لم يكن سؤال «العقل العربي» جديدًا على الفكر العربي المعاصر، فقد حاول عدد من المفكرين تفسير طبيعة هذا العقل، والعوامل التي أسهمت في تشكيله، والسبب الذي يجعل بعض أنماط التفكير والقيم قادرة على الاستمرار رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها المجتمعات العربية. ومن بين هذه المحاولات برزت تفسيرات تربط بعض خصائص الوعي العربي بأثر البداوة، وأخرى تنظر إليه بوصفه ساحة صراع بين قيم متعارضة. غير أن هذه التفسيرات، على أهميتها، تظل بحاجة إلى سؤال آخر: ماذا حدث لهذه القيم حين انتقلت المجتمعات العربية من بيئاتها القديمة إلى واقع مختلف تمامًا؟
في هذا السياق، تحدث المفكر السوداني النور حمد عن «العقل الرعوي»، وعرّفه بأنه «منظومة قيمية ارتبطت بنشاط اقتصادي بعينه، وأسلوب حياة بعينه». وهو لا يستخدم المصطلح للإساءة إلى قبيلة أو جماعة بعينها، وإنما للدلالة على منظومة من القيم نشأت في ظل نمط من الحياة ارتبط بالرعي والبداوة، ثم أمكن أن تنتقل بعض عناصرها إلى مجتمعات تغيرت ظروفها الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك يرى أن أثر المد البدوي لا يقتصر على السودان، بل يمكن ملاحظته في عدد من المجتمعات العربية التي لم يؤدِّ انتقالها إلى الحياة الحضرية الحديثة إلى اختفاء جميع القيم التي حملتها معها من الماضي.
وهذه الفكرة تذكّرنا بما ذهب إليه الدكتور علي الوردي في حديثه عن «ازدواج الشخصية». فقد رأى الوردي أن الشخصية العراقية، على وجه الخصوص، عاشت تحت تأثير قيمتين متعارضتين: قيم البداوة التي لم تبتعد كثيرًا عن المجتمع، وقيم الحضارة الحديثة التي جاءت مع التحولات الحديثة والاحتكاك بالغرب. وقد وجد الوردي جذور هذا التفسير في التصور الخلدوني للعلاقة بين البداوة والحضارة، حيث لا تكون أنماط العمران مجرد أشكال للعيش، وإنما تؤثر كذلك في القيم والعلاقات ونظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين.
لكن اختزال المسألة في البداوة يفتح بابًا لسؤال لا يمكن تجاهله. فإذا كانت الصراعات القبلية والطائفية والقومية نتيجة مباشرة لقرب بعض المجتمعات من البيئة البدوية، فكيف نفسر ظهورها في مجتمعات لا تنطبق عليها هذه الشروط بالدرجة نفسها؟
وهذا هو السؤال الذي طرحه سليم علي الوردي حين ناقش منهج علي الوردي، متسائلًا: إذا كان الصراع بين قيم البداوة والحضارة في العراق مرتبطًا بموقعه الجغرافي، فما تفسير الصراع القبلي والطائفي والقومي في بلد مثل لبنان، وهو بلد غير متاخم للصحراء التي يمكن أن تمده بموجات بدوية؟
أهمية هذا السؤال أنه لا ينفي أثر البداوة، وإنما يمنعنا من تحويلها إلى تفسير شامل. فالقيم التي تنشأ في بيئة معينة قد تغادر بيئتها وتستمر في الوجود من خلال التربية والعائلة واللغة والرموز والهوية والذاكرة الاجتماعية. وقد يحمل الإنسان قيمًا لم يعد يعرف الظروف التي أنتجتها أصلًا. ومن هنا يصبح فهم العقلية أكثر تعقيدًا من البحث عن أصل واحد لها.
ويشير علي أسعد وطفه إلى هذا التعقيد حين يصف «العقلية» بأنها تكوينات واعية وغير واعية، وشعورية وغير شعورية، تؤثر في السلوك الإنساني وفي الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى العالم. فهي ليست فكرة واحدة يمكن تحديدها، وإنما شبكة من المشاعر والأفكار والتصورات والقيم التي تتفاعل فيما بينها وتدفع الإنسان إلى النظر إلى الأشياء واتخاذ المواقف منها بطريقة معينة.
لكن ثمة تحولًا آخر ينبغي أخذه في الحسبان. فالعقل العربي الذي دخل القرن الحادي والعشرين ليس هو العقل الذي كان يعيش في البيئة الاجتماعية نفسها التي تحدث عنها ابن خلدون، ولا هو بالضرورة العقل الذي وصفه علي الوردي في العراق خلال القرن العشرين. لقد تشكل هذا العقل في ظل التعليم الحديث، والإعلام، والدولة الوطنية، والصراعات السياسية، والانقسامات الاجتماعية، وثورات الاتصال، وتعثر التنمية، وتراكم الأزمات التي عرفتها المنطقة العربية. ولذلك فإن تفسيره بمفاهيم نشأت أساسًا لتفسير ظواهر تاريخية سابقة قد لا يكون كافيًا.
من هنا جاء مفهوم «العقل المفخخ».
والتعبير في أصله اللغوي يستمد دلالته من «الفخ»، أي ما يُنصب للقبض على الشيء دون أن يكون ظاهرًا بالضرورة، ومن «التفخيخ» الذي يجعل الشيء ساكنًا في ظاهره، لكنه يحمل إمكانية الانفجار عند تعرضه لمثير معين. واستُعير هذا المعنى لوصف العقل الذي قد يبدو في حياته اليومية طبيعيًا ومتزنًا، لكن بعض قناعاته تكون قد تحولت إلى مناطق شديدة الحساسية، لا تحتمل النقد أو المراجعة، فتصلّبت.
أما في استعماله الاصطلاحي والإجرائي، بوصفه مفهومًا علميًا، فقد جرى تأطيره نظريًا في كتاب «العقل المفخخ». وهو لا يعني العقل البدوي، ولا العقل المتخلف، ولا العقل المتدين، ولا العقل المتطرف. إنه توصيف لذلك النمط من الوعي الذي تتشكل فيه القناعات عند التقاء المعاني الاجتماعية والثقافية بالاستجابات الحدسية السريعة، ثم تتحول بعض هذه القناعات إلى بداهات ومسلمات، فلا يعود صاحبها يتعامل معها بوصفها أفكارًا قابلة للفحص، وإنما بوصفها حقائق أو ضرورات أو مقتضيات لا تحتاج إلى مراجعة.
وهنا تحديدًا يختلف «العقل المفخخ» عن «العقل الرعوي» و«ازدواج الشخصية». فالعقل الرعوي يرتبط في تفسيره بمنظومة قيم نشأت في سياق اجتماعي واقتصادي معين، وازدواج الشخصية يصف التوتر بين منظومتين من القيم، أما العقل المفخخ فيتجه إلى شيء آخر: إلى الطريقة التي تتحول بها القناعة إلى يقين محصن من النقد.
ولهذا لا يشترط «العقل المفخخ» أن تكون القناعة دينية أو قبلية أو طائفية أو قومية أو تراثية. فقد تكون القناعة مستمدة من التراث، وقد تكون حديثة، بل قد ترتدي في ظاهرها لباس العقلانية والحداثة. ليس المهم مصدر القناعة وحده، وإنما ما يحدث لها داخل الوعي: هل تظل فكرة قابلة للنقاش، أم تتحول إلى بداهة لا يجوز الاقتراب منها؟
ومن هنا فإن «العقل المفخخ» لا يريد أن يقدم تفسيرًا آخر للعقل العربي يقوم على إدانة الماضي أو تمجيد الحاضر، وإنما يحاول أن يلتفت إلى طبقة أكثر خفاءً في تشكيل الوعي: كيف تصبح بعض الأفكار جزءًا من هوية الإنسان إلى الحد الذي يجعل نقدها يبدو وكأنه نقد لشخصه أو لجماعته أو لتاريخه؟
ربما لا تكمن مشكلة العقل العربي في أنه يحمل أفكارًا قديمة فحسب؛ فكل مجتمع يحمل شيئًا من ماضيه. تبدأ المشكلة حين تتحول الأفكار إلى بداهات، والبداهات إلى يقين مغلق، واليقين المغلق إلى حصن يمنع صاحبه من رؤية ما يخالفه.
عندها لا يعود الخطر في الفكرة وحدها، وإنما في الطريقة التي نحمي بها الفكرة من السؤال. وهذا هو المعنى الأعمق لـ«العقل المفخخ»: عقل لا يخشى الخطأ بقدر ما يخشى المراجعة، ولا ينزعج من الجهل بقدر ما ينزعج من السؤال. إن تفكيك هذا العقل لا يبدأ بإجباره على التخلي عن قناعاته، وإنما بمنحه القدرة التي فقدها؛ أي أن ينظر إلى ما يعتقده من الخارج، وأن يسأل نفسه، قبل أن يسأل الآخرين: هل ما أراه بديهيًا حقيقة فعلًا، أم أنني تعلمت فقط ألا أراه موضعًا للسؤال؟
المصادر:
العقل المفخخ: الوعي الملغم بالدوغمائيات المقنّعة وخطره الكامن في الخطاب العربي المعاصر.
النور حمد، «التغيير وقيد العقل الرعوي»، Internet Archive، نُشر في 21 آذار 2017، الساعة 13:47:50، واستُخرج في 1 نيسان 2024، ص. 14، على الرابط الإلكتروني: https://archive.org/details/d2007me_gmail_20170321_1345
سليم علي الوردي، «علم الاجتماع بين الموضوعية والوضعية: مناقشة لمنهج الدكتور علي الوردي في دراسة المجتمع العراقي»، مطبعة علاء، بغداد، 1978، ص. 43.
علي أسعد وطفه، «أنثروبولوجيا العقلية التقليدية»، مقال منشور على موقع شبكة النبأ الإلكتروني في 7 آذار 2024، واستُخرج في 17 آذار 2024


