فخ الصعود السريع: لماذا تتعثر القوى الصاعدة حين تصبح موارد الدولة بديلا عن القاعدة الاجتماعية؟

فخ الصعود السريع لماذا تتعثر القوى الصاعدة حين تصبح موارد الدولة بديلا عن القاعدة الاجتماعية؟
يتناول المقال ظاهرة «فخ الصعود السريع»، موضحاً أن النفوذ داخل مؤسسات الدولة والوصول إلى الموارد لا يضمنان استدامة القوة السياسية من دون قاعدة اجتماعية راسخة وشرعية متجددة واستقلال تنظيمي...

حين يسبق الحضور في مؤسسات الدولة التجذر في المجتمع، يتحول النفوذ من رصيد مستدام إلى مصدر محتمل للهشاشة

(أما إذا كان الرجل الذي بلغ مرتبة الإمارة ذا كفاية ومهارة تمكنانه من النهوض، وإفراغ الجهد في الاستيلاء على ما منحه الحظ، ثم يأخذ بعد ذلك في وضع الأساسات التي يشيدها سواه قبل أن يصل إلى درجة الملك، فإن عمله يُختم بالفوز) نيقولا ميكافيلي-كتاب الأمير-الفصل السابع-ترجمة محمد لطفي جمعة/مؤسسة هنداوي

ليس الصعود السياسي السريع دليلا بالضرورة على رسوخ القوة أو اتساع قاعدتها الاجتماعية، فقد تحقق بعض القوى نفوذا واسعا في وقت قصير بفضل موقعها داخل مؤسسات الدولة، أو قدرتها على الوصول إلى الموارد الاقتصادية والإدارية، أو استفادتها من تحولات سياسية وأمنية استثنائية، غير أن هذه المكاسب، على أهميتها، قد تخفي وراءها هشاشة لا تظهر بوضوح إلا عندما تتغير الظروف التي أتاحت ذلك الصعود.

هنا يتشكل ما يمكن تسميته (فخ الصعود السريع)، وهو أن تتسع قدرة القوة السياسية (الحزب) على التأثير في مؤسسات الدولة قبل أن تنجح في بناء قاعدة اجتماعية وتنظيمية مستقلة قادرة على حملها خارج تلك المؤسسات.

وأرى أن الخطر لا يكمن في الصعود السريع بحد ذاته، بل في الاعتقاد بأن الموارد التي رفعت القوة يمكن أن تغنيها عن بناء القاعدة التي تحميها، ولا يعني ذلك أن كل صعود سريع محكوم بالتراجع، إنما الخطر يبدأ حين تتحول أدوات النفوذ المؤقتة إلى بديل عن الشروط التي تجعل النفوذ قابلا للاستمرار.

  • ثلاث مرتكزات للقوة السياسية

يمكن النظر إلى استدامة القوة السياسية من خلال ثلاث مرتكزات متداخلة، لا يغني أحدها عن الآخر.

المرتكز الأول: الموارد المؤسسية والاقتصادية، وتشمل الوصول إلى مواقع القرار، والتأثير في الإدارة العامة، والقدرة على توجيه الموارد، والاستفادة من شبكات المصالح التي تتشكل حول السلطة، وتمنح هذه الموارد القوة السياسية قدرة ملموسة على الحركة والتأثير، لكنها تظل مرتبطة إلى حد بعيد بطبيعة موقعها داخل الدولة وبموازين القوى التي تحكم ذلك الموقع.

المرتكز الثاني: القاعدة الاجتماعية والتنظيمية، والتي تعبر عن مدى امتلاك القوة السياسية لجمهور يتبنى مشروعها أو يدافع عن مصالحه من خلالها، فضلا عن وجود تنظيم قادر على التواصل مع هذا الجمهور وتعبئته وتمثيله، وهذه القاعدة لا تقاس بعدد المؤيدين في لحظة معينة فحسب، بل بقدرة العلاقة بين التنظيم والمجتمع على الاستمرار عندما تتراجع المكاسب أو تتبدل الظروف.

المرتكز الثالث: وهو الشرعية الفكرية والسياسية، التي هي قدرة القوة على تقديم مبررات مقنعة لوجودها ودورها، وإقناع الجمهور بأن حضورها يتجاوز توزيع المنافع أو احتكار المواقع، وقد تستند هذه الشرعية إلى مشروع عقائدي، وطني، اجتماعي، أو إلى تاريخ من النضال والتضحيات، واما تستند إلى أداء ناجح في إدارة الشأن العام.

وتنشأ المشكلة حين يتقدم المرتكز الأول على المرتكزين الآخرين بصورة كبيرة، فالموارد قد تفتح أبواب النفوذ، لكنها لا تضمن وحدها القبول الاجتماعي، كما أن الوصول إلى مؤسسات الدولة لا ينتج تلقائيا مشروعا سياسيا متماسكا أو تنظيما قادرا على الاستمرار.

  • حين تصبح الدولة بديلا عن المجتمع

تقدم تجربة الحزب الثوري المؤسسي في المكسيك مثالا مهما على العلاقة المعقدة بين السيطرة على مؤسسات الدولة والرسوخ الاجتماعي، فقد هيمن الحزب على الحياة السياسية المكسيكية لعقود طويلة، مستندا إلى شبكة واسعة من العلاقات المؤسسية والاجتماعية، لكنه لم يكن محصنا من التحولات، فقد خسر أغلبيته في مجلس النواب عام 1997، ثم خسر الرئاسة عام 2000، قبل أن يعود إلى الحكم عام 2012 ويخسره مجدداً عام 2018.

ولا تعني هذه التجربة أن الحزب كان بلا قاعدة اجتماعية، بل تكشف أن طول البقاء في السلطة لا يضمن استمرار الهيمنة، وأن الشبكات التي تدعم القوة السياسية قد تتغير فعاليتها عندما تتبدل البيئة الانتخابية والاجتماعية وموازين المنافسة.

وفي مصر، شكل الحزب الوطني الديمقراطي، الذي ارتبط بنظام حسني مبارك، نموذجا مختلفا لقوة سياسية ارتبط نفوذها ارتباطا وثيقا بأجهزة الدولة ومؤسساتها، وبعد سقوط النظام عام 2011، صدر حكم قضائي بحل الحزب، ولا يكفي هذا المصير القانوني وحده للحكم على طبيعة روابطه الاجتماعية أو مدى رسوخها، لكنه يطرح سؤالا مهما عن قدرة التنظيمات المرتبطة بالنظام السياسي على إعادة إنتاج نفسها عندما يتعرض ذلك النظام لانهيار مفاجئ، ولا سيما إذا كانت مؤسساتها الداخلية لا تتمتع بقدر كاف من الاستقلال.

والدرس هنا ليس أن الدولة تضعف كل قوة سياسية تستفيد من مؤسساتها، بل أن الاعتماد المفرط على مواردها قد يجعل التنظيم عاجزا عن التكيف عندما يفقد امتيازاته أو يتراجع نفوذه، فالقوة التي تستمد معظم فعاليتها من موقعها داخل السلطة تواجه اختبارا صعبا حين تصبح خارجها، بينما تمتلك القوة المتجذرة اجتماعيا فرصة أكبر للاحتفاظ بجزء من شرعيتها بعد مغادرة الحكومة.

  • من شرعية النشأة إلى شرعية الأداء

لا يكفي أن تنشأ القوة السياسية في سياق مقاومة أو مواجهة أو تحول تاريخي كي تحتفظ بشرعيتها إلى أجل غير محدد، فشرعية النشأة قد تمنحها رصيدا معنويا مهما، لكنها تحتاج مع مرور الوقت إلى أن تتحول إلى شرعية أداء، تتجدد من خلال الإنجاز والقدرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع.

وتظهر تجربة حركة (فارك) في كولومبيا صعوبة تحويل الحضور العسكري السابق إلى قبول انتخابي، فبعد اتفاق السلام عام 2016، لم يحصل الحزب الذي أنشأته الحركة بعد نزع سلاحها على تمثيل برلماني عبر الأصوات في انتخابات 2018، واعتمد على المقاعد الخمسة المضمونة له في كل من مجلسي البرلمان خلال دورتي 2018–2022 و2022–2026. ومع انتهاء هذه الضمانة، أخفق الحزب في الفوز بمقاعد في انتخابات مارس 2026، وفقد تمثيله البرلماني بعد ثماني سنوات من الحضور الذي كفله اتفاق السلام.

وتكشف هذه التجربة الفجوة بين ضمان الحضور المؤسسي واكتساب التأييد الانتخابي المستقل، فالمشاركة في مؤسسات الدولة قد تتيح فرصة لبناء قاعدة سياسية، لكنها لا تنشئ تلك القاعدة تلقائيا، كما أن الرصيد المتراكم في مرحلة الصراع او النضال لا يتحول بالضرورة إلى ثقة انتخابية في مرحلة العمل السياسي السلمي.

وفي سياق مختلف، تكشف تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا أن التاريخ النضالي الطويل لا يعفي الأحزاب من اختبار الأداء، فالحزب الذي قاد النضال ضد نظام الفصل العنصري وحكم البلاد منذ الانتقال الديمقراطي عام 1994، فقد أغلبيته البرلمانية للمرة الأولى في انتخابات عام 2024، بعدما حصل على نحو 40.2 في المئة من الأصوات.

ولا يعني ذلك زوال رصيده التاريخي أو انتهاء دوره السياسي، لكنه يشير إلى أن الشرعية التاريخية، مهما بلغت أهميتها، لا تعفي التنظيم من مواجهة أسئلة الحاضر، وهي جودة الإدارة، ومكافحة الفساد، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، وقدرته على تجديد قياداته وبرامجه.

وهكذا، لا تكون المشكلة في امتلاك رصيد تاريخي أو الاستناد إلى تجربة تأسيسية، بل في التعامل مع هذا الرصيد كما لو كان تفويضا دائما لا يحتاج إلى مراجعة أو تجديد.

  • القوى الراسخة وآليات استيعاب المنافسين

تصعد القوى الجديدة في بيئة سياسية سبقتها إليها قوى أخرى، تشكلت فيها المصالح، وتراكمت الخبرات، وتعمل فيها شبكات النفوذ على حماية مواقعها وإعادة إنتاج حضورها، ولذلك لا تلجأ القوى الراسخة دائما إلى المواجهة المباشرة، بل تستطيع أحيانا استيعاب منافسيها من خلال التحالفات، أو توزيع الأدوار، أو فتح مسارات محدودة للمشاركة، أو إدخالهم في ترتيبات تجعل استمرار نفوذهم مشروطا ببقاء التوازن القائم.

ولا يعني ذلك أن كل تحالف هو أداة احتواء، أو أن كل مشاركة في مؤسسات الدولة تؤدي إلى فقدان الاستقلال، فالتحالف قد يوسع قاعدة القوة السياسية ويمنحها قدرة إضافية على التأثير، كما أن المشاركة قد تتيح فرصا حقيقية للإصلاح، لكن الاختبار يكمن في طبيعة العلاقة، وهل يدخل الطرف الأضعف التحالف محتفظا بقدرته على اتخاذ القرار ومراجعة خياراته، أم يصبح اعتماده على شركائه أكبر من قدرته على الحركة المستقلة؟

وتساعد أفكار صموئيل هنتنغتون في كتابه (النظام السياسي في مجتمعات متغيرة) على فهم هذا الاختبار، فقد ربط استقرار التنظيمات بمأسستها، أي بقدرتها على التكيف، وتعقيدها التنظيمي، واستقلالها عن غيرها، وتماسكها الداخلي، والاستقلال هنا هو جوهر المسألة، فالتنظيم الذي تقوم قوته على موقعه من الدولة أو على شركائه أسهل استيعابا من تنظيم يملك قواعد وآليات قرار راسخة تتجاوز الأفراد والظروف، وكلما كانت قواعد العمل وآليات اتخاذ القرار أكثر رسوخا، قلت احتمالات أن يتوقف مصير التنظيم على أفراد بعينهم أو على ظرف سياسي استثنائي.

ومن ثم يصبح التنظيم الأضعف مؤسسيا هو الأكثر قابلية للاستيعاب، فالتنظيم الذي يتوسع أسرع من قدرته على بناء مؤسساته الداخلية قد يبدو قويا في لحظة الصعود، لكنه يظل معرضا للاهتزاز عند أول تغير كبير في القيادة أو الموارد أو التحالفات،

  • مؤشرات تستحق المراقبة

يمكن رصد قابلية القوة السياسية للاستمرار من خلال اربعة مؤشرات مترابطة:

أولا: درجة الاعتماد على موارد الدولة، وهل تستند القوة إلى موارد ومواقع يمكن أن تفقدها بتغير السلطة، أم تمتلك موارد تنظيمية واجتماعية مستقلة نسبيا؟

ثانيا: طبيعة القاعدة الاجتماعية، وهل ترتبط العلاقة مع الجمهور بقناعات ومصالح ومشاركة مستمرة، أم تعتمد أساسا على المنافع والامتيازات التي قد تتراجع بتغير الظروف؟

ثالثا: الاستقلال التنظيمي، فهل يمتلك التنظيم مؤسسات داخلية وقواعد واضحة لاختيار قياداته ومحاسبتها، أم يعتمد على شخصيات محورية وشبكات ولاء يصعب استمرارها من دونها؟

رابعا: جودة التحالفات، وهل توسع التحالفات قدرة الحزب على التأثير وتحفظ له هامشا مستقلا، أم تجعله أكثر اعتمادا على أطراف أخرى تتحكم في شروط مشاركته؟

ولا يقدم أي مؤشر من هذه المؤشرات حكما نهائيا بمفرده، فالمسألة تتعلق بها مجتمعة، وبكيفية تفاعلها مع طبيعة النظام السياسي ودرجة استقراره، وقدرة التنظيم على التعلم من أخطائه وتعديل مساره.

  • أخيرا: ما الذي يبقى عندما تتغير الظروف؟

إن الصعود السياسي ليس مشكلة في حد ذاته، كما أن الاستفادة من مؤسسات الدولة ليست دليلا تلقائيا على ضعف القاعدة الاجتماعية، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يساء فهم النفوذ المؤقت بوصفه دليلا على رسوخ القوة، أو عندما تصبح الموارد والمواقع بديلا عن بناء التنظيم وتجديد الشرعية وتوسيع المشاركة.

فالدولة قد تمنح القوة السياسية أدوات واسعة للتأثير، لكنها لا تستطيع أن تمنحها، بصورة دائمة، ثقة المجتمع أو تماسك التنظيم أو القدرة على التكيف، وهذه عناصر تحتاج إلى عمل مستمر، ولا تختزل في الفوز الانتخابي أو السيطرة على المواقع أو امتلاك الموارد.

وفي النهاية، لا يتمثل الاختبار الحقيقي للقوة السياسية فيما تحصل عليه من الدولة وهي في موقع القوة، بل فيما تحتفظ به من قدرة على التأثير عندما تتغير الظروف، وتتراجع الامتيازات، وتعاد صياغة التحالفات، عند تلك اللحظة تحديدا، يتضح الفرق بين قوة كان نفوذها أكبر من قاعدتها، وقوة استطاعت أن تجعل من نفوذها وسيلة لبناء قاعدة قادرة على الاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *