منذ زمن طويل، أفرغت معظم المؤسسات الدولية من مقومات تأثيرها وأهميتها، وفي مقدمة تلك المؤسسات (الجمعية العامة للأمم المتحدة)، وهو حديث طويل الذيل، لا مجال له في هذا المختصر، كما ان “العالم كله” بما في ذلك الزعماء والملوك والرؤوساء وكل الوفود التي تشارك في اللقاء السنوي للجمعية، تعرف أنه ” لقاء بروتوكولي”، ولن ينتج قرارات ملزمة، ولا توصيات مؤثرة، لكنه ساحة لطرح الرؤى، والافكار، واستعراض المواقف، ومتنفس للبعض، وأهم فوائده تتمثل في الهامش الذي يحققه من خلال فرصة اللقاءات الجانبية (وأيضاً لست بصدد تقييم هذا اللقاءات).
أستمعت لعدد من الخطابات التي ألقيت من دول مختلفة (جغرافياً وسياسياً وأمنياً وأيدلوجياً)، وما يهمني في هذا المختصر أن أشير إلى مجموعة نقاط سجلتها من خطابات مباشرة او من فحوى بعضها او حتى من السياق الذي تحدثت ضمنه، تتمثل في الآتي:
١. لقد كان التعبير عن معظم التحديات بلغة “الخائف العاجز”، فتلمست ذعراً واضحاً في طيات معظم الخطابات، وكان ذلك مختلطاً بنبرة عجز وضعف، سواء في ما يتعلق بالموقف من مظاهر السياسة الدولية الطاغية او الحروب والصراعات او حتى التكنولوجيا والبيئة.
٢. وجدت نفاقاً او مراوغة أو حذلقة في وصف الأسباب وتحديد المسؤوليات، وما عدا تسويق بعض المواقف التي أريد لها ان تظهر “بلون فاقع”، كان المعظم يحوم حول الأسباب، ويخشى من الاصطدام بها بشكل مباشر.
٣. ظهر واضح ان الكتلة الدولية بمختلف مشاربها، تشعر بحالة من الحصار والاختناق والشلل والعجز، بل وحتى الذل، من نهج سياسي عالمي، يختطف العالم بقوة، ويفرض قواعده بقوة، ويدمر جميع الترسيمات التقليدية، ويتعالى على كل الانظمة الضابطة، وتجلى ذلك في تكرار الحاجة لتوازن القوى وشراكة قيادة العالم، وترويض ادوات القوة الصلبة، والاتجاه الى الحوار.
٤. ان ما جرى الحديث به عن “الاجيال المتقدمة من الذكاء الاصطناعي“، لا يمثل مجرد أصوات امتعاض او قلق او تحذير، بل هناك خوف واقعي من حالة قهرية، تستفرد بالعالم، وتمهد بطريقة فجة ل “أمننة تطورات الذكاء الاصطناعي الخارج عن السيطرة”، والذي يعني أننا أمام إلزامات وقيود وفروض، سوف ترسمها ثنائية قهرية:” الرضوخ او تحمل الأعباء والكلف”.
٥. لا يزال وضع العجز، الناجم عن تراكم الخوف، جراء “التسلط السياسي المنفلت” يقف في طريق أي مقاربة لخطوة، يمكنها ان تتقدم الى الامام، خارج دائرة هذا الاختناق الجبروتي، ومعظم ما يطرح، هو أمنيات ضعيفة، أو توسلات مرتهنة.
٦. رغم ان القاعة من المفترض انها إنعكاس لخارطة هذا العالم مترامي الاطراف، ومتعدد القوى، ولكن الصورة المنتزعة، والصدى المسموع، يوحي بأننا اقرب الى مشهد بعض عروض الاسواق الموسمية لقرى وبلدات زراعية، تجتمع في موسم معين وتعرض منتوجاتها، في حالة من اللا انتظام وشعبوية العروض. لقد كان العالم هلامياً مثل “شبح باهت”، وهو يتمظهر في هذه القاعة الكبيرة بمقاعدها الزرقاء.
لا تعني هذه الملاحظات، ان خيار “الجمعية العامة”، لم يعد لازماً، ولا تريد تجريد هذه الفعالية من كل شيء، ولكنها قراءة، لا أغالي اذا قلت انها نسخة مخففة من ملايين النسخ التي يحملها افراد هذا العالم المترامي عن هذا التجمع.
وفي ختام هذه الشقشقة، يبقى السؤال الذي نحتاج الى محاولات لتقديم مقاربات حوله: “هل من سبيل ليتخطى عالمنا المأزوم محنته؟”، وإذا كان هذا ممكناً: ففي أي موضع ينبغي أن يبدأ هذا العمل؟ وهل تقود هذا التحرك الشعوب أم الحكومات؟


