776) م ،   قاما بتعميق  المنهج التجريبي، فقد نفيا أن يكون إدراك الحقيقة نابعا من العقل والخبرة الاستبطانية التي تنشأ عن التأمل الداخلي لدى الإنسان لكل ما حوله، بمعنى أن الحقيقة كامنة في العقل، والتجربة الحسية أساس المعرفة عندهما، وكل شيء قابل للتصديق يجب أن يخضع للملاحظة والتجربة [16] فقد مهد كل من لوك وهيوم الطريق نحو الاختبار العقلي ، فقد اقترح لوك التطبيق الاختبار الاستقرائي وعلى الرغم من كونه مسيحياً فاضلاً وصالحاً وعلى استعداد كامل للدفاع عن معقولية المسيحية فقد أعلن بهدوء أن جميع أنواع المعرفة تأتينا عن طريق التجارب وعن طريق الحواس وأن لا شيء في العقل سوى ما تنقله لنا الحواس وأن القعل يكون عند الولادة صفحة بيضاء خالية من كل شيء وتأخذ الحواس والتجارب في الكتابة على هذه الصفحات برسائل كثيرة )) [17]

وبعد ( جون لوك ) و  ( هيوم ) ، جاء الفيلسوف البريطاني( جورج بركلي) 1685-1753م فقد عد العقل مصدر المعرفة ، فقد أثبت بوساطة العقل وجود الاله وفي ذلك يقول معبراً عن منهجه الفلسفي : (( لنترك إذن جانباً كل أقوال الشكاك ، وجميع الإشكاليات المضحكة التي يثيرها الفلاسفة ، فضلا عن ذلك فالفيلسوف الذي يعتقد في الله وفي صدق العناية الإلهية لا يستطيع أن يضع وجود الأشياء المحسوسة موضع الشك ولا يستطيع كذلك أن يذهب إلى معرفتنا لها يعوزها البرهان وإلا فسيمتد الشك لا الى وجود الأشياء التي أراها والمسها حالياً بل الى وجودي كذلك )) [18]

ومنذ مطلع القرن الثامن عشر بدأ ما يعرف ( بعصر التنوير) وتحديداً في فرنسا  ، تأسست فيه  حركة فلسفيّة أخذت انطلاقتها من أوروبا، ثمّ انتقلت إلى شمال أمريكا بعد ذلك مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التّاسع عشر. تبنى روادها  بتقويم العقل وارجاع سلطة المعرفة له ،من خلال تنوير العقل والثقافة البشريتين بعد العصور الوُسطى «المظلمة». وقد ظهرت مفاهيم مُميّزة للتنوير مثل العقلانيّة، والحريّة والمنهج العلمي. كانت الفلسفة التنويريّة مُشكّكَة في كلّ من الدّين -خصوصًا الكنيسة الكاثوليكية القويّة- والأنظمة الملكيّة والأرستقراطيّة المُورّثة. كان لفلسفة التنوير تأثير قويّ على الثورتين الفرنسيّة والأمريكيّة ودستوريهِما  [19] كان فلاسفة التّنوير يؤمنون أنّ بإمكان التفكير العقلاني قيادة البشر نحو التطوّر وكان بمثابة الطريقة الأكثر منطقيّة في التفكير. لقد رأوا قدرات العقلانيّة على أنّها من أبرز القدرات البشريّة. كما أنّ بإمكان العقلانيّة مُساعدة البشر على التحرّر من الجهل واللامنطق، كما أنّ تعلّم التفكير بعقلانيّة بإمكانهِ قيادة البشر للتصرّف بمنطقية كذلك. وقد توصّلوا كذلك لحقيقة أنّ العقلانية ستقود البشر إلى المساواة، لأنّ جميع تصرّفات البشر وأفكارهم ستكون مُوجّهةً عبرَ المنطق [20] وعلى يد الفيلسوف  ( فولتير  ) 1669-1778 م صاحب المقولة الشهيرة (( تجارتي أن أقول ما أعتقد )) [21] وقد بنيت فلسفته على  محاربة الفساد والخرافات بضراوة وفاعلية ولم يعرف التاريخ شخصاً كرس حياته لمحاربة التعصب الديني مثله ، لذلك اصبح فولتير رمزاً يستنجد به عامة الناس في كل مكان في العالم عنما تشيع ثقافة التعصب والتزمت والاكراه في الدين [22] فقد وقف بوجه الجرائم التي يرتكبها متعصبو الكنيسة الكاثوليكية باسم الدين المسيحي [23] وقد عبرت رسالته الشهيرة ( مقالة في التسامح ) عن رؤيته أولا ورؤية عصر التنوير إزاء ضرورة التعايش السلمي واحترام الحريات الدينية  والعقائدية [24] لذلك قال ( فكتور هيجو) عنه ان اسمه يصف القرن الثامن عشر كله ، لقد كانت النهضة في إيطاليا وفي المانيا الإصلاح وفي فرنسا فولتير فقد كان لفرنسا بمثابة النهضة والإصلاح [25] وبذلك مثل ( فولتير ) عصر سيادة العقل والعقلائية ، بالغ سكان باريس بتقديس العقل الى درجة دفعتهم الى عبادة ما يعرف بآلهة  العقل المجسدة بامرأة حسناء من نساء باريس [26]

ولن يكون الحديث عن عصر التنوير واضحاً من غير الوقوف عند فلسفة ( كانت ) صاحب نظرية المعرفة التي هي مزيج من الفلسفة التجريبية التي تبنها بيكون ولوك وهيوم وبركلي والفلسفة العقلية التي تبناها ديكارت ، فكانت يرى بموجب هذه النظرية أن الحواس والتجريب بمعزلها لا توجب المعرفة وكذلك العقل وحدة لا يحقق المعرفة ، فالمعرفة تتحقق بوساطة الجمع بين التجريب والعقل وانتهى ( كانت ) بالقول بالمذهب النقدي القائم على مبدأ أن مصدر المعرفة تكمن في العقل والحواس معا [27] وهكذا أصبحت نظرية المعرفة هي النظرية الفلسفية السائدة في عموم أوربا ، كونها نظرية قائمة على أسس علمية سليمة ، أعطت كلاً من الحواس والعقل أهمية على حد سواء .

ولكي تكتمل الحديث عن عصر التنوير فلابد من الوقوف عند ( هيجل ) تلميذ ( كانت ) ،  الذي سعى الى إحلال الأنا المطلقة محل الأنا الفردية أي رفض الاعتباطية والهوى والذاتية والفردانية وطردها من رحم الفلسفة بوصفها شروراً وخرافات  ، ورأى أن الفلسفة لابد أن ترقى الى مقام العلم ، فسعت الفلسفة المثالية ممثلة بهيجل الى ضرورة ربط العلم بالفلسفة ( علم العلم ) ومن هنا ميز ( هيجل ) بين الفلسفة العلمية ( المأمولة ) والأخرى غير العلمية القائمة التخلف والسفسطة ، ومن هنا تخلت الفلسفة المثالية الألمانية عن المعنى القديم  الشائع للفلسفة والمثقل بماضيها الأخلاقي  ( حب الحكمة ) والاستعاضة عنها بما يفيد صفة العلمية [28]

وبعد تلك المخاضات والتحولات الفلسفية والفكرية بدء من الفلسفة التجربية عند( بيكون) و(لوك) و(بركلي ) والفلسفة العقلية عند (ديكارت) والفلسفة الظاهراتية عند( هوسرل )،  ونظرية المعرفة عند (  كانت) والفلسفة المثالية عند ( هيجل)  دخلت أوروبا في مطلع القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين  ( عصر الحداثة ) [29]  الذي يعد  من المصطلحات التي أثارت جدلاً واسعاً في الفكر الإنساني بعامة ، كونه مصطلحاً يتضمن كثيراً من اللبس والتعقيد وكونه من المصطلحات القليلة التي تناولتها أغلب العلوم الإنسانية ، فهو مصطلح يوصف بالشامل يعبر عن رغبة الكائن البشري في استكشاف المجاهيل والبحث في المستقبل البعيد من خلال ركوب  التطور المستمر الذي لا تحده نهاية ولا يوقفه انقطاع [30] فقد آمنت الحداثة بكل ما هو عقلي واستبعدت الأوهام والخرافات والغيبيات وأعلت من قيمة الإنسان بوصفه سيد الطبيعة ، كما جعلت من الذات الإنسانية المحور الذي يدور عليه كل الأفكار والفلسفات ، فالذات أصبحت مركز الابداع [31] وعلى وفق هذا التصور يمكن أن نضع تعريفاً للحداثة على أنها (( البنية الفكرية التي تولدت عن عملية التحديث وتجارب التحديث التي دخلت فيها الثقافة الأوروبية منذ القرن الخامس عشر عبر أحداث تاريخية برى كغزو نابليون لمصر والثورة الفرنسية وكأحداث تقنية واختراعات واكتشاف القارة الأمريكية وما صاحبها من تقنية وفلسفية متعددة )) [32]  أو هي عملية (( الانتقال من بنية فكرية إلى أخرى ، إنها الخروج من المغلق الى المنفتح ومن المتناهي إلى اللامتناهي )) [33] وتقوم الحداثة على مبدأ ( العقلنة ) أي : عقلنة رؤى العالم فهي عملية إخضاع كل شيء للعقل ، ويتضح ذلك من خلال تقديم رؤية خاصة قوامها العقل من أجل ضبط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية بضابط العقل [34] فالعقل في مرحلة الحداثة هو مصدر المعرفة بعد أن كانت الطبيعة ، وفي خضم هذا الصراع المعرفي والتصادم الإيديولوجي على مستوى الفكر والإنتاج والتحليل ، بدأ تحول نوعي في عملية التعاطي مع مجمل الحقائق ، فبعد أن كانت الطبيعة ه ي مصدراً للمعرفي صار الإنسان محور البحث والتأمل والفكر ، وهذه التحولات الفكرية والتاريخية وجدت طريقها الى الأدب والنقد الأدبي  عبر مفهومي الطبيعة والتقليد واصبح التركيز على قصدية ( المؤلف ) وفي ذلك يقول ( هيرتش ) – من الفلاسفة الألمان – : (( لا يمكننا أن نتكلم عن تفسير قاطع على الإطلاق إلا إذا افترضنا نية المؤلف لتحكم ذلك التفسير ))  [35]  بمعنى أن النص لا يمكن الكشف عنه إلا من خلال الوقوف على مرجعيته المتمثلة بقصدية المؤلف ، فالمؤلف صار له دور في فهم مقاصد النص أما المتلقي فدوره في عملية التلقي يتم من خلال ربط النص بقصدية المؤلف بوساطة ربصه بالمرجعات الخارجية ( الإحالة ) ومن خلال هذا الربط بين ( النص ) و ( المرجعية ) تتم عملية القراءة . كانت هذه الرؤية القرائية هي الرؤية التي اشتغل عليها نقاد عصر الحداثة  ، وهذا يعني أن منتج المعنى هو ( قصدية المؤلف ) والمتلقي يكون متلقياً محكوماً بمرجعيات ( إحالات ) ، وهذا يعني أن المتلقي لم يكن حراً في عملية قراءة النصوص لأن السلط ة الحاكمة في ذلك هو ( المؤلف ) .

ثانيا : المتلقي وفعل القراءة في مناهج الحداثة :

  • المناهج الحداثوية السياقية .

وتقوم هذه المناهج على أساس ربط النص الأدبي بالسياق الخارجي ، فالحاكمية فيها يكون للسياق وليس للنص ، بمعنى أن عملية الفهم والتفسير تنطلق من السياق الى النص  ، وهذا ما يعرف بعملية التكوين ، أي : تكوين القراءة من خلال حاكمية السياق التاريخي أو الاجتماعي أو النفسي ، تنظر الى النص الأدبي على أنه وثيقة تاريخي ، اجتماعية ، نفسية ، ولمعرفة دور المتلقي في عملية الكشف والتلقي لابد أن نقف عند كل منهج من مناهج الحداثة السياقية ، بمعنى أن عملية الكشف التحليل تكون من خلال انفتاح النص على السياق الخارجي وعدم الاكتفاء بتحليل البنى اللغوية الحاكمة للنص الأدبي ، فالسياق يشكل في هذه المناهج لازمة معرفية كاشفة ، تتحدد وظيفته من خلال دراسة كل ما يحيط بالنص من مؤثرات وعوامل تاريخية واجتماعية ونفسية ، فعملية التحليل تبدأ من النص الى السياق ومن ثم الى النص ، وهي الانتقالات الإجرائية ( نص ــ سياق ــ نص ) شكلت هوية المناهج السياقية في عصر الحداثة .

أ : المنهج التاريخي :

يمكن  القول بأن مدرسة النقد التاريخي جاءت مستندة على الوضعية، وهي فلسفة جاءت مقززة للفلسفة التجريبية السائدة في أوربا في عصر النهضة – كما وضحنا ذلك –  التي أتى قال بها ( جون لوك ) و ( هيوم ) و ( بركلي )  والتي  استبعدت كل تفكير لا يستمد عناصره الأولى من الحس والتجربة، فرفضت القضايا الميتافيزيقية، واهتمت بقضايا الحياة والمجتمع. وكان من آثار سيطرة هذه الفلسفة التجريبية على الأدب ،  فنادى بعض مؤرخيه بوجوب تطبيق مناهجها، وقواعدها على الدراسات الأدبية، وحاول بعضهم أن يضع للأدب قوانين كقوانين الطبيعة. وبالغ بعضهم في ذلك متناسيا أن الدراسات الأدبية لا أن تخضع للجبرية العلمية  التجريبية  [36]

لعل من أشهر النقاد الذين ظهر لديهم التوجه العلمي التجريبي في منهج دراستهم للأدب هم ( ارنست دنيان )  (1823- 1892)  و ( سانت بوف )  ( 1804- 1869) و (  تين )  (1828- 1893 ) ، وبسبب من حاكمية المنهج التجريبي أخذ هؤلاء النقاد  ينكرون التذوق الأدبي والشخصي وكل ما يتصل بالذوق وأحكامه في مجال دراسة الأدب، وأخذوا يضعون قوانين ثابتة للأدب، ثبات قوانين العلوم الطبيعية، قوانين تطبق على كل الأدباء، كما تطبق قوانين الطبيعة على كل العناصر والجزيئات[37]  ولعل ( تين ) في دراسته للأدب على وفق المنهج التاريخي بعناصره الثلاثة ( الجنس/ العرق  والعصر/ الزمان  والبيئة ) من أوضح النقاد وأكثرهم تمثلاً للمنهج الفلسفي التجريبي ، لذلك قد  أغفل إبداع المؤلف وجمالية النص  ، وهذا يعني أنه منهج قائم على فكرة عد مرجعيات المسار المعرفي له خارج حدود النص ، وهذا يعني أن النص يقرأ ليستدل به عما هو خارج النص متأثرا بالمنهج الوضعي التي عملت على نقل مبادئ ومناهج العلوم الطبيعية الى الموضوعات الإنسانية   [38]  وهذه التابعية في الفهم والتفسير جعلت المتلقي محكوماً بالمرجعيات التاريخية التي مثلت سياق النص الخارجي وهو يمارس عملية التلقي ، فالتلقي محكوم بإحالة خارجية من خلالها تتكشف دلالة النص على وفق هذا المنهج وهذا يعني أن ( المتلقي ) ليس حراً في عملية التأويل والتفسير ، من هنا يمكن القول إن المتلقي في المنهج التاريخي متلقٍ غير منتج لمعنى جديد ، فهو محموم سياق النص التاريخي المحال إليه ، وقدرته تكمن في حسن الربط بين  معطى النص ومعطى السياق ، فكلما كان الربط صحيحاً كان فعل التلقي والقراءة ناجعاً ، فالمرجعية ( الإحالة ) تمثل وسيلة المعرفة والكشف وهذا ما يميز عصر الحداثة .

ب : المنهج الاجتماعي :

ارتبط الفن البشري منذ القدم بمظاهر الحياة الاجتماعية , فصار نتيجة لتلك العلاقة لصيقا بالإنسان حيث الهموم والمشكلات الواقعية والوجودية , وبناء على هذه العلاقة أن عبرت الاسطورة والشعر عن متانة تلك العلاقة وقوتها , , لذلك نظر افلاطون الى الشعراء من منطلق آثارهم الايجابية أو السلبية في الحياة الاجتماعية ([39]) لأن الايجابية والسلبية للشعراء على وفق التفسير الافلاطوني, إنما جاء نتيجة للدور الذي يؤديه الشعراء في المجتمع سلبا أو ايجابا بناء على معطيات الاثر والتأثير المرتبط جدلا بالواقع , فالأدب على اخلاف التوصيف والماهية, إنما هو تراكم معرفي فني جمالي متجاوزا الذات وهمومها منطلقا نحو الآخر بكيفية خاصة معبر عنها على وفق مسارات نوعية خاصة تستجلي الواقع وتشخص معطيات المجتمع بقراءة فنية تجعل المتلقي على مقربة من صراعات المجتمع وازماته ومشكلاته , ولكن بطريقة تجمع بين الحقيقة الواقعة والخيال الفني , وبتعبير آخر تعبر عن الحقيقة الواقعة الوجودية بالخيال الفني الخلاب . بيد أن هذا النوع من الدراسة الادبية نشأ في حاضنة النقد الواقعي ([40]) او المذهب الواقعي الذي يعد تيارا أدبياً يعنى بالمعالجة الموضوعية للواقع من غير أدنى تدخل للكاتب , شجعت الناس على التفكير في جوهر واتجاه حركة المجتمع بطريقة واعية وواقعية , بأسلوب يرفض الضرورة الحتمية للحركة الاجتماعية , كونه مذهبا يربط المشاعر الانسانية بأسبابها الواقعية  [41] فهو منهج  يسعى الى دراسة الواقع وكشف ما يعتريه من مشكلات ممزوجة بأيدولوجية خاصة في الوهلة الاولى , وفي ذلك يقول الدكتور عبد الله ابو هيف : ((  كان النقد الادبي المتأثر بعلم الاجتماع هو المهيمن على حركة النقد الأدبي العربي الحديث منذ الخمسينيات , من باب الايدولوجية والمذهب الواقعي على وجه الخصوص , ثم سرعان ما مازجت الايدولوجية والمذهب الواقعي تأثيرات الاتجاهات الجديدة فيما عرف بعلم الاجتماع الادبي كما تكون على ايدي منظريه البارزين ممن نقلت اعمالهم الاساسية الى العربية امثال ( لوسيان جولدمان وروبير اسكاربيت وبيير زيما ) وساعدت على التقليل من وطأة الايدلوجية متعاضدا مع التعديلات الكبرى التي طالت النقد الأيديولوجي لدى منظرين ماركسيين اعادوا تقدير قيمة الشكل في العمل الفني واستقلالية النص الادبي في صوغ مجتمعه الخاص ))   [42]

بناء على رؤية جماعية وليست فردية , لأن هذا النوع من الدراسة الادبية يبحث في ماهية الوعي الجمعي وليس في ماهية الوعي الفردي , فالكل الجماعي هنا يسعى ضمن رؤية كلية جامعة عن تعزيز المشتركات , تحقق ذلك عبر قناتين , الاولى : المنجز الادبي , والثانية : المنجز النقدي , بمعنى , بتلازم معطى النص مع معطى المنهج , فلوسيان جولدمان في ( الاله الخفي ), استطاع ان يصل الى ماهية الوعي الجمعي لا الفردي عن طريق تحليل مجموعة من المنجزات الادبية لكل من ( باسكال ) و (راسين ) , وكذلك فعل في تحيليه لقصيدة القطط لــ( بودلير ) , إذن هي دراسات تسعى جاهدة الى دراسة المنجز الادبي بوصفه منجزا ابداعيا لغويا عن طريق ربطه بالخارج السياقي , وهذا ما عبر عنه (جولدمان ) بمقولتي ( الفهم ) و ( التفسير ) , او ( الشرح ) و  ( التأويل) . لذلك آمن ( لوكاش ) أن ((  الادب العظيم لا يصور مجرد نضالات الافراد, وهموم الطبقة , وكأنه يلتقط صورا جزئية من واقع حي ديناميكي , الادب العظيم هو بالدرجة الاولى إدراك للكل الانساني , واستيعاب لشمولية العلاقات البنيوية التي تربط الانسان بالطبيعة والتاريخ ومن منطلق الكلية ))  [43] وهذا يعني أن المنهج الاجتماعي لا يعنى بالفرد والوعي الفردي وإنما يعنى بالجماعة والوعي الجمعي ، والفرد ينصهر تماماً مع تلك الجماعة ( الطبقة ) ، ليعبر عنها تعبيراً شعورياً بوساطة الأدب ، كاشفاً عن الهموم والمعناة والأزمات والمشكلات على وفق أنماط أدبية تشخص الحالة ( رؤية العالم ) ومن ثم التعبير عنها ( البنى اللغوية ) ومن ثم تأتي مرحلة الموقف المرتبط بالسياق الخارجي ( التكوين ) .

وفي ما يخص العملية النقدية , والاشتغال النقدي الاجرائي فقد آمن ( لوكاش ) بوصفه ممثلا لنظرية الانعكاس الماركسية أن أساس الأعمال النقدية تكمن في كشف قدرة المبدع على تمثل الواقع تمثلا كليا شاملا , يكشف عن رؤيته للعالم , من غير ان يكون ذلك على حساب الابعاد الجمالية الخالصة ([44]) وهذا يعني ان العلاقة الرابطة بين الادب بوصفه منجزا ابداعيا وبين المجتمع الخاضع من الناحية التحليلية الاجرائية لقوانين ونواميس علم الاجتماع علاقة قائمة بالفعل , وبالقوة , فالأدب المنشغل برصد تحولات المجتمع وتفسير حركة صيرورته يجب الا يفقد صفة الجمال والتأثير الابداعي في ذات المتلقي , ثالث اثافي عملية التوصيل , بيد ان الرؤية النقدية الخاصة بالمناهج الاجتماعية كانت تتركز سواء عند( هيجل ) او(لوكاش)  (زيما) , ( جاك ليهارت ) , على ضرورة ان ينشأ الادب في ((  ظل شروط اجتماعية محددة , فالأديب المنتج للعمل الادبي هو في البدء والختام فاعل اجتماعي قادم من مجتمع معين , والمتلقي المفترض لهذا المنتوج الادبي – الاجتماعي هو فاعل اجتماعي آخر  , والنسق العام الذي يحتضن هذه العملية هو المجتمع بفعالياته وأنساقه الفرعية الأخرى… فالأدب مشروط من حيث انتاجه وتداوله بوجود المجتمع , وإلا ما أمكن عده أدبا ))  [45] وهذا التوصيف لماهية العلاقة الرابطة بين الادب والمجتمع يعني أن المناهج الاجتماعية اعادة النظر في ماهية الادب بوصفه منجزا ابداعيا , فالأدب على وفق الرؤية النقدية الاجتماعية معادلا وملازما للمجتمع , بمعنى أن الادب كي يكون لابد له من سياق خارجي نسقي اجتماعي , يدور حول النص ضمن تمظهرات نوعية خاصة , ومن ثم تلج بنسقية خاصة الى الداخل اللغوي , بحثا عن البنيات الذهنية , أو البنى الدالة للنص . واسفر ايضا هذا الربط المتلازم بين الادب والمجتمع ان صيغت نظرية نقدية جديدة , قائمة على محددات نوعية خاصة تكشف عمق تلك العلاقة , ومن هنا ((  فكل نص ادبي سوى تجربة اجتماعية , عبر واقع ومتخيل … فإن المجتمع يلقي بضلاله على سيرورة العملية الإبداعية )) [46]   لذلك يراه ( جورج لوكاش ) (( النموذج الذي يربط بطريقة عضوية العام والخاص في كل من الشخصيات والمواقف كما يرى ان الواقعية الصادقة هي التي تصف الانسان والمجتمع ككيانات كاملة بدلا من ان تعرض فقط مجرد مظهر أو آخر  مظاهرها ))   [47]

وفي ما يخص عملية ( التلقي ) ودور ( المتلقي ) في المنهج الاجتماعي ، فنجدها عملية محكومة بما يقرره السياق الخارجي للنص ، بمعنى أن ( المتلقي ) وهو يمارس دوره الاجرائي  بغية الفهم والتحليل تكون قراءته للنص قراءة مقيدة بمخرجات ( السياق ) المحال إليه ( الإحالة ) ، لذلك لا نتصور أن تحصل على قراءة جديدة مغايرة تكون بعيدة عن النسق السياقي ، بمعنى أن المتلقي يعود الى جملة إحالات  خارجية ( سياقية ) وهذه الإحالات  تجحم القراءة وتجعلها تدور في مجال مغلق ، لذلك نجد أن النص الجيد والرديء سيان على وفق مقولات المنهج الاجتماعي ولعل هذه الخاصية الإجرائية من أهم ما أخذ عليه ، فو منهج ميكانيكي مقنن ، ينظر الى النص بوصفه وثيقة تكشف عن صراعات ومشكلات المجتمع . فجودة النص وراءته تتحدد بقدر ما يمكن للنص من كشفه فكلما كان متمثلاً للمجمع كان نصاً جيداً بعيداً عن مقررات الجمالية ومسببات الشعرية وهذه الرؤية الإجرائية هي انعكاس لمنهجية  أغلب اتجاهات عصر الحداثة ، القائم على عقلنة الأشياء والرجوع الى إحالات تقين المتلقي في عمليتي  الفهم التحليل ، من هنا يتضح أن السياق الخارجي الاجتماعي يمثل ( المركز ) والنص يمثل ( الهامش ).

ج : المنهج النفسي :

لقد ارتبط الأدب بالنفس ومعناتها الداخلية جعلت النظرة العامة حول النقد الأدبي بأنه نفسي ، وهذا ما ذهب إليه ( ستانلي هيمن ) الذي رأى أنه كان نفسياً ، بمعنى أن كل ناقد قد حاول تحليل النصوص الأدبية أن يحيط علماً بعمليات الفكر الإنساني  [48] وهذا ما نجده في النظريات التي وضعها ( افلاطون ) التي درست أثر الشعر على العواطف الإنسانية وما لذلك من ضرر اجتماعي حينما قرر طرد الشعراء من مدينته الفاضلة ، وكذلك نجد آثار هذا المنهج عند تلميذه ( ارسطو ) بنظرية التطهير التي ربطت الأدب بوظائفه النفسية من خلال استثارة عاطفتي الخوف والمتعة [49] فكان الارتباط جدلياً بين دراسة النفس ودراسة الأدب في الممارسة الإجرائية لذلك بدأ النقاد يدرسون النص الادبي على وفق قوانين علم النفس  وكان لبحوث ومقالات ( سانت بوف ) و( كولردرج ) الأهمية البالغة في تأسيس هذا المنهج على نحو موضوعي من خلال العناية بالتجربة الأدبية المتربطة بماهية الإبداع ، بيد أن تلك المحاولات لم تنجح في تأسيس مدرية متخصصة بتحليل الأثر النفسي إلا ما بعد مجيء العالم النفسي النمساوي فرويد الذي أخضع الأدب لمقررات علم النفس وقوانينه [50] ومع ( فرويد ) بدأ البحث عن الظاهرة النفسية داخل النص الأدبي ، فتم تأسيس مدرسة تعنى بها الجانب تعرف بمدرسة التحليل النفسي التي بدأت تفسر السلوك البشري من خلال العودة به الى منطقة اللاوعي ، ومن خلال هي العملية تم تحديد الإطار النظري والعملي للمنهج النفسي فصار المنهج النفسي يعرف بأنه (( المنهج الذي يخضع النص الأدبي للبحوث النفسية ، ويحاول الانتفاع من النظريات النفسية في تفسير الظواهر الأدبية والكشف عن عللها وأسبابها ومتابعة الخفية وخيوطها الدقيقة وما لها من أعماق وأبعاد وآثار ممتدة )) [51]  ومن هنا تحددت منهجية المنهج النفسي الإجرائية ، فرى  إذ (( ليس للنص الأدبي علاقة بالواقع الاجتماعي ، بل هو يرتبط ارتباطاً وثيقاً ويشكل في أغلب الأحيان حلاَ وسطاً في الصراعات القائمة بين الوعي واللاوعي ويكون للأدب من هذا المنظور دوران متناقضان ومتكاملان في الوقت نفسه ، فمن جهة هو قناع يختفي وراءه الكاتب ومن جهة أخرى هو مرآة تعكس نفسية الكاتب وبالتالي فإن تحليل النص الأدبي هو تحليل لنفسية المؤلف والكشف عن بنية النص هو الكشف عن التركيبة الداخلية لشخصية الكاتب )) [52]

أما دور ( المتلقي ) في ( المنهج النفسي ) فهو دور محكوم بنظريات علم النفس والدراسات النفسية التي تدرس السمات النفسية للمؤلف من خلال عملية انتقالية من ( النص ) الى ( الخارج ) بمعنى أن المتلقي الذي يقوم بمهام إجرائية على وفق هذا المنهج بدأ من النص نفسه ومن ثم الرجوع الى مقررات مدرسة التحليل النفسي التي وضعها ( فرويد ) بمعنى أنه متلقٍ مقيد بفضاء معرفي مغلق ، والقراءة ستكون قراءة محكومة بمحددات خاصة فكل ظاهرة نفسية يصرح بها النص لابد من العودة الى الوراء حيث الطفولة والنشأة الأولى فشكلت تلك الظاهرة عقدة لم يمح من ذاكرة المؤلف ، بمعنى أن عمليتي الكشف والتحليل مستندة الى مقولات وأسس مدرسة التحليل النفسي ، فالقراءة التحليلية هي قراءة على وفق محددات منهجية علمية راكزة في علم النفس ، وبذلك يكون ( المتلقي ) محكوم بسياق خارجي وإن بدأ من ( النص ) .

 

  •  المتلقي وفعل القراءة في مناهج الحداثة  النصية :

المناهج النصية  هي المناهج التي لا  تدرس النص الادبي في ظروف نشأتها ،  من خلال  عزل النص عن السياق  الخارجي التاريخي و الاجتماعي   متبنين مقولة ( لا شيء خارج النص ) بمعنى أن هذه المناهج تقوم بدراسة البنى اللغوية المكونة للنص من غير إحالة سياقية خارجية  ، وتقوم هذه المناهج على فكرة مفادها : إن النص يحمل معناه في ذاته ، وأن  العمل الأدبي يتأثر بالنسق اللغوي الذي وردت فيه ، والمناهج النصية في عصر الحداثة هي منهجين : منهج الشكلانية الروسية ومنهج البنيوية الشكلية .

أ : الشكلانية الروسية :

ظهرت الشكلانية الروسية بين عامي ( 1915-1930 ) في سياق تاريخي يرفض الرأسمالية ولا تعترف الا بالاشتراكية العلمية ، مع السعي الجاد الى ربط المضمون الأدبي بالواقع الثوري والمادي والعلمي [53] وتشكلت الشكلانية الروسية من حلقة موسكو اللسانية التي يعد ( جاكوبسن ) من أهم روادها والذي أثرى اللسانيات بأبحاثه الصوتية والفونولوجية ،  كما أغنى الشعرية بكثير من القضايا الايقاعية والتركيبية ولاسيما المتعلق منها بوظائف اللغة [54] وحلقة ( أبوياز بلنكراد ) المكونة من تجمع طلبة جامعيين ، ويجمع هذه الحلقة مع حلقة موسكو اللغوية جامع مشترك هو العناية باللسانيات والدعوة الى الشعر المستقبلي الجديد [55] ورأت أن موضوع الأدب هو الأدبية أي : دراسة الخصائص الجوهرية لكل عمل أدبي على حده ودراسة الأدب على وفق مبدأ ( شكلنة المضمون ) ورفض الثنائية المبتذلة بين الشكل والمضمون [56] ويرى  ( دافيد كارتر)  بأن الشكلانية الروسية قد عرفت ثلاث مراحل أساسية (( ثلاث مراحل متميزة في تطور الشكلانية الروسية، والتي يمكن أن تتميز بثلاث استعارات. تنظر المرحلة الأولى إلى الأدب كنوع من  الآلة  له تقنيات مختلفة، وله أجزاء تعمل. وعدت المرحلة الثانية الأدب على أنه كائن حي ؛ أما المرحلة الثالثة، فقد رأت أن النصوص الأدبية هي عبارة عن أنظمة )) [57]

ولا نريد إطالة الحديث عن هذه الحركة بقدر تعلق البحث بالمتلقي وعملية التلقي ، فعلى وفق مقررات ومبادئ هذه الحركة ، أنها  تدرس الأدب على وفق التطور الذي طرأ على افكارها بمراحله الثلاث التي أفصحت عن منهجها الاجرائي القائم على دراسة الشكل وإهمال المضمون وهذا ما عبرت عنه( بشكلة المضمون) ، فالشكلانية الروسية تدرس الأنظمة والقوانين المنظمة للنص من غير دراسة المضمون ، بمعنى أنها تدرس الأدبية دون الأدب والشكل دون المضمون ، ومادام المضمون ( المعنى والدلالة ) خارج اهتمامات الاشتغال الإجرائي فلا يمكن أن يكون للمتلقي حضور وعملية التلقي غائبة تماماً ، كون التلقي هو عملية تفاعل معرفي بين النص والمتلقي ، فالاشتغال بالأدبية دون الأدب جعلت عملية التحليل مقتصرة على البعد الشكلي للنص ، والحاكمية في ذلك هو القوانين الداخلية المنظمة للنص ( النسق ) ، وهذا يعني أن  مصدر الحقيقة والمعرفة  يكمن داخل الأشياء  لا خارجها ، ومن ثم منحت السلطة للعقل في الكشف عنها بوساطة اللغة من خلال الشكل .

ب : البنيوية الشكلية :

لقد قامت ( البنيوية الشكلية ) على مبدأ رئيساً له ويكمن هذا المبدأ من ((  أن البنيات ليست ثابتة، إنما متحولة ومتغيرة، لكن لهذا التحول آلية خاصة تخضع لقوانين داخلية متحكمة في عناصر البنية، لا لعوامل خارجية مفروضة عليها، ولكن لما كان هذا التحول مستمرا، وكانت البنية موقوفة على البعد(السنكروني)، أثار ذلك قضية غاية في الأهمية؛ هي الحدود الزمانية المتخذة معيارا لإقامة البنية  )) [58] وأن أي تغير فيها يفسر على أنه إعادة التوازن للكل؛ مما يؤدي إلى نوع من المحافظة عليها، بمعنى  أن التحويلات الملازمة لبنية معينة لا تؤدي إلى خارج حدودها، ولا تولد إلا عناصر تنتمي دائما لها، وتحافظ على قوانينها [59]فالبنية  لا يمكن أن تدرك من قبل المتلقي  استنادا إلى إجراء تجريبي نعقد بمقتضاه روابط بين الأشياء المتجلية على السطح، والواقعة تحت الحس المباشر، إنما تتطلب القضية استنباط نماذج تجريبية قائمة على علاقات محددة وصريحة ومتضامه، بحيث لا يطرأ تغيير على عنصر منها دون أن يسعى إلى العناصر الأخر المترابطة فيها، فيطرأ عليها تحول مماثل يتيح توازنا جديدا للنموذج، كما يسمح بالتنبؤ وبالتحولات وتفسيرها [60] فالبنيوية تنظر للنص على أنه  نظام من العلاقاتٍ الداخليةٍ القارة ، يُحدد على وفقها المعنى الداخلي لذلك النص ، فيشكّل النص  نسقاً كلياً متكاملاً  لا يمكن اختزاله إلى مجرّدِ حاصلِ مجموعِ عناصره، وبكلماتٍ أخرى يشير إلى نظامٍ يَحكُم هذه العناصرَ فيما يتعلّق بكيفيةِ وجودِها وقوانينِ تطوّرِه فالنقد البنيوي يعطي النص سلطة وهذا عندما نادى بدراسة النص ومحاورتهِ من الداخل، فالنص عندما يصبح مقروءًا هذا يُعني أنه يمتلك سلطة تجعله موضوع قراءة حيث، حدد المنهج البنيوي مرجعيته التي يستمد منها سلطته، وهي مرجعية أدبية أساسها اللغة بانتظامها ومدلولاتها على مستوى أنساق العلاقات داخل بنية النص

فالمتلقي على وفق المنهج ( البنيوي ) محكوم بقانونية النظام اللغوي الحاكم للنص ، بمعنى أن عملية التلقي تكون منتجا معرفياً محكوماً بصرامة النظام اللغوي ، فالقراءة ستكون بمقتضى تلك الصرامة قراءة أحادية ، فعزل النص عن السياق الخارجي والاحتكام الى قوانين اللغة والنظام جعلت المتلقي مقيداً بفضاء تحليلي واحد  بسبب من تلك الحاكمية التي وصفنها بالصارمة ، لذلك انتفى القول بتعدد ( المعنى ) و ( الدلالة ) على وفق المنهج البنيوي ، فعدا النص – أي نص – نصاً مغلقاً على نفسه ، فالنص لا يملك إلا معنى واحد وعلى المتلقي الكشف عنه ، فتعدد المعنى واخلاف الدلالة بات أمراً غير ممكن في المنهج البنيوية ، فهو منهج تحكمه محددات لغوية خاصة ، تبدأ من النص وتعود إليه . فالحاكمية للنص وليس للمتلقي ، وهذه الخاصية المعرفية ميزت بين المناهج السياقية لعصر الحداثة ( حاكمية السياق ) عن المناهج النصية لعصر الحداثة ( حاكمية النص ) .

   ثالثا :  ما بعد الحداثة قراءة في المرجعيات الفلسفية .   :

منذ عام 1970 – 1990 دخل العالم ما يعرف بعصر ما بعد الحداثة ، وهو عصر إعادة قراءة إحياء بعض  الأفكار الفلسفية التي سادت أوروبا في القرن العشرين ، لقد مهد ( نينشه )  لفلسفة موت الإنسان ، أو موت المؤلف التي أعلن عنها فيما بعد فوكو  و بارت ، إذ قام هؤلاء بالعمل نفسه الذي قام به (نيتشه)، لكي يحرروا الذات من سجن العقل/اللغة. وعليه، فمهما كان المسوغ الذي لأجله تم الإعلان عن موت الإله أو موت الإنسان، فإن الذي لا شك فيه، هو أن هذه الدعاوى قد دفعت بالفكر الغربي إلى الوقوع في سجن العدمية والشك، وغياب المعنى، وحلول مبدأ اللذة والمتعة بدل الجميل. والبنيوية بتجاوزها الفوضى الرأسمالية، وهجوم فوكو على العقل الرئاسي [61] فبدأت العناية ((  بالمتلقي ضمن موجات نقدية تمرّدية ضدّ التقاليد النقدية السائدة مجسّدة على وجه الخصوص في الفكر الماركسي الذي قلّص من أهميّة المتلقي، وقزّمه في خانة صغيرة تندرج ضمن الفضاء الاجتماعي الذي يستمدّ معاييره الجمالية من الأطروحات الحزبية والنقابية والنضالية خصوصا مع سيادة فكرة أنّ المؤلف هو وحده من يمتلك الحقيقة الكاملة التي سيمليها لاحقا على المتلقي باعتبار هذا الأخير ذاتا سلبية / متأثرة تملأ بما يراه صالحا  [62]   لأن ((  القراءة الحقة تقتضي حركة معاكسة من القارئ إلى النص )) [63]  ومن هنا كان عصر ما بعد الحداثة هو عصر يقوم أساساً على نقد العقلائية الأوروبية ، فقامت على  (( نقد قيم الحداثة والمناداة بسقوطها بعد أن وصلت تلك القيم الى طريق مسدود ، وبعدما فشلت في تحقيق وعدها في تحقيق الرفاهية للإنسان ، إذ إنها أفرزت نظماً شمولية وسلطوية … وترى ما بعد الحداثة أن العقلائية الأوربية التي قامت باسمها الحداثة ماهي إلا أخطاء فادحة ، فاسم العقل اقتتل الناس في حربين عالميتين وباسم العقل أيضا سيطر الجنس الأوربي على بقية الشعوب وباسمها سحقت حضارات وأزيلت دول كاملة …)) [64] قامت فلسفة ما بعد الحداثة على ( نقد الفلسفة الشمولية ) من خلال رفضها النظرة الكلية للأمور ، فشنت حرباً على ما يعرف بعصر الحداثة بالنزعة الإنسانية ، فصرحت بأن الإنسان المزعوم قد ( مات ) ، فالصورة المثالية التي قدمتها الفلسفات القديمة لم تعد مناسبة للإنسان المتعدد ، كما آمت ما بعد الحداثة باستحالة الوصول الى ما يسمى بفكرة الكل المتمثلة بفكرة الله أو الأخلاق أو الطبيعة البشرية ، كون الإنسان غير قادر على تكوين أو تقديم فكرة شاملة كلية بحيث تضم كل تجارب البشر [65] ومن هنا يمكن القول إن مصطلح ما بعد الحداثة هو (( مصطلح مناهض وعصي على كل تعريف أحادي ، متمرد على كل تصنيف أو تأطير مسبق يمكن أن يجمع عليه الباحثون والدارسون وبخاصة إذا ما ارتبط بسياقات ثقافية ومعرفية معينة ، فهو ضمن السياق الفرنسي على سبيل المثال يتمتع بطابع إيجابي نظراً لدوره النقدي ، ولكن ينظر إليه في ألمانيا نظرة سلبية لإحيائه لميراث فلسفي تحاول  المانيا تجاوزه )) [66]  ولكي نفهم دور المتلقي في مقولات ما بعد الحداثة علينا أن نقف عند أبزر الاتجاهات النقدية التي تشكلت في هذه المدة الزمنية التي شكلت الجانب المعرفي والفلسفي لها :

رابعا : المتلقي وفعل القراءة في مقولات ما بعد الحداثة :

أ  : المتلقي ونظرية التلقي :

لقد كانت الفلسفات الوضعية والتجريبية الظهير المعرفي التي ارتكزت علي ها كثيرٌ من المناهج النقدية كالبنيوية  وكانت الفلسفة الظاهراتية أو الظواهرية هي الخزان المعرفي الأكبر والوحيد التي استرفدت منه هذه النظرية وكان ( هيجدر ) من أهم الفلاسفة الظاهراتيين  الذين كانت لآرائهم صدى  مهماً في نظرية التلقي ، فالأمر لم يعد مرتبطاً بقصدية المتلقي بل صار مرتبطاً بترك الحرية التامة متأثراً بأستاذه هوسرل [67] الذي يرى (( أن المصدر الأعلى لكل إثبات عقلي هو الرؤية أو حسب تعبيره هو الوعي المانح الأصلي … وبتعبير واضح فإن هوسرل يذهب إلى أن الموضوع الحق للبحث الفلسفي هو محتويات وعيناً وليس موضوعات العالم )) [68]

لقد تركت نظرية التلقي منذ نشأتها في ألمانيا الغربية صدى طيباً في أوساط الباحثين والدارسين ، كما أثيرت حولها نقاشات ثرية [69] ويقف وراء نشأة هذه النظرية عامل سياسي محض ، فنظرية التلقي ظهرت في ألمانيا ،  فعكست عبر مقولاتها ومفاهيمها  ((صراعاً بين نظام ديمقراطي يتمتع في النشاط الفردي على اختلاف أنواعه بحرية مصونة من جبرية الطبقة شيوعي يتحدد فيه نشاط الفرد طبعاً لجبروت الطبقة أو سياسة الحزب ، فهي حرب مناوئة لهذا النظام الذي أحكم قبضته على القارئ ، فجعله موجهاً بهذه الجبرية فترة طويلة في المانيا )) [70]  ظهرت في أواسط الستينيات على يد ( فلولفغانغ آيزر) و ( هانزروبير ياوس ) من المدرسة الألمانية في محاولة منهم للخروج من تركيز الاتجاه الفرنسي والاتجاه الماركسي على العوامل الخارجية ، فجاءت هذه النظرية لتصحح بعضاً من زوايا  انحراف الفكر النقدي والعودة به  الى قيمة النص وأهمية القارئ  ، وهذه النظرية أسهمت في إيجاد آلية  تهدف إلى إيجاد المتعة الجمالية والفنية في عملية التعاطي نقدياً مع النص حيث الكشف والتحليل [71] بعد أن تهدمت الجسور الممتدة بين قيمة النص وأهمية القارئ بسبب من الرمزية والماركسية ومن ثم التركيز في مفهوم التلقي لدى أصحاب هذه النظرية في محورين هما على الترتيب : القارئ والنص ، فالقارئ عندهم هو المحور الأهم والمقدم في عملية التلقي ، وعلاقته بالنص ليس علاقة سلبية كما هي في المذهب الرمزي ، وإنما هي علاقة حرة وغير مقيدة بقيد أو موجه سياقي خارجي أو مرجعية نسقية مسبقة [72]

وعليه  فلم يعد دور المتلقي دوراً سلبياً استهلاكياً في صلته بالنص ، ولم تعد استجابة النص استجابة عفوية ترضي تعطشه الجمالي وتشبع فيه نزوعه الى التلقي الممعن في كثافته وفرديته في آن ، بل أصبح المتلقي مسهماً في صناعة النص وتشكل هذه الاستجابة نسيج الموقف النقدي برمته ومؤثرة في صناعة وتشكل النصوص القادمة ، كون التلقي عملية مستمرة تشكل وجدان مؤلف النص والقارئ معا [73] وهذا يعني أن المتلقي في قراءته للنص إنما يعمل على تشكيل قراءة جديدة بحرية تامة من غير الرجوع الى سياقات ومرجعيات مسبقة خارج النص ، قراءة فيها جدة وجرأة ، غير معتمد على معان ٍ ودلالات سابقة ، قراءة فيها فكر وإنتاج جديد  ومن هنا بدأ التركيز على المتلقي بعد أن كانت العناية في مرحلة الحداثة مقتصرة على المؤلف في حين  نجد  منهاج النقد الكلاسيكية  كانت تعنى بالنص  بوصفه  جزءا مهماُ في عملية التلقي  والفهم  بحثاً عن المعنى والحقيقة  المطلقة، فالنص محور العملية التواصلية ومركز التلقي ، فالعملية تبدأ منه وتعود إليه ، على وفق منهج قرائي قوامه الصرامة في التعاطي بين معطى النص ومعطى المنهج .

فالحديث عن فعل القراءة بوصفها فعلاً فردياً صادراً عن ذات تجسد هذا الفعل ، وهذه العملية تستدعي الإشارة إلى إن هذا الفعل لن يتحقق إلا من خلال ما يسمى ( فعل القراءة ) ، غير أن الذي في حكم المؤكد أن فعل القراءة لا يتحقق من خلال واحدة فحسب ، وإنما من ذوات متعددة تتشكل من طبقات الجمهور المختلفة من حيث التوجهات والأفكار وهذا بدوره يؤدي إلى اختلاف التفسيرات والتأويلات ( فعل القراءة ) [74]  هذه الرؤية التوصيفية لعملية فعل القراءة هي الرؤية الماثلة في مقولات ما بعد الحداثة ، رؤية إجرائية قائمة على أساس الاعلاء من شأن المتلقي فهي فلسفة نقدية  ترتبط بالقارئ أكثر من ارتباطها بصاحب النتاج ، فهم يستبعدون دراسة النص على أساس منهج يهتم بحياة الكتاب أو المؤلف ، لأن النص في ذاته ، والادراك والاستقبال يتم بوساطة المتلقي من خلال تفاعله مع النص[75] ولكي تتم تلك العملية ( التفاعل ) بالصورة التي يرونها وضعوا شرطين للمتلقي ، وأول هذين الشرطين هو أن يكون المتلقي حراً  بمعنى أن يكون المتلقي متحرراً من الجرية التي فرضها النقد الماركسي على الفن ، كون النقد الماركسي يجعل المتلقي يستقبل النص في حدور وضعية أيدولوجية معينة وعندها تتوقف الرؤية الفردية للمتلقي بكل ما فيها من ذاتية ، فالتلقي يكون في خدمة المذهب أو الطبقة [76]  فالماركسيون يعتقدون بأن (( جوهر الفاعلية في الابداع الأدبي مرهون بتحولات الواقع الاقتصادي والاجتماعي )) [77] وهذا يعني أن فلسفة ما بعد الحداثة حررت ( المتلقي ) من حاكمية المركز المعرفي بمعنى أنها جاءت لتجعل القراءة الناتجة من فعل التلقي ممارسة حرة .

ب : التلقي والتفكيك :

لقد نظر ( هيدجر ) الى الفلسفة على أنها نص يضاعف نصاً والنص يضاعف نصوصاً أخرى ، وهذا يعني أنه نظر إليها بوصفها أو انفتاحاً وتوليداً وهي بالمقابل لا يمكن لها أن نتنج حقائق أو معارف صحيحة ، إذ ليس في الفلسفة ما هو صادق أو كاذب ، أو خير أو شر ، فليس هنالك تقريرات قطعية ، فهي في عملية جدال قولي منتج مستمر دائماً [78] ومن أجل ذلك استبعدت كل المفاهيم الثابتة والمعايير المطلقة وعدم الركون الى مقررات الفلسفة الكلاسيكية ، فلسفة قائمة على القراءة المختلفة المغايرة [79] فدعا الى تدمير تاريخ المعرفة القديم ، فدعا الى ضرورة حرق الكتب للخروج من أزمة الفكر والمعرفة عند الانسان ، كونها تقف عائقاً أمام الوصول الى المعرفة الحقة [80] وهذا يعني أن ( هيجدر ) يرى أن (( المعرفة الحقيقية للعالم لا تتأتى بمحاولة تحليله كما هو خارج الذات وإنما بتحليل الذات نفسها وتقوم بالتعرف على العالم )) [81] وهذا يعني أن السلطة أصبحت للقارئ  ، فالقارئ هو من يقوم بعملتي الكشف والتحليل من خلال ممارسته دور الهدم والبناء والتفكيك ، ومصطلح ( التفكيك ) مصطلح يوصف بالمضلل في دلالته المباشرة ، فهو مصطلح يتضمن دلالة الهدم والتخريب والتشريح وهي مضامين ترتبط بالأشياء المادية المرئية ، ولكن على المستوى الدلالي العميق تدل التفكيكية على عمليات تفكيك الخطاب والنظم الفكرية من خلال إعادة النظر إليها على وفق عناصرها والاستغراق فيها وصولاً الى عملية الالمام بالبؤرة المطمورة فيها ، لذلك وصفها جاك دريدا بأنه حركة بنائية وضد البنائية في الوقت نفسه [82] فالمتلقي كان محكوما بمعنى محدد له من قبل ولا يمكن تجاوزه على خلاف ما كان سائداً في الفلسفات القديمة إذ إن (( الفلسفة من أفلاطون الى هيغل هي فلسفة الحضور ، ونعني بذلك أن الوعي لا يعترف إلا بما هو حاضر لديه ، فيتخذ شكل الدلالة والمعنى والقانون والهوية ، فيتطابق  هذا مع مقولاته مما يعني أن الإنسان هو مركز الكون ، غير أن الانقلاب الذي حصل في صف الفلسفة عند ( هيدجر ) ومنه انطلق ( دريدا ) بقول فلسفة الغياب التي تقول بالآخر المغاير الذي ينأى عبر سيرورة الاختلاف )) [83] وهنا يتحدد مفهوم  الاختلاف  الذي يعد  احدى المرتكزات الأساسية للمنهجية التفكيكية ، ويعد فاعلية حرة غير مقيدة فهو اختلاف لا يعود الى تاريخ ولا إلى بنية ، فالاختلاف يوجد في اللغة ليكون أول شروط تكشف المعنى [84] وهذا يعني أن ( التفكيكية ) تقوم على هدم المعنى وبنائه من جديد ، وحدود اشتغالات الاختلاف اللغة نفسها ، فكل لفظ يرد داخل تركيب لغوي يتحدد معناه من خلال تحديد الدلالة المخالفة له ، فتم الاستدلال بالغائب على كشف دلالة الحاضر ، بمعنى أن المتلقي ( الخارق ) بحسب توصيف ( نيتشه ) يعمل إزاحة ما هو راكز وقار في الوعي البشري ( المعنى القار ) وابداله بالآخر المختلف غير الراكز في الذاكرة ، لذلك قال ( جاك دريدا ) بضرورة التمركز حول العقل مؤسساً بنية قوة خارطة الفكر ، من خلال اقتحام سكونية الميتافيزيقا الغربية .

ج: التلقي والتأويل :

يعرف علم التأويل بأنه (( علم مرتبط بعدد من العلوم ، ويتميز بأنه أساس لسائر العلوم ، فأي تغيير فكري يحصل في هذا العلم ، فإنه سوف يؤدي الى تغييرات وتحولات في المجالات الفكرية الأخرى ولاسيما في العلوم الإنسانية التي تحتاج الى نظام معرفي متناسق يشتمل على ملاك محدد في الفهم والتفسير )) [85] ويقوم الاتجاه التأويلي على فكرة رافضة لأي تطبيق لمناهج الطبيعة على موضوعات العلوم الإنسانية ، فالحياة بالنسبة لأصحاب هذا الاتجاه هي حياة فريدة ومميزة وواعية وإبداعية في الوقت نفسه ، وهذه الحياة بهذا التوصيف لا يمكن إخضاعها لمطالب الموضوعية الصارمة والقوانين الثابتة التي تقوم عليها العلوم الطبيعية [86] فقد أصحاب هذا الاتجاه التاريخ واللغة والأدب والفن والتراث على وفق مناهج خاصة بعيدة كل البعد عن آليات العلوم الطبيعية في الموضوعية والتنبؤ والتفسير الكوني الشامل للظواهر ، كون الظاهرة الإنسانية متلفة جذرياً عن طبيعة الظواهر الطبيعية الجامدة [87] وقد تبنى هذه الرؤية التأويلية ( رودلف كارناب ) 1891-1970 ، الذي قام بتطبيق مناهج العلوم الفيزياوية وعلم النفس وعلم الاجتماع معتقداً بأنه يقوم بإخراج هذه العلوم من أوهام التأويلية التي نظرت الى الإنسان على أنه كائن فوق القوانين المادية  ، فيرى أن التصورات الخيالية والنرجسية للإنسان جعلتنا نخترع نظريات وقوانين غير صحيحة وليس آخرها نظرية مركزية الأرض في الكون والحقيقة المطلقة ، ويرى أنه قد آن الأول لكي نتحرر من هذه الأوهام [88] وقد وضع ( شليماخر ) 1768-1834 م الخطوة الأولى من خطوات التأويل ، فقد كانت خطوة بارزة ومهمة في هذا الاتجاه (( فكانت للممارسة التأويلية في سياق فلسفته تاريخها الخاص وأنماطها الخاصة من هذا التاريخ ، وقد أنجز أول نظرية كلاسيكية لها في عمل شليماخر الذي يسمى أحياناً مؤسسة اللاهوت البروتستانتي ويعتقد شليماخر أن للتأويلية بعدين : خاص وعام وكلا هذين البعدين متضمن في تصوره عن اللغة الذي تبين أن كلمة معينة لا تكتسب معناها إلا بوجودها في نظام القواعد الخاصة باللغة وفي أحيان أخرى يتبنّى تأويلة تعتمد على ظروف تاريخية من أجل تحقيق الفهم النفسي والعاطفي لكلمات المؤلف ، وبهذا فإن تأويلية شليماخر تثير اتجاهين من التأويل : اتجاها يخص قواعد اللغة واتجاها يخص اللاهوت )) [89] وهذا يعني أنه شليماخر يرى أن التأويل هو فن الفهم أي : الفن الذي لا يمكن الوصول إليه إلا من خلاله وأن التأويل معرض للخطر إذا كان هناك سوءاً في عملية الفهم ويرفع هذا الخطر بوساطة اتباع مجموعة من القواعد المنهجية .

في حين نجد ( دلتاي ) 1833-1911م قد  قدم تصوراً تأويلياً للنصوص في بعد نفسي فقد نظر للتأويل على أنه فن شخصي يستند الى عبقرية المؤول وطبيعة علاقته بالمؤلف ، فقد أصبح ( التأويل ) عنده فن الفهم الذي يشير الى المستوى الأعمق من الإدراك الذي يسهم في الإحاطة بالصورة أو القصيدة أو التعبير النفسي للحياة [90] وهذا يعني أن فلسفة دلتاي في التأويل على مبدأ يقوم على أساس عد( الهيرمونيوطيقا )هي أساس لكل العلوم الروحية ، فهدف دلتاي هو وضع مناهج تهدف من خلالها الوصول الى تأويلات صائبة موضوعياً لتعبيرات الحياة الداخلية لذلك عد التأويل (( منهج عام وعلم أساس تبنى عليه كل العلوم الإنسانية ، لذلك سعى أن ينظم علم الهيرمنيوطيقيا كمنهج جامع للفهم والتأويل في هذه العلوم ))[91]

ومع ( هيدجر) حاول سحب ( التأويل ) من مجال المعرفة والمنهجية الى مجال علم الوجود وسعى الى تأسيس تأويلية على النظرية الوجودية ولكنه لم يرجع الى المباحث المعرفية ، فقد عرف ( هيدجر) الهدف منها بأنها ليست مرتبطة بفن التأويل كما أنها ليست التأويل نفسه [92] فأنطولوجيا الهيرمنيوطيقيا هي رد فعل على نسيان الوجود في الميتافيزيقيا التي تفكر في الانحجام التام وغياب الوجود ودعوة للعناية بالوجود في تفكيرنا وتمرد على المثالية المتعالية المستغرقة في الذات ، فقد نظر للتأويل على أنه محاول لتأويل الوجود الإنساني بحيث يصبح العالم هو المؤسس لهذا الوجود الإنساني ، فالعالم هو الذي يفرض نفسه علينا وبذلك انتقد بشدة المثالية [93] وبذلك تصبح التأويلية عنده (( تأويلية وجودية والفهم ليس طاقة أو موهبة للإحساس بموقف شخص كما أنه ليس القدرة على إدراك معنى بعض تعبيرات الحياة بشكل عميق . إن الفهم ليس شيئاً يمكن تحصيله وامتلاكه ، بل هو شكل من أشكال الوجود في العالم أو عنصر مؤسس لهذا الوجود وعلى هذا يعتبر الفهم من الناحية الوجودية أساساً وسابقاً على أي فعل وجودي وبذلك تصبح قراءة النص تجربة وجودية تتخطى حبسه في إطار الذاتية والموضوعية ، فالنص لا  يعود تعبيراً عن أحاسيس المؤلف وتجربته كما تراه الرومانسية ولا يعود تعبيراُ موضوعيا كما يراه دلتاي بل هو تجربة وجودية تعبر عن المشاركة في الحياة … )) [94]

وفي خضم ما قدمه ( هيدجر ) من تصورات عملية للعملية التأويلة إنما هو تصور نظري مجرد ، المتلقي على وفق نظريته لا يستطيع أن يصل الى قراءة خاصة للنص ، فربط التأويل ( الهيرومنيوطيقيا ) بالوجود ( الانطلوجيا ) تجعل عملية التلقي صعبة بل مستحيلة ، فالنص محدد بألفاظ لغوية وهذه الالفاظ المحددة لا يمكن  أن تعبر عن الوجود الإنساني بأكمله ، فالوجود أكبر من النصوص من حيث التعبير عن الحياة والوجود الإنساني ، فعملية التلقي على وفق ( فهم ) هيدجر تصور نظري بحت لا يسعف ( المتلقي ) في فهم النص ومن ثم تأويله . كون المرجعية الوجودية هي مرجعية كلية شاملة لا يمكن أن تكون مرجعية في تلقي وفهم وتأويل النصوص وبالتالي لا يمكن أن نتصور كيفية العملية التي من خلالها يتم ( التلقي ) .

أما ( غادامير ) فقد أرجع التأويل الى الساحة المعرفية ويحل مشكلة التأويل من خلال حتمية إدخال اللغة في الفهم ، مقدماً تحليلاً لماهية المعرفة بحيث يكون تحليلاً صالحاً للمجالات المعرفية كلها [95] والتأويل عنده كان أكثر وضوحاً من حيث التنظير والإجراء ، فقد استوعب النص من خلال تقديم نظرية خاصة للتأويل من خلال ربطه بعدد من الدوائر التأويلية ، هذه الدوائر معا تشكل المعطى الفكري والفلسفي لعملية التأويل ، ويعد كتابه ( الحقيقة والمنهج ) من أهم ما كتبه ( غادامير ) ، إذ أوضح فيه استراتيجية التأويل على نحو فكري منظم وفي ذلك يقول : (( إن الدراسات التي سنقرأها هنا تعالج مشكلة التأويل، ذلك أن ظاهرة الفهم ومن ثم تأويل ما فهم تأويلا صحيحا لا يشكل مشكلا متميزا يتعلق بمنهجية العلوم الانسانية فقط، فالفهم وتأويل النصوص ليسا حكرا على العلم ولكنهما يتعلقان أساسا بالتجربة الشاملة التي يكونها الإنسان عن العالم، ومن ثم فإن ظاهرة التأويل ليست مشكلة منهجية )) [96] وهذا يعني  أنّ القراءة خلّصت النص من أسطورة المعنى الواحد التي كانت السلطة السياسية آنذاك تؤكّدها بخلاف اليوم حيث تصدّعت مركزية السلطة، وأفسح المجال أمام الديمقراطيات التي جاءت بحوار والأفراد وبالرأي الآخر [97]

ونخلص مما تقدم (( إن تخطّي عزلة الذات إلى فضاءات المشاركة والحوار والإنصات للآخر يعني من حيث تعـــــــلّق الأمر بالممارسة النصية تجاوز عتبة الانفعال بالنص من قبل المتلقي إلى مثابة التفاعل والفعل بوساطة النص، ومن ثم الشعور والاستشعار به )) [98] فالمتلقي المؤول يعطي الإحالة الخارجية دورها المهم في عملية التأويل بوساطة التفاعل مع النص غير غافل ٍ الإحالة التاريخية كما هو عند غادامير التي جعلها أولى دوائر التأويل ولكن مشروطة بالقراءة التأويلية الواعية ، بمعنى أن غادامير حيما ركز على القيمة التاريخية وأعاد اليها اعتبارها على خلاف التفكيكية لا يعني بذلك أن يكون المتلقي مقيداً كما كان في عصر الحداثة وإنما اشترط توافر الوعي بتلك الإحالة ، والوعي بها لا يعني التقيد بدلالتها  المعرفية بل لابد للمؤول ( المتلقي ) أن يجد معاني جديدة مغايرة ، لذلك أعطى غادامير التاريخ عناية خاصة ، كون التاريخ من خلاله نفهم الحاضر والمستقبل .

وهذا يعني أن التأويل نوعان ، النوع الأول يسمى بتأويل الواسطة وهو التأويل الذي  ساد في عصر الحداثة ،  كون الدائرة التأويلية كانت دائرة مغلقة على إحالات خارجية قارة ، تجعل القراءة التأويلية منغلقة على نفسها .  أما التأويل القائم على انتاج قراءة وفهم جديدين فيسمى بتأويل الحيازة [99] وهو التأويل القائم على قراءة منتجة جديدة ، قراءة غير مقيدة بسياق معرفي سابق ، وهي قراءة مفترضة لا يمكن الجزم بوجودها ، فهو تأويل مقرون بمتلق افترضي بقي في حيز التنظير دون الاجراء ( فغادامير )  وهو يفتح دائرة التأويل نحو الدائرة التاريخية صحيح أنه – كما قيل – قد ارجع للتاريخ حضوره الفاعل في العملية التأويلية ، بيد أن ذلك الانفتاح هو انفتاح مشروط بوعي المتلقي وفهمه من خلال ممارسة المتلقي عملية التأويل عليه أن يقف عند حدود الفهم التاريخي ( الموضوعي ) والفهم غير التاريخي ( الذاتي )  بحيث يمارس ترجمة أمينة تحافظ على وعي مستقلين وتمنعهما من الاختلاط من خلال وضع أحدهما مكان الآخر [100]  ومن هنا يمكن القول إن فعل القراءة (( يستند الى   ركني التاريخية والجماعية فقد تحول الى فعل لإنتاج المعرفة التي تعني قدرة الذات المتلقية للخطاب على الربط بين التكوين الفني لهذا الخطاب والتكوين المرجعي الذي تنتمي إليه تلك الذات القارئة والنص المقروء معا ، أما مهمة المتلقي فستحدد في مدى كفايته في ممارسة ضبط التثبيت الدلالي للنص ، بمعنى الحفاظ على ارتباط كل دال بمدلوله )) [101] وتبقى العملية التأويلية على وفق تأويلية غادامير حيز الافتراض غير متحقق واقعاً ، فالقارئ ( السوبرمان ) الخارق على وفق توصيف ( نيتشه) لم يكن له حضور في دائرة المعرفة التأويلية ، فيبقى قراءة  النص وتلقيه  محكومان بالإحالات المعرفية القارة التي كونت الوعي الجماعي ( الموضوعي ) بينما يتلاشى الوعي الذاتي أمام سطوة ومركزية الآخر الجماعي . فكل ما قدمه ( نيتشه ) و ( هيجدر ) و ( شليماخر  ) و ( غادامير ) وحتى ( ريكور ) هي مجرد افتراضات تدور في حيز التنظير دون الاجراء ، محاولة منهم جميعا إعادة نسق المعرفة وتغيير مسارها القرائي والفهمي ، محاولة تحرير المتلقي وفعل القراءة من قيود الوعي الموضوعي والتوجه به نحو الذاتية ، القائمة على إعادة القراءة وتوجيه الفهم المقرون بالوعي .

الخاتمة :

إن دراسة ( المتلقي ) وعملية فعل القراءة في الدرس النقدي الحديث لحديث مرتبط جدلاً بالتحولات الفكرية الفلسفية التي طرأت في أوروبا ، فكانت لنا  وقفة سريعة عند تلك التحولات ( المخاضات )  فحاولنا تقديم  قراءة مبسطة لمخاضات الفكر الفلسفي المرتبط  جدلا بالدرس النقدي الحديث تأثراً وتأثيراً ، ، فالتلقي عملية محكومة في كل عصر  بالنتاج الفكري والفلسفي لذلك العصر ، فعملية  ( فعل القراءة ) هو نتاج فلسفة ومخاض فكر ، فالمتلقي في عصر الحداثة كان محكوماً بمعرفية المركز بعيداً عن الهامش ، يشتغل على وفق مقررات ( عصر الحداثة ) حيث العقلنة والمعقولية والاحتكام الى سلطة المركز ( الإحالة ) ، فالمتلقي لم يكن حراً وإنما كان متلقياً بالواسطة ، بمعنى أن المتلقي لم يقدم قراءة جديدة بقدر ما يتم إحالة النص الى محددات قد تكون خارجية كالمناهج السياقية أو إحالات داخلية لغوية ( قوانين وأنظمة ) كالمناهج النصية ، بيد أن تلك الآلية المنهجية جوبهت برفض فدخل العالم مرحلة عصر ما بعد الحداثة بعد أن تم إعادة قراءة فلسفة ( نيتشه )  و ( هيدجر ) فشكلت فلسفتهما معالم ما بعد الحداثة حيث الدعوة الى رفض العقلنة وتبني اللامعقول ورفض المركز ( الاله ) فصار المتلقي على وفق ذلك التحول المعرفي متلقيا حراً  غير محكوم معارف مسبقة ، فيعمل على انتاج معنى جديد بيد أن هذا المتلقي يبقى قيد التنظير ولا وجود له في حيز الاجراء ، وعلى وفق ذلك التصور الواقعي يبقى المتلقي وعملية التلقي تكون محكومة بمحددات عصر الحداثة حيث الهيمنة المعرفية للمعارف المسبقة ولا يستطيع تجاوزها فكل ما يفعله المتلقي هو إعادة انتاج تلك المعارف بنسق جديد .

المصادر :

  • الأسلوب والأسلوبية بين العلمانية والأدب الملتزم بالإسلام، د. عدنان علي رضا النحوي ، الرياض ، السعودية دار النحوي للنشر والتوزيع 1999م
  • إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر ، عبد الغني بارة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005 م،
  • البحث الأدبي – طبيعته – مناهجه – أصوله، مصادره: د. شوقي ضيف: ط 6. دار المعارف، القاهرة، 1977، ص 26.
  • التأويل وقراءة النص في دراسات الاعجاز القرآني ( دراسة في الهرمنيوطيقيا الأدبية الإسلامية ) ، الدكتور سرحان جفات ، دار الينابيع ، الطبعة الأولى ، 2010 .
  • التفكيكية ، سلطة العقل وإرادة الاختلاف ، عادل عبد الله ، دار الحصاد للنشر والتوزيع والطباعة ، سوريا ، الطبعة الأولى ، 2000م .
  • جاذبية الحداثة ومقاومة التقليد ، د. محمد الشيخ ، دار الهادي ، الطبعة الأولى ، بيروت ،  2005
  • الجمالية الماركسية ، هنرى أرفون ، ترجمة : جهاد نعمان ، بيروت ، 1975 .
  • جورج باركلي بين الدين والفلسفة ، قراءة في كتاب المحاورات ، يامن نوح ، مركز النماء للبحوث والدراسات ،
  • حداثة السؤال خصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة ، محمد بنيس ، المركز القومي العربي ، الطبعة الثانية  ، 1998 .
  • الحداثة في فكر محمد أركون ، فارح مسرحي ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 2006
  • الحقيقة والمنهج ، الخطوط الأساسية لتأويلية الفلسفية ، هانز جورج غادامير ، ترجمة : د. حسن ناظم ، علي حاكم صالح دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى ، 2000م
  • خطاب الحداثة في الأدب ، مرجعية الأدب الحداثي ، جمال شحيد ، وليد القصاب ، دار الفكر ، دمشق ، 2005
  • دليل الناقد الادبي  ( إضاءة لأكثر من سبعين تيارا ومصطلحا نقديا معاصرا ) ، ميجان الرويلي ، وسعد البازعي ، المركز الثقافي العربي ،
  • عصر التنوير ، ليود سبنسر ، ترجمة : أمام عبد الفتاح إمام ، المشروع القومي للترجمة ، 2008 .
  • عصر النهضة ( مقدمة قصيرة جدا ) ، جيري بروتون ، ترجمة : إبراهيم البيلي محروس ، مراجعة : هبة نجيب مغربي ، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ، الطبعة الأولى ، 2014 م
  • علم الاجتماع الادبي ( منهج سوسيلوجي في القراءة والنقد ) , د. أنور عبد الحميد الموسى , دار النهضة العربية , بيروت , لبنان , الطبعة الاولى . 2011
  • فلسفة الحداثة في فكر هيغل ، محمد الشيخ ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر ، الطبعة الأولى ، 2008 .
  • فلسفة نيتشه، أوبفن فنك ، ترجمة، تحقيق: الياس بديوي، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي
  • قراءة النص وجماليات التلقي بين المذاهب الغربية والحديثة في تراثنا النقدي ، محمود عباس عبد الواحد ، دار الفكر العربي ، مصر ، الطبعة الأولى ، 1996 :
  • قصة الفلسفة ، من افلاطون الى جون ديوي ،
  • قضايا الحداثة عند الجرجاني، محمد عبد المطلب ، مكتبة لبنان ناشرون ، الطبعة الأولى ، 1995 .
  • كنط وفلسفته النظرية ، محمود زيدان ، دار المعارف ، الطبعة الثالثة ، 1979 .
  • ما بعد الحداثة والتنوير ، الزواوي بغوره ، دار الطليعة ، بيروت ، د.ت
  • ما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية ، علي حسين يوسف ، الرضوان للنشر والتوزيع ، الأردن .
  • ما هي النهضة ، سلامة موسى  ، مؤسسة الهنداوي للتعليم والثقافة ، القاهرة ، 2013
  • مبادئ تحليل النصوص الأدبية ، د. بسام بركة وآخرون ، مكتبة لبنان ناشرون ، لبنان ، 2002م
  • مدارات الحداثة ، محمد سبيلا ، منشورات عكاظ , الرباط ، المغرب ، 1988م
  • مدخل الى التنوير الأوروبي ، هاشم صالح ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2005 م
  • مذاهب الادب العربي ومظاهرها في الادب العربي الحديث , د. سالم أحمدد الحمداني , وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ،
  • مشكلة البنية أو أضواء على البنيوية ، زكريا إبراهيم ، مكتبة مصر ، د.ت .
  • معرفة الآخر ( مدخل الى المناهج النقدية الحديثة ) ، عبد الله إبراهيم وآخرون ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، الطبعة الثانية ، 1996 .
  • مناهج النقد المعاصر ، صلاح فضل ، دار الافاق العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1997
  • المناهج النقدية الحديثة : د. محسن تركي الزبيدي ، دار نيبور ، العراق ، الديوانية ،
  • المنهج الاجتماعي وتحولاته من سلطة الايديولوجيا الى فضاء النص , د. عبد الوهاب شعلان , عالم الكتب الحديثة , الاردن , 2008
  • النظرية الأدبية، دافيد كارتر: ترجمة: د.باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م
  • نظرية التلقي ، مقدمة نقدية ، هولبرت روبرت ، ترجمة : عز الدين إسماعيل ، الطبعة الأولى ، الطبعة الأولى ، مكتبة الأكاديمية
  • نظرية التوصيل وقراءة النص ، عبد الناصر حسن محمد ، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات ، القاهرة ، 1999: 98
  • نظرية القراءة في النقد المعاصر ، حبيب موسى ، دار الأدب ، الجزائر ، 2007
  • النقد الادبي العربي الجديد ( في القصة والرواية والسرد ) , د. عبد الله ايو هيف , منشورات اتحاد الكتاب العرب , 200م
  • نقد الحداثة ، آلان تورين ، ترجمة : أنور مغيث ، المجلس الأعلى للثقافة ، 1997
  • النقد العربي الحديث ومدارس النقد الغربية، د. محمد الناصر العجيمي ، كلية الآداب سوسة – دار محمد علي   الطبعة: الاولى 1998 .
  • الهيرمينوطيقيا ( منشأة المصطلح ومعناه واستعمالاته في الحضارات الإنسانية المختلفة ) ، صفدر الهي راد ، تعريب : حسين الجمال ، سلسلة مصطلحات معاصرة ، التعبة العباسية المقدسة ، 2019

الرسائل الجامعية :

  • الأوضاع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوربي من القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر ،نيفين ظافر حسيب الكردي ، رسالة ماجستير ، غزة ، 2011 م
  • مصطلح الحداثة عند أدونيس ، منصور زيطة ، رسالة ماجستير ، جامعة قاصدي مرباح ورقلة ، الجزائر ، 2013 م
  • معالم المنهج التاريخي عند النقاد السعوديين ، حمد بن عبد العزيز ، جامعة القصيم ، رسالة ماجستير ، 2011

 الدوريات والمواقع :

  • تأويلية الفهم ، د. حسن ناظم ، مجلة الحياة الطيبة ، العدد 36 ، 2017
  • سلطة القارئ في الأدب، محمد عزام مجلة الموقف الأدبي، ع 377
  • المتلقي والتراث ، مديحة عتيق – الجزائر، مجلة عود النرد ، في  العدد 53: 2010/
  • مكانة التراث وتأويله عند غادامير ، رشيد الحاج صالح ، مجلة دمشق ، المجلد : 30 ، العدد : 1-2 ، 2014
  • المنهج النفسي في النقد ، دراسة تطبيقية على شعر أبو الوفا عبد الجواد المحمص ، مجلة الحرس الوطني ، السعودية ، العدد : 155
  • نشأة الحداثة وتطورها التاريخي ، غازي الصوراني ، الحوار المتمدن-العدد: 5009 – 2015 / 12 / 10
  • نظرية التلقي والأدب المقارن ، د. سيد فضل الله ميرقادري ، د. حسين كياني ، مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية ، العدد : 18 ، ربيع 1390

 

 

The Receiver and the Verb of Reading in Modern Criticism – Modernism and Postmodernity   M.D.

                       M.D. Hossam Hamad Jalab                                      

 The study of (the recipient) and the process of reading in the modern critical lesson of a hadith is controversial to the philosophical intellectual transformations that took place in Europe, so we had a quick pause at those transformations (travails), so we tried to present a simple reading of the pitfalls of the philosophical thought related controversy to the modern critical lesson, influencing and influencing. A process governed in every age by the intellectual and philosophical product of that era, so the process (the act of reading) is the product of philosophy and the throes of thought, so the recipient in the era of modernity was governed by the knowledge of the center away from the margin, working according to the decisions of the (era of modernity) where rationality, reasonableness and appeal

 

 

 

 

 

[1] ينظر : حداثة السؤال خصوص الحداثة العربية  في الشعر والثقافة ، محمد بنيس  : 109

[2] ينظر : خطاب الحداثة في الأدب ، مرجعية الأدب الحداثي ، جمال شحيد ، وليد القصاب : 109

[3] نشأة الحداثة وتطورها التاريخي ، غازي الصوراني ، الحوار المتمدن-العدد: 5009 – 2015 / 12 / 10 – 16:08

[4] نقد الحداثة ، آلان تورين : 22

[5] ما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية : 16

[6]  المصدر نفسه  : 16

[7] ما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية ، علي حسين يوسف: 15

[8] الأوضاع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الغرب الأوربي من القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر ،نيفين ظافر حسيب الكردي : 2

[9] عصر النهضة ، جيري بروتين : 63

[10] عصر النهضة :  : 19

[11] ما هي النهضة ، سلامة موسى : 29

[12] عصر النهضة ، سلامة موسى : 15

[13] ينظر : الحداثة في فكر محمد أركون ، فارح مسرحي : 26

[14] قصة الفلسفة ، من افلاطون الى جون ديوي : 142

[15] المصدر نفسه : 143

[16]ينظر: إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر:51.

[17] قصة الفلسفة : 320

[18] جورج باركلي بين الدين والفلسفة ، يامن نوح : 4

[19] :ينظر : عصر التنوير ، ليود سبنسر ، ترجمة : أمام عبد الفتاح إمام : 43

[20]  ينظر : المصدر نفسه : 44

[21] قصة الفلسفة : 249

[22] ينظر : مدخل الى التنوير الأوروبي ، هاشم صالح : 215

[23] ينظر : المصدر نفسه : 215

[24] ينظر : المصدر نفسه : 216

[25] ينظر : عصر الفلسفة : 250

[26] ينظر : المصدر نفسه  : 317

[27] ينظر : كنت وفلسفته النظرية ، محمود زيدان :  27-28

 [28] ينظر : فلسفة الحداثة في فكر هيغل ، محمد الشيخ : 77

[29] ينظر : ما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية : 11

[30] ينظر : مصطلح الحداثة عند أدونيس ، منصور زيطة   : 5

[31] : الحداثة وما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية : 17

[32] مدارات الحداثة ، محمد سبيلا  : 182

[33] مدارات الحداثة : 52

[34] ينظر : جاذبية الحداثة  ومقاومة التقليد ، د. محمد الشيخ : 257

[35] نظرية التوصيل وقراءة النص الأدبي : 7

[36] البحث الأدبي – طبيعته – مناهجه – أصوله، مصادره: د. شوقي ضيف: ط 6. دار المعارف، القاهرة، 1977. : 32

[37] المصدر نفسه :  26.

[38]  ينظر : معالم المنهج التاريخي عند النقاد السعوديين ، حمد بن عبد العزيز : 84

[39] علم الاجتماع الادبي ( منهج سوسيلوجي في القراءة والنقد ) , د. أنور عبد الحميد الموسى  2011: 18

[40] ينظر : النقد الادبي العربي الجديد ( في القصة والرواية والسرد ) , د. عبد الله ايو هيف : 186

([41]) ينظر : مذاهب الادب العربي ومظاهرها في الادب العربي الحديث , د. سالم أحمد الحمداني : 156

([42]) النقد الادبي  العربي الجديد ( في القصة  والرواية والسرد ) : 184

([43]) المنهج الاجتماعي وتحولاته من سلطة الايديولوجيا الى فضاء النص , د. عبد الوهاب شعلان : 39

 [44]  ينظر : المنهج الاجتماعي وتحولاته : 39

[45]  علم الاجتماع الادبي ( منهج سوسيلوجي في القراءة والنقد ), مصدر سابق : 18

[46]   المصدر نفسه : 19

 [47]  مذاهب الادب العربي ومظاهرها في الادب العربي الحديث , د. سالم أحمد الحمداني : 157

[48] ينظر : المناهج النقدية الحديثة : د. محسن تركي الزبيدي : 89

[49] ينظر : المصدر نفسه : 90

[50] ينظر : المصدر نفسه : 90

[51] المنهج النفسي في النقد ،  دراسة تطبيقية على شعر أبو الوفا عبد الجواد المحمص ، مجلة الحرس الوطني ، السعودية ، العدد : 155: 80

[52] مبادئ تحليل النصوص الأدبية : 23

[53] ينظر : الشكلانية الروسية : 1

[54] النظرية الأدبية، دافيد كارتر :30

[55] المصدر نفسه 30

[56] المصدر نفسه : 31

[57] المصدر نفسه : 31 

 [58]ينظر : النقد العربي الحديث ومدارس النقد الغربية، د.محمد الناصر العجيمي:359.

[59]الأسلوب والأسلوبية بين العلمانية والأدب الملتزم بالإسلام، د. عدنان علي رضا النحوي:57.

[60]: مشكلة البنية:36–37.

 [61]  ينظر: فلسفة نيتشه، أوبفن فنك:12. 

[62] المتلقي والتراث ، مديحة عتيق – الجزائر، مجلة عود النرد ، أنت فيالغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 5: 48-59 » العدد 53: 2010/11 » : 3

[63] محمد عبد المطلب: قضايا الحداثة عند الجرجاني:  234

[64][64] ما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية : 25

[65] ينظر : ما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية : 28

[66] ما بعد الحداثة والتنوير ، الزواوي بغوره ، دار الطليعة ، بيروت : 11

[67] ينظر : نظرية التلقي ، مقدمة نقدية ، هولبرت روبرت : 24

[68] نظرية التوصيل وقراءة النص الأدبي : 81

[69] ينظر : نظرية التلقي والأدب المقارن ، د. سيد فضل الله ميرقادري ، د. حسين كياني ، مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية ، العدد : 18 ، ربيع 1390 : 98

[70] قراءة النص وجماليات التلقي بين المذاهب الغربية والحديثة في تراثنا النقدي  : 17

[71] ينظر : نظرية التلقي والأدب المقارن ، د. سيد فضل الله ميرقادري ، د. حسين كياني ، مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية ، العدد : 18 ، ربيع 1390 : 21

[72] قراءة النص وجماليات التلقي بين المذاهب الغربية والحديثة في تراثنا النقدي ، محمود عباس عبد الواحد: 17-18

[73] ينظر : نظرية التوصيل وقراءة النص ، عبد الناصر حسن محمد ، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات ، القاهرة ، 1999: 98

[74] ينظر : نظرية القراءة في النقد المعاصر ، حبيب موسى  : 36

[75][75] ينظر : قراءة النص وجماليات التلقي : 19

[76] ينظر : الجمالية الماركسية ، هنرى أرفون  : 91

[77] مناهج النقد المعاصر ، صلاح فضل: 30

[78] ما بعد الحداثة وتجلياتها النقدية : 49

[79] المصدر نفسه  : 50

[80] المصدر نفسه  : 56

[81] دليل الناقد الادبي : 321

[82] ينظر : معرفة الآخر ( مدخل الى المناهج النقدية الحديثة ) : 114

[83] التفكيكية ، سلطة العقل وإرادة الاختلاف ، عادل عبد الله : 13

[84] ينظر : معرفة الآخر ( مدخل الى المناهج النقدية الحديثة ) : 122

[85] الهيرمينوطيقيا  ( منشأة المصطلح ومعناه واستعمالاته في الحضارات الإنسانية المختلفة ) ، صفدر الهي راد : 13

[86] ينظر : مكانة التراث وتأويله عند غادامير ، رشيد الحاج صالح ، مجلة دمشق ، المجلد : 30 ، العدد : 1-2 ، 2014 : 581

[87] ينظر :المصدر نفسه : 581

[88] ينظر : المصدر نفسه : 580

[89] تأويلية الفهم ، د. حسن ناظم ، مجلة الحياة الطيبة ، العدد 36 ، 2017 : 5

[90] ينظر : تأويلية الفهم : 7

[91] الهيرمينوطيقيا  ( منشأة المصطلح ومعناه واستعمالاته في الحضارات الإنسانية المختلفة ): 19

[92] ينظر : المصدر نفسه : 22

[93] ينظر : مكانة التراث وتأويله : 590

[94] تأويلية الفهم : 11

[95] ينظر : مكانة التراث وتأويله  21

[96] الحقيقة والمنهج : 90

[97] محمد عزام: سلطة القارئ في الأدب، مجلة الموقف الأدبي، ع 377 : 123

[98] إضبارة النصّ، وهيرمنيوطيقا الوعي بين تناصات النص وتناصات القراءة : د. عباس أمير ضمن كتاب الدائرة التأويلة : 289

[99] التأويل وقراءة النص في دراسات الاعجاز القرآني ، دراسة في الهيرمنيوطيقيا الأدبية  الإسلامية ، د. سرحان جفات : 31

[100] ينظر : المصدر نفسه : 31

[101] التأويل وقراءة النص : 32

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *