السيادة بلا احتكار للقوة؟ إشكالية الأمن الوطني العراقي بين تحديات الداخل وضغوط الخارج

السيادة بلا احتكار للقوة؟ إشكالية الأمن الوطني العراقي بين تحديات الداخل وضغوط الخارج
تنبع الأزمة الأمنية العراقية من تفاعل تعدد مراكز القوة مع الاعتماد الخارجي، ما يضعف وحدة القرار الاستراتيجي. ويتطلب الحل توحيد منظومة الأمن القومي، وتنظيم الشراكات الخارجية، وبناء قدرة وطنية تجعل التعاون الدولي أداة قوة لا مصدراً للتأثير الداخلي...

كشفت الأزمة الأخيرة في العراق عن حقيقة أكثر تعقيدا من مجرد وجود تهديد أمني أو تصاعد في التوتر الإقليمي؛ فقد أعادت إلى الواجهة سؤالا جوهريا يتعلق بطبيعة الدولة العراقية ذاتها، فهل تكمن المشكلة الأساسية في تعدد مراكز القوة داخل النظام السياسي والأمني، أم في استمرار اعتماد العراق، بدرجات مختلفة، على أطراف خارجية في إدارة أمنه وحماية مصالحه الاستراتيجية؟، والإجابة الأكثر واقعية لا تبدو في اختيار أحد العاملين وإقصاء الآخر، بقدر ما تكمن في فهم العلاقة العضوية بينهما؛ إذ إن تعدد مراكز القوة الداخلية يفتح المجال أمام التأثير الخارجي، بينما يؤدي استمرار الاعتماد الخارجي بدوره إلى تعميق الانقسام الداخلي حول مفهوم الأمن الوطني ومصادره وأولوياته.

إن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بامتلاكها مؤسسات أمنية وعسكرية رسمية، وإنما بقدرتها على إنتاج قرار أمني موحد، وتحديد مصادر التهديد، وامتلاك أدوات التعامل معها وفق رؤية وطنية مستقلة، ومن هذه الزاوية، فإن المشكلة العراقية لا تتمثل بالضرورة في غياب مؤسسات الدولة، وإنما في صعوبة إنتاج مركز استراتيجي قادر على تنسيق مختلف مصادر القوة وتوجيهها ضمن تعريف واحد للمصلحة الوطنية.

وقد أظهرت الأزمات المتكررة أن العراق يملك قدرات عسكرية وأمنية كبيرة، لكنه يواجه تحديا مختلفا يتعلق بتوزيع القوة ومراكز صناعة القرار، فوجود مؤسسات رسمية متعددة الاختصاصات لا يعني بالضرورة وجود منظومة أمن قومي متكاملة، وقد تتداخل الاعتبارات السياسية والحزبية والمجتمعية والإقليمية في تحديد الأولويات الأمنية، الأمر الذي يجعل القرار الأمني في بعض اللحظات خاضعا لتوازنات تتجاوز الحساب الأمني البحت.

وهنا يظهر مفهوم تعدد مراكز القوة باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم الأزمة، والمقصود ليس فقط وجود قوى سياسية مختلفة، فهذا أمر طبيعي في أي نظام تعددي، وإنما عندما تتحول الاختلافات السياسية إلى اختلاف في مصادر القوة أو في تعريف التهديدات أو في قنوات التأثير على القرار الأمني، عندها تصبح الدولة أمام أكثر من مركز لتفسير البيئة الاستراتيجية، حتى وإن كانت المؤسسات الرسمية هي الإطار القانوني الوحيد لصنع القرار.

لكن اختزال المشكلة العراقية في هذا العامل وحده سيكون غير دقيق، فالعراق يقع في بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد، تحيط بها قوى إقليمية ودولية تملك مصالح مباشرة في أمنه واستقراره، كما أن موقعه الجغرافي، وثروته النفطية، وحدوده المتعددة، وعلاقاته مع الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج وتركيا، تجعل أمنه متأثرا بصورة مستمرة بالتفاعلات الإقليمية والدولية.

ومن هنا يظهر العامل الثاني: الاعتماد الأمني على الأطراف الخارجية، فالاعتماد الخارجي لا يعني بالضرورة وجود تبعية مباشرة، بل قد يظهر في صور متعددة، منها الاعتماد على التدريب والتسليح والمعلومات الاستخبارية والدعم التكنولوجي والخبرة العسكرية أو التعاون في مكافحة الإرهاب، وهذه العلاقات قد تكون ضرورية في مراحل معينة، لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول من شراكة مؤقتة أو وظيفية إلى عنصر دائم في بنية الأمن الوطني.

فالمشكلة إذن ليست في أن يتعاون العراق مع الخارج؛ فلا توجد دولة حديثة تعمل في عزلة أمنية كاملة، المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمن الوطني العراقي مرتبطا بدرجة كبيرة بقدرة طرف خارجي على توفير ما تحتاجه الدولة من قدرات أو معلومات أو حماية أو توازنات استراتيجية، عندها يصبح القرار الأمني الداخلي متأثرا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بحسابات القوى الخارجية.

والأكثر أهمية أن العاملين الداخلي والخارجي لا يعملان بصورة منفصلة، فتعدد مراكز القوة الداخلية قد يمنح الأطراف الخارجية فرصا أكبر لبناء علاقات وتأثيرات مع أطراف عراقية مختلفة، بينما يمكن للتنافس الخارجي نفسه أن يعزز الانقسامات الداخلية عندما تتحول القوى العراقية إلى ساحات مختلفة للتفاعل مع القوى الإقليمية والدولية.

وهذا يقود إلى نتيجة استراتيجية مهمة، فالأمن العراقي لا يعاني فقط من مشكلة نقص القوة، وإنما من مشكلة تنظيم القوة وتوحيد اتجاهها، فقد تملك الدولة موارد عسكرية وأمنية وبشرية كبيرة، لكنها لا تحقق كامل فعاليتها إذا لم تكن هذه الموارد مرتبطة بعقيدة أمن قومي واضحة، وبسلسلة قرار متماسكة، وبأولويات وطنية محددة.

فالأزمة الأخيرة، بهذا المعنى، لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها اختبارا لقدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع التهديدات، وإنما باعتبارها اختبارا لقدرة الدولة على إنتاج موقف استراتيجي موحد في بيئة إقليمية مضطربة، فالسؤال الأكثر أهمية ليس من يملك السلاح؟، وإنما من يحدد استخدام القوة؟، وليس فقط من يقدم الدعم للعراق؟، وإنما ما الحدود التي ينبغي أن يقف عندها هذا الدعم؟.

ومن هنا فإن معالجة المشكلة لا تبدأ بإلغاء العلاقات الخارجية، ولا بإقصاء القوى الداخلية، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين الدولة ومصادر القوة المختلفة، ويحتاج العراق إلى الانتقال من مفهوم إدارة التوازنات إلى مفهوم إدارة القوة الوطنية؛ أي أن يصبح التعاون مع الخارج جزءا من استراتيجية عراقية، لا أن تتحول الاستراتيجية العراقية إلى استجابة لمتطلبات التعاون الخارجي.

ويتطلب ذلك تعزيز مركزية القرار الأمني الاستراتيجي، وتطوير منظومة الأمن القومي بحيث تكون قادرة على دمج المعلومات والقدرات العسكرية والاستخبارية والاقتصادية والدبلوماسية، فضلا عن بناء تصور واضح للمصالح الوطنية العليا، كما يتطلب إعادة تعريف العلاقة مع القوى الدولية والإقليمية على أساس المصالح المتبادلة والندية، اذ يستطيع العراق التعاون مع الجميع من دون أن يتحول إلى طرف تابع لأي محور.

وفي الوقت نفسه، فإن معالجة تعدد مراكز القوة لا تعني بالضرورة إلغاء التنوع السياسي والاجتماعي، وإنما تعني منع تحول هذا التنوع إلى تعدد في مصادر القرار الأمني، فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدرا للقوة عندما يعمل داخل مؤسسات الدولة، لكنه يصبح مصدرا للهشاشة عندما يتحول إلى منافسة على القرار الأمني أو إلى قنوات مستقلة للتأثير في القضايا السيادية.

وعليه، فإن الأزمة الأخيرة أظهرت أن السؤال الحقيقي الذي يواجه العراق لايكمن في (هل المشكلة داخلية أم خارجية؟)، بل كيف يتفاعل العامل الداخلي مع العامل الخارجي في إنتاج البيئة الأمنية العراقية، فكلما كان القرار الداخلي أكثر تماسكا، أصبحت قدرة الأطراف الخارجية على التأثير أقل، وكلما ازدادت قدرة العراق على بناء مؤسسات أمنية فعالة وقرار استراتيجي موحد، أصبح التعاون الخارجي خيارا تديره الدولة بدلا من أن يتحول إلى حاجة تفرض نفسها عليها.

إن بناء الأمن الوطني العراقي في المرحلة المقبلة يتطلب الانتقال من أمن يعتمد على توازنات القوى إلى أمن ينتج التوازنات، وهذا يعني أن العراق لا يحتاج إلى الانكفاء عن محيطه، بل إلى امتلاك القدرة على التعامل مع محيطه من موقع الدولة التي تحدد احتياجاتها الأمنية بنفسها، كما لا يحتاج إلى إنهاء التعاون مع القوى الدولية والإقليمية، بل إلى إعادة تنظيم هذا التعاون بحيث يخدم بناء القدرة الوطنية ولا يحل محلها.

وفي النهاية، تبدو الأزمة الأخيرة بمثابة مرآة كشفت مشكلتين متداخلتين، تعدد مراكز القوة داخل البيئة العراقية، واستمرار الحاجة إلى قدرات وعلاقات أمنية خارجية، لكن جوهر المشكلة يكمن في العلاقة بين الاثنين، فالدولة التي تنجح في توحيد قرارها الداخلي تستطيع تحويل العلاقات الخارجية إلى أدوات قوة، بينما الدولة التي تعاني من تشتت القرار قد تجد نفسها أكثر عرضة لتحويل العلاقات الخارجية إلى مصادر تأثير داخلية.

لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام العراق ليس البحث عن طرف داخلي أو خارجي لتحميله مسؤولية الأزمة، وإنما بناء مركز وطني لصناعة القرار الاستراتيجي يملك القدرة على توحيد تعريف التهديد، وتنظيم مصادر القوة، وإدارة الشراكات الخارجية، وتحويل الموقع الجغرافي والسياسي للعراق من عامل ضغط إلى مصدر قوة، وعندها فقط يمكن الانتقال من دولة تتعامل مع الأزمات الأمنية عند وقوعها إلى دولة تملك القدرة على هندسة بيئتها الأمنية قبل أن تفرض الأزمات شروطها عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قمم تعانق الوهم

25 أكتوبر، 2026