لم يعد الخلل المالي والاقتصادي في العراق بحاجة إلى مزيد من التشخيص ، كما لم تعد مخاطره خافية على أحد . فاقتصاد يعتمد اعتماداً شبه كلي على الإيرادات النفطية ، وموازنة تلتهم الرواتب والنفقات التشغيلية قسماً متزايداً من مواردها ، وقطاع عام يتضخم على حساب القطاع الخاص ، وإيرادات غير نفطية لا تتناسب مع حجم الاقتصاد وإمكاناته ، وفساد وبيروقراطية يعطلان الاستثمار والإنتاج ، كلها حقائق تضع العراق أمام استحقاق إصلاحي لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية .. وفي هذا السياق تأتي توصيات صندوق النقد الدولي بشأن العراق لتؤكد أن الطريق إلى الاستقرار المالي لا يمر عبر الاقتراض المستمر ، ولا عبر تحميل المواطنين كلفة الاختلالات المالية ، بل عبر إصلاح بنية الإنفاق العام ، وتنويع الإيرادات ، ومكافحة الهدر والفساد ، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد الوطني .. إننا ندعم الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تستهدف معالجة هذه الاختلالات ، لا لأن صندوق النقد الدولي هو من يطالب بها ، بل لأنها تمثل حاجة عراقية ملحّة نادينا بها مراراً ، وحذّرنا من استمرار تجاهلها .. لكنّ السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس ما إذا كانت هذه الإصلاحات ضرورية ، وإنما لماذا ظل تنفيذ كثير منها متعثراً ، رغم تعاقب الحكومات والبرامج والوعود ؟
إنّ المشكلة في العراق ليست نقص الخبراء أو غياب الدراسات ، بل ضعف الإرادة السياسية في مواجهة المصالح التي تستفيد من استمرار الاختلالات القائمة .. فعندما تتحول الوظيفة العامة إلى أداة للاسترضاء السياسي ، والتعيينات إلى استحقاقات حزبية ، ومؤسسات الدولة إلى حصص تتقاسمها القوى السياسية ، يصبح الإصلاح الحقيقي تهديداً لمصالح المتنفذين ، حتى لو أعلنوا تأييدهم له في الخطابات والبيانات .. ولا يعني ذلك أن جميع القوى السياسية ترفض الإصلاح ، لكن المطلوب هو أن تُقاس المواقف بالنتائج ، لا بالشعارات .. فما الذي تحقق فعلياً في تقليص الهدر ، وتنمية الإيرادات غير النفطية ، وإصلاح المؤسسات العامة ، ومكافحة الفساد ، وتحرير الاقتصاد من قيود البيروقراطية والمحاصصة ؟
إنّ أول ميدان للإصلاح هو الموازنة العامة ، من خلال مراجعة النفقات ، وترتيب الأولويات ، وتقليص الإنفاق غير المنتج ، ومنع الاقتراض لتمويل العجز التشغيلي ، مع حماية رواتب المواطنين المستحقين والخدمات الأساسية والفئات الأكثر هشاشة .. فليس من العدالة أن يتحمل المواطن كلفة الاختلالات المالية ، بينما تبقى أبواب الهدر والفساد مفتوحة .. كما أنّ زيادة الإيرادات غير النفطية لا تتحقق بفرض المزيد من الرسوم والضرائب على المواطنين ، بل ببناء اقتصاد منتج ، وإطلاق القطاع الخاص ، وتطوير الصناعة والزراعة والسياحة ، واستثمار الغاز المصاحب ، وإصلاح النظامين الضريبي والكمركي ، ومكافحة التهرب والتلاعب بالمال العام ..
وقد طرحنا سابقاً إنشاء المجلس الأعلى للإصلاح المالي والاقتصادي ، لكننا ندرك أن إنشاء المؤسسات وحده لا يكفي ، فالإصلاح يحتاج إلى صلاحيات واضحة ، وبرنامج زمني محدد ، ومؤشرات أداء قابلة للقياس ، وإرادة سياسية تحمي القرار الإصلاحي من التدخلات والمساومات الحزبية ..
إنّ توصيات صندوق النقد الدولي ليست بديلاً عن القرار الوطني ، وليست كل توصية دولية صالحة للتطبيق دون مراعاة خصوصية العراق وأوضاع مواطنيه . لكن لا يجوز أيضاً اتخاذ السيادة الوطنية ذريعة لتجاهل إصلاحات تفرضها مصلحة العراق قبل أن تطالب بها المؤسسات الدولية .. إنّ العراق لا تنقصه الثروات ولا العقول القادرة على وضع الحلول ، ما ينقصه هو قرار سياسي يضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية ، ويعامل المال العام بوصفه أمانة لا غنيمة .. فالإصلاح المالي والاقتصادي لم يعد خياراً مؤجلاً ، بل ضرورة لإنقاذ الدولة وحماية مستقبل الأجيال .. والسؤال الذي يواجه القوى السياسية اليوم هو هل تنتصر مصلحة العراق على مصالح المحاصصة ، أم يبقى العراقيون يدفعون ثمن تأجيل الإصلاح ؟


