خصوصية المفردة القرآنية (90)
تمهيد: المقالة الأولى من ثلاث مقالات
عندما يتلو المؤمن القرآن الكريم، فيمرّ على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33]، يمضي في تلاوته من غير أن يتوقف طويلًا عند هذه المفردة: ﴿تَفْسِيرًا﴾. لكن المتأمل في خصوصية الألفاظ القرآنية يجد أن هذه المفردة تستحق وقفة خاصة؛ فهي لم ترد في القرآن بهذا اللفظ إلا في هذا الموضع، وجاءت في سياق لافت، إذ يورد الخصوم الأمثال والشبهات، فيواجهها الوحي بالحق ثم بأحسن تفسير.
فما التفسير الذي يقصده القرآن هنا؟ وهل دعا القرآن إلى تفسير القرآن؟ وإذا كان قد دعا إلى فهمه وبيانه، فما الألفاظ التي اختارها لذلك؟ وهل «التفسير» هو المصطلح الوحيد الذي يعبّر عن هذه العملية، أم أن القرآن أقام منظومة أوسع تضم البيان والتبيين والتفصيل والتدبر والتفكر والتذكر والتأويل؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى محاولة اكتشاف منهج القرآن في تفسير القرآن، والوقوف على طبيعة المفردات التي اعتمدها في بناء منهجه الخاص لفهم الوحي والتفاعل معه.
أولًا: «تفسير» مفردة قرآنية فريدة
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. جاءت كلمة «تفسير» مصدرًا، وهي من مادة تدور في أصلها اللغوي حول الكشف والإبانة والإيضاح. والسياق القرآني يؤكد هذا المعنى؛ فالمشركون كانوا يوردون أمثالًا واعتراضات يريدون بها التشكيك والطعن، فيأتي الجواب الإلهي جامعًا بين الحق وأحسن البيان والتفصيل، بما يكشف حقيقة ما يثيرونه ويبيّن وجه الصواب فيه.
وقد فسّر الطبري قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ بما يرجع إلى معنى البيان والتفصيل، ونُقل عن ابن عباس تفسيره بـ«أحسن تفصيلًا»، وعن مجاهد بـ«بيانًا». وهذه الملاحظة الأولى التي تستحق التسجيل: التفسير في الاستعمال القرآني ليس مجرد إبداء رأي في النص، وإنما هو كشف وبيان وتفصيل للحق. ومن هنا لا يصح أن ننقل المصطلح التفسيري الذي استقر في علوم القرآن في القرون اللاحقة، ثم نفترض أن كل استعمال لكلمة «التفسير» في التراث يطابق بالضرورة دلالتها القرآنية.
ثانيًا: لماذا لم يكثر القرآن من لفظ «التفسير»؟
هنا تبدأ خصوصية المفردة؛ فإذا كان القرآن يريد من الناس أن يفهموا كتاب الله، فلماذا لم يكرر لفظ «التفسير»؟ والجواب الذي يكشفه الاستقراء أن القرآن لم يهمل مفهوم التفسير، وإنما وزّع وظائفه ومقوماته على مجموعة من المفردات القرآنية الدقيقة، ومن أبرزها: البيان، والتبيين، والتفصيل، والتدبر، والتفكر، والتذكر، والتأويل.
وكأن القرآن لا يحصر عملية التعامل مع كتاب الله في نشاط واحد اسمه «التفسير»، بل يبني للإنسان منهجًا متكاملًا لفهم الوحي والتفاعل معه. وهنا تظهر روعة التعبير القرآني؛ فـ«التفسير» مفردة واحدة، أما المنهج القرآني لفهم الكتاب فشبكة واسعة من المفاهيم، تتكامل وظائفها لتفتح أمام الإنسان آفاقًا متعددة في فهم النص القرآني، وإدراك دلالاته، والتأمل في هداياته ومقاصده.
ثالثًا: البيان… وظيفة مرتبطة بالرسول ﷺ وآله
يقول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. وهذه الآية من أهم مفاتيح بحثنا؛ فالقرآن لم يقل: «لتفسّر للناس»، وإنما قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، فقد جعل البيان وظيفة للنبي ﷺ وآله، بما يتضمنه من إيضاح الوحي وشرح ما يحتاج إلى بيان من معانيه ودلالاته.
وقد فهم القرطبي وابن كثير وغيرهما من الآية أن الرسول ﷺ وآله يبيّن للناس ما أُنزل إليهم، ويفصّل لهم ما أُجمل، ويوضح ما أشكل من الوحي. واللافت أن الآية لم تقف عند وظيفة الرسول، بل ختمت بقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وهو ما يسمح برسم تسلسل قرآني بالغ الدلالة: الوحي، ثم البيان النبوي، ثم التفكر البشري؛ فالرسول ﷺ وآله يبيّن، والإنسان يتفكر، لتتكامل وظيفة البيان مع مسؤولية التدبر وإعمال العقل.
وهذا يفتح بابًا مهمًا سيصبح موضوع الحلقة الثانية: ما حدود البيان النبوي؟ وما الذي ورد عنه ﷺ وآله في تفسير القرآن وبيانه؟ وكيف تتحدد العلاقة بين ما يقدّمه البيان النبوي من إيضاح للوحي، وما يُطلب من الإنسان من تفكر وتدبر في آياته؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تساعد على فهم موقع البيان النبوي ضمن المنهج القرآني العام للتعامل مع الكتاب.
رابعًا: القرآن يدعو إلى التدبر
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. فالغاية المذكورة هنا من إنزال الكتاب هي: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، وهذا أمر مهم جدًا؛ لأن التدبر ليس نشاطًا محظورًا على عامة الناس، بل هو غاية صريحة من غايات إنزال القرآن، ودعوة إلى تجاوز مجرد تلاوة الألفاظ نحو التأمل في معانيها وهداياتها.
وقد ذهب القرطبي إلى أن الآية تتضمن دليلًا على وجوب معرفة معاني القرآن والتدبر فيه، أما الطبري ففسّر التدبر بالنظر في حجج القرآن وشرائعه، بما يؤدي إلى الاتعاظ والعمل. وبذلك يتضح أن التدبر ليس عملية ذهنية منفصلة عن الحياة، بل هو نظر في دلالات الآيات وما تحمله من توجيهات، وصولًا إلى فهم أعمق ينعكس على سلوك الإنسان ومواقفه. فالقرآن لا يطلب منا أن نتلو ألفاظه فحسب، بل أن نتدبر آياته ونستحضر ما ترشد إليه.
خامسًا: «أفلا يتدبّرون القرآن؟»
ثم يأتي الاستفهام الإنكاري الصريح في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. فالتدبر هنا ليس فضيلة هامشية، بل إن تركه موضع إنكار قرآني، بما يدل على أهميته في صلة الإنسان بكتاب الله. غير أنه ينبغي أن نفرق بدقة بين التدبر والتفسير؛ فمع وجود صلة وثيقة بينهما، لا يلزم أن يكون المفهومان متطابقين في الوظيفة والمدلول.
فالتدبر أوسع من التفسير الاصطلاحي؛ لأنه يتضمن النظر في الآية، وربطها بسياقها، وتأمل هداياتها، واستخراج العبرة منها، والنظر في آثارها على الإنسان والحياة. ولهذا يمكن القول: كل تفسير صحيح ينبغي أن يثمر تدبرًا، وليس كل تدبر تفسيرًا اصطلاحيًا؛ فقد يتأمل الإنسان في هداية آية وعظتها من غير أن يمارس عملية تفسيرية متخصصة. وهذا التفريق سنحتاج إليه كثيرًا عندما نصل إلى مسألة التفسير بالرأي، وما يرتبط بها من حدود الفهم والاجتهاد.
سادسًا: القرآن «مُفصَّل»
يقول تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: 3]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 52]. وهنا نعود إلى آيتنا الأولى: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾؛ فالتفسير في هذا السياق يقترب من البيان والتفصيل، بينما يصف القرآن آياته بأنها مفصلة، بما يلفت النظر إلى الصلة بين هذه المفاهيم في بناء الدلالة القرآنية.
وهذه العلاقة بين التفسير والبيان والتفصيل جديرة بالتأمل؛ لأنها تؤكد أن القرآن نفسه يصف بنيته الداخلية بطريقة تجعل بعضه معينًا على فهم بعضه الآخر. فالتفصيل يكشف المعاني ويوضحها، والبيان يرفع الإبهام ويقرّب المراد، والتفسير يكشف المعنى ويوضحه في سياقه. ومن هنا يمكن النظر إلى هذه المفاهيم بوصفها عناصر مترابطة تساعد على فهم طبيعة المنهج القرآني في الكشف عن المعاني والدلالات.
سابعًا: ومن هنا… «تفسير القرآن بالقرآن»
إذا جمعنا هذه الآيات، تظهر أمامنا قاعدة مهمة: إن القرآن يبيّن ويفصّل، ويدعو إلى التدبر والتفكر، ويجعل للنبي ﷺ وآله وظيفة البيان. ومن هنا تتضح قيمة المنهج الذي عُرف في علوم التفسير بـ«تفسير القرآن بالقرآن»، وهو منهج يقوم على ردّ الآيات بعضها إلى بعض، والاستعانة بما يرد في موضع لفهم ما يرد في موضع آخر، بدل عزل الآية عن سائر السياقات القرآنية ذات الصلة.
فقد تكون آية مجملة، ثم تأتي آية أخرى فتفصلها، وقد يكون اللفظ عامًا فتأتي آية أخرى فتحدد المراد، وقد يذكر القرآن قضية في موضع مختصرًا ثم يعود إليها في موضع آخر بشيء من التفصيل. ولهذا فإن القرآن هو المصدر الأول لفهم القرآن؛ إذ يمكن أن تسهم الآيات في إيضاح بعضها بعضًا، وتحديد الدلالات، وكشف العلاقات بين الموضوعات القرآنية المتعددة.
وهذه ليست دعوة إلى الاستغناء عن الروايات الواردة عن النبي ﷺ وآله وأهل البيت عليهم السلام والعلماء، وإنما هي ترتيب منهجي للمصادر: القرآن أولًا في تفسير القرآن، ثم البيان النبوي، ثم المأثور الصحيح، ثم الاجتهاد العلمي المنضبط. وبهذا الترتيب لا يُلغى دور الرواية أو الاجتهاد، بل يوضع كل منهما ضمن مسار علمي يراعي طبيعة النص القرآني ومصادر فهمه وضوابط تفسيره.
ثامنًا: هل دعا القرآن إلى «تفسير القرآن»؟
بعد هذا الاستقراء يمكن أن تكون إجابتنا أكثر دقة من مجرد «نعم» أو «لا». نعم، دعا القرآن إلى فهم آياته وتدبرها وبيانها، لكنه لم يجعل لفظ «التفسير» عنوانًا وحيدًا لهذه العملية، بل بنى منظومة متكاملة من التفسير والبيان والتبيين والتفصيل والتدبر والتفكر والتذكر والتأويل. وهذا التنوع في المفردات يشير إلى تعدد الوظائف التي تتصل بفهم الوحي والتفاعل معه، مع بقاء الصلة قائمة بينها.
ولهذا فإن السؤال الأصح ليس: هل ورد الأمر القرآني بلفظ «فسّروا القرآن»؟ بل: كيف أراد القرآن أن نتعامل مع القرآن؟ والجواب الذي تقود إليه الآيات هو التعامل معه بالتدبر والتفكر، والاستعانة بالبيان النبوي، وردّ الآيات إلى بعضها، والوقوف عند حدود ما نعلم، واجتناب القول على الله بغير علم. فالمقصود ليس إطلاق التأويل بلا ضوابط، وإنما بناء فهم يستند إلى النص، ويستعين بأدواته ومصادره، ويلتزم حدود المعرفة العلمية.
تاسعًا: الخلاصة
يمكن أن نلخص ما وصلنا إليه في هذه الحلقة بالقول: ورد لفظ «التفسير» في القرآن مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، لكنه لم يترك مفهوم التفسير معلقًا حول هذه المفردة، بل أقام لفهم كتابه منظومة قرآنية واسعة قوامها البيان والتبيين والتفصيل والتدبر والتفكر والتذكر. وجعل للرسول ﷺ وآله وظيفة البيان، ودعا الإنسان إلى التدبر والتفكر، وفتح آفاقًا واسعة لفهم القرآن من خلال القرآن نفسه.
ومن هنا فإن تفسير القرآن في القرآن ليس مجرد مدرسة تفسيرية من بين مدارس التفسير، بل يمكن النظر إليه بوصفه منهجًا تؤسسه بنية القرآن الداخلية نفسها؛ منهجًا يقوم على ترابط الآيات، وتكامل البيان والتفصيل، والدعوة إلى التدبر والتفكر، مع الاستعانة بالبيان النبوي والمأثور الصحيح والاجتهاد العلمي المنضبط. وبهذا تتضح ملامح الرؤية التي تسعى هذه الحلقة إلى تقديمها، تمهيدًا لمواصلة البحث في الحلقات اللاحقة.
يتبع لاحقًا.


