العقل المفخخ: من الاستعارة إلى المفهوم

العقل المفخخ من الاستعارة إلى المفهوم
يسعى مفهوم «العقل المفخخ» إلى تفسير تحوّل القناعات الثقافية والحدسية إلى مسلّمات غير قابلة للمراجعة، تُسخّر التفكير لتبريرها وإعادة إنتاجها. ويقترح إطارًا تحليليًا لرصد هذه الآليات في الخطاب، دون اختزالها في هوية أو أيديولوجيا بعينها...

استعنتُ في تأطير اشتغالي على “العقل المفخخ”، وتحويله من مجرد استعارة لغوية إلى مفهوم قابل للبحث والتحليل، بمقاربتين علميتين تنتميان إلى حقلين معرفيين متكاملين من حيث ما تكشفانه عن اشتغال الإنسان: أولاهما من علم النفس الاجتماعي، وبخاصة علم النفس الأخلاقي عند جوناثان هايت، وثانيتهما من الأنثروبولوجيا التأويلية عند كليفورد غيرتز. ولم يكن المقصود من استدعاء هذين المرجعين إسناد مفهوم “العقل المفخخ” إلى أحدهما، أو إعادة تسمية ما قالاه بلغة جديدة، وإنما الاستفادة من المنطقتين اللتين يفتحان إمكان النظر إليهما، ثم الانتقال منهما إلى بناء مفهوم يحاول الإمساك بمشكلة أوسع: كيف تتشكل القناعات قبل أن تدخل مجال التفكير الواعي، وكيف تتحول، بعد ذلك، إلى بداهات تبدو لصاحبها حقائق طبيعية أو ضرورات عقلية أو مقتضيات أخلاقية؟
تبدأ أهمية هايت من زحزحة التصور التقليدي الذي يفترض أن الإنسان يحكم أولًا بالعقل، ثم يشعر أو ينفعل بناءً على ما انتهى إليه التفكير. ففي كتابه “العقل القويم” (The Righteous Mind) يبين، ضمن نموذجه الحدسي الاجتماعي للأحكام الأخلاقية، أن الحكم الأخلاقي غالبًا ما يبدأ بحدس سريع وتلقائي ومشحون انفعاليا، ثم يأتي التفكير الواعي في كثير من الحالات لاحقا ليبحث عن المبررات والحجج التي تمنح ذلك الحكم شرعيته العقلية أو الأخلاقية. فالعقل، في هذه العملية، لا يعمل دائمًا بوصفه قاضيا محايدا يبحث من الصفر عن الحقيقة، بل قد يعمل بوصفه محاميا بارعا عن حكم سبق أن صدر حدسيا. ولهذا فإننا، في كثير من المواقف الأخلاقية والسياسية والدينية، لا نغضب لأننا فكرنا ثم وجدنا الآخر مخطئا، بل قد نفكر لأننا وجدنا الآخر مخطئا، ثم يأتي الغضب والتبرير دفاعا عن ذلك الحكم.
ولا يعني هذا أن التفكير الواعي عديم الأثر أو أن العقل عاجز عن مراجعة أحكامه؛ وإنما تكمن أهمية هايت في كشف أولوية الحدس في عدد كبير من الأحكام الأخلاقية، وفي لفت الانتباه إلى أن التبرير العقلي قد يأتي بعد الحكم لا قبله. وهذه النقطة ضرورية لفهم “العقل المفخخ”، لأن ما نسميه أحيانا “بداهة” أو “مسلّمة” قد لا يكون نتيجة استدلال عقلي سابق، بل استقرارا حدسيا وأخلاقيا وهوياتيا تشكل عبر التجربة والتنشئة والتكرار، ثم أُعيد تأطيره لاحقًا في صورة رأي عقلاني أو نص أو تقليد أو موقف يبدو لصاحبه بديهيا. وعندما تمسّ المساءلة هذه البداهة، لا يبدأ العقل بالضرورة في فحص السؤال، بل قد تستنفر منظومة الاستجابة الحدسية والدفاعية قبل أن يبدأ الفحص نفسه.
أما كليفورد غيرتز، فينقلنا إلى مستوى آخر من التحليل؛ إذ لا يتعامل مع الإنسان بوصفه كائنا يستجيب للمثيرات النفسية أو البيولوجية بصورة مباشرة، وإنما بوصفه كائنا يعيش داخل شبكات من المعنى. فالتجربة الإنسانية لا تكتمل عند حدود الاستعدادات البيولوجية والنفسية، ولا عند البيئة الاجتماعية وحدها، وإنما تتحول داخل الثقافة إلى معنى وتأويل وتصنيف للعالم. اللغة والأسرة والطقوس وأنماط التواصل والسلطة الرمزية ومعايير القبول والرفض ليست مجرد عناصر تحيط بالعقل من الخارج، بل تدخل في تشكيل الطريقة التي يفهم بها الإنسان نفسه والآخر والعالم.
ومن هنا، فإن ما يبدو لنا تفكيرا خالصا ومحايدا قد يكون قد تشكل داخل منظومة رمزية سبقت لحظة التفكير الواعي. فنحن لا ندخل إلى العالم بعقل فارغ ثم نمنحه المعنى من الصفر، وإنما نراه من خلال شبكات من الرموز والدلالات التي تجعل بعض الأشياء تبدو طبيعية وأخرى غريبة، وبعضها مقبولًا وأخرى مرفوضا، وبعضها مقدسا وأخرى مدنسا، وبعض الأحكام معقولة وأخرى غير معقولة. ولا يعني هذا أن الثقافة تسجن الإنسان داخل حتمية مطلقة، وإنما يعني أن عملية الفهم نفسها تحدث داخل أفق من المعاني التي لا نكون واعين دائمًا بشروط تشكلها.
وهنا يلتقي هايت وغيرتز، ولكن من زاويتين مختلفتين: يساعدنا هايت على رؤية أن الحكم، ولا سيما الأخلاقي، قد يبدأ من الحدس والانفعال قبل أن يصل إلى التبرير الواعي؛ وغيرتز يساعدنا على فهم أن هذا الحدس نفسه لا يتكون في فراغ، وإنما يتشكل داخل عالم اجتماعي وثقافي ورمزي يمنح الإنسان الأطر التي يرى من خلالها الواقع ويفسره. وإذا كان هايت يكشف لنا ما يمكن تسميته “أسبقية الحدس على التبرير”، فإن غيرتز يكشف لنا “شبكات المعنى” التي يتشكل داخلها هذا الحدس. ومن الجمع بين المستويين تبدأ المنطقة التي يتحرك فيها مفهوم “العقل المفخخ”.
فـ”العقل المفخخ” لا يعني عقلا عاجزا عن التفكير، ولا عقلا يفتقر إلى المعلومات أو إلى القدرة على إنتاج الحجج. على العكس، قد يكون شديد الذكاء، واسع المعرفة، وقادرا على بناء استدلالات معقدة. غير أن خطورته تكمن في أن التفكير يجري من داخل مقدمات لم تخضع هي نفسها للفحص؛ فتتحول القناعة السابقة إلى نقطة انطلاق غير مرئية، ثم تستخدم القدرات العقلية اللاحقة في الدفاع عنها وتبريرها وإعادة إنتاجها.

ولذلك قد يبدو العقل المفخخ عقلا عقلانيا من الخارج، بينما تكون بنيته العميقة محكومة بيقينيات أخلاقية أو هوياتية أو ثقافية غير مفككة. وهذه إحدى النقاط التي يتقدم فيها المفهوم على مجرد وصف الإنسان بأنه “غير عقلاني”: فالمشكلة ليست في غياب العقل، وإنما في أن العقل قد يعمل بكفاءة داخل منظومة مقدمات لم يتم فحصها.
ومن هنا جاء مفهوم “العقل المفخخ” بوصفه محاولة تنظيرية من الداخل؛ أي محاولة لا تدّعي القطيعة مع المنجز المعرفي العالمي، لكنها ترفض الاكتفاء باستهلاك مفاهيمه أو إسقاطها على الواقع العربي دون إعادة بناء. فالمفهوم يحاول القبض على منطقة محددة من اشتغال الوعي: المنطقة التي لا تعمل فيها الأفكار بوصفها نتائج تفكير حر ومفتوح، وإنما بوصفها يقينيات مسبقة، وبداهات أخلاقية، ودوغمائيات مقنّعة، تتولى إنتاج الأحكام ثم تستدعي العقل لاحقا لتبريرها.
وتزداد أهمية هذا البناء في السياق العربي المعاصر؛ لأن “العقل المفخخ” لا يُفهم هنا بوصفه مجرد عقل تقليدي أسير موروث ديني أو تاريخي، ولا بوصفه ظاهرة تخص العامة وحدهم. إن العقل العربي المعاصر يعيش عند تقاطع مرجعيات متباينة: موروث ديني وتاريخي، وحداثة وافدة، وعولمة ثقافية، ونماذج معرفية وتقنية حديثة نشأت في سياقات تاريخية مختلفة. ومن ثم فإن “التفخيخ” يمكن أن يتخذ أشكالًا متعددة، وقد يظهر داخل الخطاب الديني كما يمكن أن يظهر داخل الخطاب السياسي أو الثقافي أو العلمي أو الحداثي نفسه. فالكتاب يتعمد هنا توسيع مجال المفهوم بحيث لا يصبح “التفخيخ” مرادفًا للتدين أو الطائفية أو التقليدية.
ولهذا جاءت الدلالة اللغوية جزءا من البناء المفاهيمي لا مجرد زينة بلاغية. فـ”الفخ” هو المصيدة التي تُنصب بحيث تقع فيها الضحية دون أن تدركها، أما “التفخيخ” في الاستعمال الحديث فيحيل إلى إعداد شيء بمواد متفجرة تجعله قابلًا للانفجار عند أول تماس. ومن هنا يستفيد المفهوم من وحدة المعنى بين اللغة والاستعارة: كما قد يبدو المكان المفخخ عاديا في ظاهره، بينما يحمل في داخله عناصر انفجاره، كذلك يمكن للعقل المفخخ أن يبدو سويا في لغته ومنطقه وقدرته على الاستدلال، بينما تكون بنيته العميقة محمّلة بمواد -رمزية- قابلة للانفجار عند أول احتكاك بالاختلاف أو النقد أو الواقع المتغير.
وعلى المستوى الاصطلاحي، أقصد بـ”العقل المفخخ” ذلك النمط من الوعي الذي يتشكل عند التقاء شبكات المعنى الثقافية والاجتماعية بالاستجابات الحدسية السريعة، بحيث تُدمج القناعات الموروثة أو المكتسبة في البنية النفسية للفرد بوصفها بداهات عقلية، أو مسلمات أخلاقية، أو سرديات تاريخية، أو شعارات حداثية، لا تُقدَّم على أنها معتقدات قابلة للفحص، بل على أنها حقائق طبيعية أو ضرورات عقلية أو مقتضيات أخلاقية. وقد تكون هذه القناعات دينية أو أسطورية أو طائفية، لكنها قد تكون كذلك دنيوية وأيديولوجية: قومية متصلبة، أو شيوعية مؤدلجة، أو ليبرالية دوغمائية، أو خطابا تنمويا تبسيطيا، أو أي خطاب يقدم تفسيرا مكتملا للعالم ويعفي نفسه من النقد.
وبذلك لا يتحدد “العقل المفخخ” بمحتوى الفكرة التي يؤمن بها الإنسان، وإنما بطريقة عمل هذه الفكرة داخله. فقد تكون الفكرة دينية أو سياسية أو ثقافية أو حتى علمية، لكن اللحظة الحاسمة تبدأ عندما تتحول من فكرة قابلة للفحص والمراجعة إلى معيار يُقاس به الآخرون، أو إلى سلاح رمزي يُشهر في وجه المختلف. عندها لا يعود الاختلاف فرصة للفهم، ولا يصبح النقد اختبارا للحجة، بل يتحول إلى تهديد للهوية والانتماء، ويصبح الحوار معركة لإثبات الولاء بدل أن يكون بحثا مشتركا عن المعنى أو الحقيقة.
ومن أجل ألا يتحول المفهوم نفسه إلى أداة تصنيف أو إدانة، وضع الكتاب له ضوابط إجرائية مهمة: ليس كل إيمان قوي أو دفاع حماسي عن فكرة دليلا على “عقل مفخخ”. فالمعيار هو قابلية الفكرة للمساءلة والمراجعة. فالسؤال الحاسم ليس: “بماذا يؤمن الإنسان؟”، وإنما: “كيف تعمل هذه القناعة داخل وعيه؟ وهل يستطيع أن يضعها هي نفسها موضع السؤال؟”. وبذلك ينتقل التحليل من الحكم على الأشخاص إلى تحليل آليات اشتغال الأفكار داخل الوعي والخطاب.
وهنا تظهر القيمة الإجرائية للمفهوم. فـ”العقل المفخخ” بوصفه ظاهرة هو نمط من إنتاج المعنى والوعي، أما “مفهوم العقل المفخخ” فهو الأداة التحليلية التي تسمح للباحث بالكشف عن هذه الظاهرة داخل الخطاب. ووحدة التحليل ليست الشخص في ذاته، وإنما الخطاب كما يظهر في النصوص والممارسات الرمزية المتداولة في المجال العام. ولا يُحكم بوجود “التفخيخ” استنادا إلى موقف عابر أو رد فعل ظرفي، وإنما عندما تتكرر مجموعة من المؤشرات وتتداخل داخل السياق نفسه.

ومن أبرز هذه المؤشرات: تعطيل البرهنة والاحتكام إلى البداهة بدل الحجة القابلة للفحص؛ مقاومة المراجعة بتحويل النقد إلى انحراف أو سوء نية؛ إعادة ترتيب المعرفة بحيث تُنتقى الوقائع والتفسيرات التي تخدم القناعة المسبقة؛ الانتقال من الاعتقاد الشخصي إلى إلزام الآخرين به معيارا للحكم؛ وأخيرا التمويه العقلاني، حين تُغلّف الدوغمائية بلغة العقل أو العلم أو الأخلاق أو الحداثة.
وتتضح خطورة الظاهرة حين لا تبقى القناعة داخل الوعي الفردي، بل تتحول إلى فاعل رمزي في المجال العام؛ فتنتج خطابا يبرر الإقصاء، ويمنح الهيمنة شرعيتها، وقد يهيئ شروط العنف الرمزي أو المادي، بينما يظل الخطاب غير واعٍ ببنيته الدوغمائية أو رافضا للاعتراف بها. وهنا تحديدا يصبح المفهوم ذا أهمية اجتماعية؛ لأنه لا يكتفي بالسؤال عما يقوله الخطاب على سطحه، وإنما يبحث عما يعمل في عمقه، وعن الشروط التي تجعل خطابا ما قادرا على إعادة إنتاج يقينياته واستمرارها.
ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن الدفاع عن أصالة المفهوم وإمكان إدخاله في البحث الأكاديمي، لا على أساس أنه يكرر هايت أو غيرتز، بل على أساس أنه يبني بينهما وبين مشكلة الخطاب والوعي نموذجا تحليليا خاصا. فهايت يفسر لنا أسبقية الحدس الأخلاقي والتبرير اللاحق، وغيرتز يفسر لنا تشكل الإنسان داخل شبكات المعنى؛ أما “العقل المفخخ” فيقترح النظر إلى اللحظة التي تتصل فيها هذه المستويات بعضها ببعض، فتتحول المعاني الثقافية إلى استجابات حدسية، وتتحول الاستجابات إلى يقينيات، وتتحول اليقينيات إلى مقدمات غير مفحوصة، ثم يتولى العقل والخطاب تبريرها وإعادة إنتاجها، قبل أن تعود مرة أخرى إلى البيئة الاجتماعية والثقافية لتُكتسب من جديد لدى آخرين. وهذه الحركة الدائرية بين المعنى والحدس والقناعة والتبرير وإعادة الإنتاج هي ما يمنح المفهوم مجاله النظري الخاص.
وبهذا المعنى، لا يقدم الكتاب “العقل المفخخ” بوصفه وصفا أدبيا لعقل مضطرب، ولا بوصفه حكما أخلاقيا على فئة اجتماعية، وإنما يسعى إلى تحويله إلى مفهوم تحليلي ذي قابلية إجرائية: يمكن تعريفه، وتحديد شروط تشكله، ورصد مؤشراته، وتحديد وحدة تحليله، وتمييزه من المواقف القوية أو الانفعالات العابرة، ثم استخدامه في تحليل النصوص والخطابات والممارسات الرمزية. وهذه القابلية للانتقال من الاستعارة إلى التعريف، ومن التعريف إلى المؤشرات، ومن المؤشرات إلى وحدة التحليل، هي بالضبط ما يجعل المفهوم قابلا لأن يدخل مجال البحث في العلوم الاجتماعية، شريطة أن يُستكمل لاحقا باختبارات تطبيقية ودراسات حالة تثبت قدرته التفسيرية في ميادين مختلفة.
ومن هنا، فإن جدة “العقل المفخخ” لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها ادعاء اكتشاف أن البشر قد يتأثرون بالثقافة أو الحدس أو الدوغمائية؛ فهذه قضايا لها جذور راسخة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. وإنما تكمن الجدة التي يقترحها هذا المشروع في طريقة تركيب هذه العناصر داخل مفهوم واحد، وفي نقلها من مستوى الوصف المتفرق إلى نموذج يمكن به تحليل كيفية تحول القناعات غير المفحوصة إلى بنى ذهنية تعمل داخل الخطاب، ثم تتخفى في لغة العقل والعلم والأخلاق والحداثة، وتعيد إنتاج نفسها اجتماعيًا. وهنا يصبح “العقل المفخخ” مقترحا مفاهيميا قابلا للحوار والنقد والاختبار، لا مجرد استعارة جذابة.
والغاية النهائية من هذا المفهوم ليست أن نمتلك أداة جديدة لوصف “الآخرين” بأنهم مفخخون، وإنما أن نمتلك قدرة أعلى على فحص الطريقة التي تتكون بها أحكامنا نحن أيضا. فالمعالجة الجادة للظاهرة لا تستهدف الوعي الفردي وحده، وإنما البيئات والشروط التي تنتجه: على المستوى النفسي، عبر الوعي بالاستجابة الحدسية والانفعال والانحياز التأكيدي؛ وعلى المستوى الاجتماعي، عبر تفكيك شبكات الشرعية والوصاية الرمزية؛ وعلى المستوى المعرفي، عبر إعادة الاعتبار للمنهج وتحليل المصادر والسياقات والتمييز بين الوصف والتفسير وبين المعطى والحكم؛ وعلى المستوى الثقافي، عبر تفكيك السرديات الكبرى التي تمنح بعض القناعات طابع الحقيقة النهائية.
وهكذا يصبح “العقل المفخخ” في جوهر المشروع سؤالا عن كيفية وصول الإنسان إلى يقينه قبل أن يسأل عن كيفية دفاعه عنه: من أين جاءت البداهة؟ كيف تشكلت؟ ما الذي جعلها تبدو طبيعية؟ ما الذي سبق الحكم العقلي؟ وكيف يتحول العقل، الذي يفترض أن يكون أداة للفحص، إلى جهاز لإعادة إنتاج ما لم يفحصه أصلا؟ إن نقل السؤال من “ماذا يعتقد الإنسان؟” إلى “كيف تشكلت قناعته، وكيف تعمل داخله، وكيف يعيد إنتاجها في المجال العام؟” هو، في تقديري، المدخل الذي يمنح مفهوم “العقل المفخخ” قيمته بوصفه مشروعا مفاهيميا يمكن أن يفتح مجالا لبحوث لاحقة في علم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، والأنثروبولوجيا، ودراسات الخطاب، والعلوم السياسية، ودراسة الثقافة والمعرفة.

فالرهان في النهاية ليس صناعة مفهوم لإدانة العقل، بل صناعة مفهوم يساعد العقل على أن يرى الشروط التي صنعت يقينياته. والعقل الذي يستطيع أن يسأل نفسه عن قناعاته، حتى وهو متمسك بها، يصبح أقل قابلية للتفخيخ وأكثر قدرة على احتمال الاختلاف والتعقيد. ولهذا فإن النجاح الحقيقي للمفهوم لا يكون في عدد الأشخاص الذين نصفهم بـ” المفخخين”، وإنما في عدد الأسئلة التي يستطيع أن يوقظها داخل الوعي؛ لأن السؤال، في عالم سريع الأحكام، قد يكون أحد آخر أشكال الحرية التي يستطيع العقل أن يستعيدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *