من مضيق هرمز إلى شوارع باريس وروما: أوروبا بين نار الاحتجاجات وضرورة الاستقلال عن الحرب الأمريكية

من مضيق هرمز إلى شوارع باريس وروما أوروبا بين نار الاحتجاجات وضرورة الاستقلال عن الحرب الأمريكية
تتفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا مع اضطراب إمدادات الطاقة وتصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، وسط احتجاجات شعبية متنامية. ويبرز تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وتكثيف الجهود الدبلوماسية بوصفهما مسارين لحماية الاستقرار الاقتصادي والسياسي وأمن الملاحة الدولية...

يعيش المشهد الاقتصادي والاجتماعي الأوروبي اليوم اهتزازاً غير مسبوق إذ تحولت القارة العجوز إلى بؤرة توتر متصاعدة بفعل تداعيات الحرب الأمريكية على إيران وإغلاق مضيق هرمز الذي يعتبر شرياناً حيوياً لاقتصاديات العالم بأسره ولم يعد الأمر مجرد أزمة طاقة فقط  بل تحول إلى كابوس يعصف بالنسيج الاجتماعي لدول كانت تُعد نموذجاً للاستقرار ففي فرنسا وإيطاليا والبرتغال وألبانيا وحتى في إسبانيا وبلجيكا خرجت الحشود الغاضبة إلى الشوارع في مشاهد تعكس اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والحكومات حيث تحولت الاحتجاجات على غلاء المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة إلى أعمال عنف وحرائق ونهب للمتاجر ومواجهات مع الشرطة أسفرت عن آلاف الاعتقالات وإصابات في صفوف الطرفين مما يطرح تساؤلاً وجودياً حول ما إذا كانت أوروبا ستستيقظ على حقيقة أن انهيار اقتصاداتها بات وشيكاً قبل فوات الأوان .

إن استمرار واشنطن في سياسة الضغط الأقصى وإغلاق المضيق قد دفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية مما أدى إلى تضخم كبير ضرب القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي العادي ودفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات تقشفية زادت من حدة الغضب الشعبي وهنا يبرز السؤال المحوري :هل تملك أوروبا الإرادة السياسية للخروج من عباءة السياسة الأمريكية والتحرك بسرعة نحو مبادرات دبلوماسية جادة لوقف هذه الحرب؟

الإجابة تتطلب شجاعة غير عادية إذ يتطلب الأمر من العواصم الأوروبية الكبرى وخاصة باريس وروما وبرلين ولندن الاعتراف بحقوق إيران النووية السلمية ورفع الحصار عنها لتجنب المزيد من الاشتعال في منطقة تحولت إلى برميل بارود يهدد بتفجير الاقتصاد العالمي بأسره . إن استقلال القرار الأوروبي لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة لحماية الشعوب من كلفة حروب لا تقررها. فالتبعية لواشنطن تجعل أوروبا تتحمل أعباء اقتصادية واجتماعية متزايدة. كما أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يهدد أمن الطاقة والاستقرار الداخلي. لذلك، بات التحرك الدبلوماسي المستقل ضرورة لحماية مصالح القارة ومستقبل شعوبها. وتعزيز قدرتها على التأثير في مسارات الصراع، ومنع اتساع تداعياته على الأمن والسلم الدوليين. بعيداً عن حسابات الهيمنة ومصالح القوى الكبرى.

لقد أظهرت الدول الأوروبية في مناسبات سابقة استعداداً مشروطاً لرفع العقوبات إذا اتخذت طهران خطوات يمكن التحقق منها لكن المطلوب اليوم هو خطوة أكثر جرأة واستقلالية عن التوجهات الأمريكية لأن استمرار الوضع الحالي يعني أن الاحتجاجات الاجتماعية في أوروبا لن تتوقف عند حدود المطالب المعيشية فحسب بل قد تتحول إلى موجة مناهضة للنظام السياسي القائم بأسره خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة في بعض هذه الدول مما يجعل المبادرة الأوروبية لإنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق ليس خيارًا دبلوماسياً بل ضرورة وجودية لحماية التماسك الاجتماعي والاقتصادي للقارة الاوربية بأسرها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *