ما بعد الثلاثين من أيلول: السيادة بوصفها معادلة ردع لا مراسم انسحاب

ما بعد الثلاثين من أيلول السيادة بوصفها معادلة ردع لا مراسم انسحاب
يربط النص السيادة بالقدرة على إنتاج الردع واستقلال القرار بعد خروج التحالف، ثم ينتقل إلى تصور سياسي يجعل الحشد ومحور المقاومة وإيران أساساً لمنظومة الأمن والاقتصاد العراقي، وهي أطروحات تتجاوز الحقائق المثبتة إلى خيارات سياسية وقانونية محل خلاف...

من انتهاء الوجود العسكري للتحالف إلى اختبار القدرة العراقية على إنتاج الأمن وحماية القرار الوطني

يختزل الثلاثون من أيلول في الخطاب السائد هذه الايام بسؤال واحد:

من يملأ الفراغ بعد انسحاب قوات التحالف؟

لكن هذا السؤال غريب، ويقوم على افتراض مضمر، وهو أن الأمن ظاهرة يصنعها الوجود الأجنبي، وأن غيابه يترك وراءه فراغا لا بد أن تملأه قوة أخرى.

وهذه هي بالضبط النظرة القاصرة للسيادة.

فالدول لا تقاس قدرتها الأمنية بعدد الجنود الأجانب الموجودين على أرضها، كما لا تقاس سيادتها بعدد الجنود الذين يغادرونها.

ان معيار السيادة هو شيء اخر أكثر أهمية وتعقيدا وهو:

-القدرة والقوة على منع الاعتداء؟

– قرار استخدام هذه القوة؟

– رفع كلفة الاعتداء إلى مستوى يجعل الخصم يعيد حساباته؟

ومن هنا، فإن الثلاثين من أيلول لا ينبغي أن يقرأ بوصفه يوما لمغادرة قواعد وتسليم مواقع، بل بوصفه بداية لاختبار أكبر هو:

هل يستطيع العراق أن يحول السيادة من وضع قانوني معلن إلى قدرة فعلية على الردع؟

لان الانسحاب العسكري للمحتل حدث، أما السيادة فهي معادلة مستمرة.

  • فراغ القوة ليس هو فراغ الردع

ثمة فرق جوهري بين (فراغ القوة) و(فراغ الردع).

ففي سوريا مثلا، أدى انهيار الدولة المركزية خلال سنوات الحرب إلى تفكك المجال الأمني وتوزعه بين قوى محلية وإقليمية ودولية متعددة، فكان السؤال هناك:

من يسيطر على الأرض؟

أما في العراق، فالصورة مختلفة جدا، لان العراق دولة ذات شرعية دستورية، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية، ومؤسسات عسكرية وأمنية متراكمة، على رأسها الحشد الشعبي المقدس الذي يعتبر القوة العقائدية الاقوى ضمن المنظومة الأمنية الرسمية، لكن امتلاك الدولة للمؤسسات لا يعني بالضرورة امتلاكها لكل عناصر الردع.

فقد تمتلك الدولة جيشا، ولا تمتلك دفاعا جويا كافيا، وقد تمتلك قوات مسلحة، لكنها لا تملك قدرة متكاملة على حماية المجال الجوي والحدود، وقد تملك القوة، لكن لا تملك القدرة السياسية والاقتصادية على تحمل كلفة استخدامها.

وهنا يظهر مفهوم فراغ الردع!

فراغ الردع لا يعني غياب السلاح، وإنما غياب المعادلة التي تجعل الاعتداء على الدولة مكلفا بما يكفي لردعه.

ولذلك فإن السؤال بعد الثلاثين من أيلول ليس:

من سيحل محل القوات الأجنبية؟

بل السؤال هو:

من سيضمن ألا يصبح العراق، بعد خروج القوات الأجنبية، ساحة أقل كلفة للتدخل والضغط والاعتداء؟

والردع ليس كثرة السلاح، لان الردع الوطني لا يبنى بتكديس السلاح وحده، بل يقوم على أربعة عناصر مترابطة: هي

القدرة، والقرار، والقيادة، والكلفة.

– القدرة تعني امتلاك وسائل الدفاع والهجوم المضاد.

– والقرار يعني أن تكون هذه القدرة خاضعة لقرار وطني واضح.

– والقيادة تعني وجود منظومة عسكرية وأمنية تستطيع العمل ضمن تسلسل أوامر واحد.

– أما الكلفة فتعني أن يعرف الخصم مسبقا أن الاعتداء على العراق لن يكون عملية مجانية أو محدودة العواقب.

وإذا غاب أحد هذه العناصر، أصبح الردع ناقصا، ولهذا فإن العراق لا يحتاج بعد الثلاثين من أيلول إلى استبدال قوة أجنبية بقوة أجنبية أخرى، ولا إلى البحث عن مظلة خارجية، بقدر حاجته إلى بناء منظومة ردع وطنية متعددة المصادر: دفاع جوي، وقوة جوية، وأمن حدود، واستخبارات، وصواريخ وقدرات دقيقة، وقوات برية، وقدرة بحرية مناسبة، ونظام قيادة وسيطرة واتصالات يجعل القرار العسكري عراقيا وطنيا ومؤسسيا.

والسيادة، بهذا المعنى، ليست شعارا سياسيا بل هي بناء للقدرة.

  • إيران: العمق الاستراتيجي لا التهديد

من منظور السيادة الوطنية، لا يمكن قراءة العلاقة مع إيران بالمنطق نفسه الذي تقرأ به العلاقة مع الولايات المتحدة، فالأولى علاقة عمق استراتيجي وعقائدي، والثانية علاقة تبعية لقوة احتلال سابقة.

والفرق جوهري:

إيران لم تحتل العراق، ولم تنصب حاكما، ولم تنشئ قواعد دائمة على أرضه، وما بني بين البلدين هو تحالف مقاومة، لا نظام وصاية، وهذا التحالف هو الذي جعل العراق قادرا على الصمود في وجه مشاريع التفكيك والتطبيع والضغط.

ومن هنا، فإن الحديث عن “السيادة العراقية” بمعزل عن العلاقة مع إيران هو حديث ناقص، لان العراق الذي يقف كجزء من محور المقاومة لا يقف في موقع التابع، بل في موقع الشريك في مشروع إقليمي أكبر:

مشروع مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

ولا يعني هذا التنازل عن القرار الوطني، بل يعني أن القرار الوطني العراقي، في هذه المرحلة التاريخية، يجد في محور المقاومة سندا لا قيدا، وعمقا لا وصاية.

إيران لم تنتظر مقابلا لدمائها التي قدمتها في مواجهة داعش، ولم تطلب قواعد دائمة، ولا حصانات، ولا امتيازات نفطية، وقدمت الدعم لأنها تدرك أن أمن العراق من أمنها، وأن العراق القوي هو حصن المشرق.

ومن يريد أن يفهم لماذا يصمد العراق، عليه أن ينظر إلى طهران، لا إلى واشنطن.

  • الانسحاب لا يعني انتهاء النفوذ

الوجود العسكري هو أكثر أدوات النفوذ الأمريكي فجاجة وظهورا، لكنه ليس بالضرورة أكثرها فاعلية.

فالقوى الكبرى تستطيع أن تؤثر في دولة من دون أن يكون لها جندي داخل حدودها عبر:

الأجواء، الاستخبارات، العقوبات، النظام المالي، حركة الدولار، الاستثمار، الطاقة، التجارة، التكنولوجيا، وشبكات التحالفات الدولية.

ولهذا فإن خروج القوات الأجنبية لا يعني تلقائيا انتهاء النفوذ، بل إن الانتقال من الوجود العسكري المباشر إلى علاقة أمنية واقتصادية وسياسية أقل ظهورا سيجعل النفوذ أكثر خطرا لأنه سيعتمد على أدوات لا تراها العين بسهولة.

وهنا تحديدا تكمن إحدى أهم معضلات العراق!

فالدولة التي تستطيع حماية حدودها بالسلاح لكنها لا تستطيع حماية استقلال قرارها المالي والطاقوي تظل بلا سيادة.

والعراق، بحكم اعتماده الكبير على النفط وبنية اقتصاده وعلاقاته المالية الدولية، لا يستطيع أن يتعامل مع السيادة باعتبارها قضية عسكرية فقط!

– فقد تغادر القاعدة، لكن تبقى القدرة على الضغط عبر المال.

– وقد يغادر الجندي، لكن تبقى أدوات التأثير في الطاقة والاستثمار والتجارة.

– وقد ينتهي الوجود العسكري، لكن تستمر الحاجة إلى التعامل مع واشنطن بوصفها قوة دولية مؤثرة.

لذلك ينبغي أن تكون مرحلة ما بعد الثلاثين من أيلول انتقالا من إدارة الوجود الأجنبي إلى إدارة العلاقة مع القوة الأجنبية.

وهذا فرق استراتيجي كبير.

  • المقاومة وموقعها في معادلة الردع

من هنا يمكن فهم القراءة التي تتبناها القوى والفصائل المتحالفة والمؤيدة لمحور المقاومة..

فوفق هذه القراءة، فإن العراق الذي خرج من الاحتلال والحرب على الإرهاب لا يستطيع أن يتخلى بسهولة عن أدوات القوة التي تشكلت في ظروف استثنائية، لأن التجربة العراقية نفسها أظهرت أن انهيار قدرة الدولة على الردع قد يفتح الباب أمام أخطار تتجاوز قدرة المؤسسات التقليدية على احتوائها.

وتبقى تجربة عام 2014 حاضرة في الاذهان..

انهيار أجزاء واسعة من المنظومة العسكرية أمام تنظيم داعش، ثم إعادة بناء المبادرة العسكرية من قبل فصائل المقاومة وعبر التعبئة الشعبية التي جاءت في أعقاب فتوى المرجعية وتأسيس الحشد الشعبي المقدس.

من هنا ينبع الموقف الذي يرى في الحشد الشعبي ومكونات المقاومة جزءا من منظومة الردع العراقية، وليس مجرد ملف ينبغي اختزاله في سؤال حصر السلاح.

لكن الدفاع عن هذا الدور لا يعني تجاهل المشكلة الأصعب..

لان المشكلة ليست في وجود القوة بحد ذاته، بل من يملك قرار استخدامها، فحين توجد قوة مسلحة قادرة على الفعل من خارج التسلسل العملياتي الكامل للدولة، تصبح الحدود بين القرار الوطني والقرار الخاص أكثر تعقيدا، وعندما تقع ضربة أو مواجهة، قد تنتقل كلفتها من الجهة التي اتخذت القرار إلى الدولة ومؤسساتها ومواردها ومصالح مواطنيها.

وهذه مشكلة حقيقية لا ينبغي إنكارها او القفز عليها…

لكن الحل ليس في تفكيك هذه القوة، بل في تحويلها إلى نواة لمنظومة دفاع وطني جديدة.

  • المقاومة ليست مرحلة، بل عقيدة

من الخطأ قراءة المقاومة كردّ فعل على الاحتلال، أو كمرحلة مؤقتة تنتهي بخروج القوات الأجنبية.

لان المقاومة، في جوهرها، عقيدة أمنية وطنية:

عقيدة تقوم على أن الأمن لا يستورد، وأن السيادة لا تمنح، وأن الحرية لا تستجدى.

والحشد الشعبي، بوصفه تعبيرا مؤسسيا عن إرادة الشعب في مواجهة الإرهاب والاحتلال، هو النموذج الذي يجب أن تبنى عليه عقيدة أمنية وطنية جديدة:

عقيدة تقوم على الدفاع الشعبي المسلح إلى جانب الجيش النظامي، لا بديلا عنه ولا منافسا له.

والسؤال ليس كيف نذيب الحشد في الدولة، بل كيف نعيد بناء الدولة على أساس الحشد:

أي البناء على أساس أن الأمن مسؤولية شعبية وطنية، وليس حكرا على مؤسسة عسكرية واحدة.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى “إعادة تعريف المقاومة”، بل إلى توسيعها:

-من مقاومة عسكرية إلى مقاومة شاملة، اقتصادية، وثقافية، وإعلامية، وتقنية.

– من مقاومة داخل العراق إلى مقاومة في عمق الإقليم، عبر دعم القضية الفلسطينية، ودعم إيران ولبنان واليمن.

– من مقاومة دفاعية إلى مقاومة ردعية، قادرة على نقل المعركة إلى عمق العدو إذا لزم الأمر.

والعراق الذي يقف في قلب محور المقاومة لا يحتاج إلى “حماية سيادته” فقط، بل إلى تصدير الأمن إلى محيطه، كما صدر الدم والمقاومة في وجه داعش.

  • حصر السلاح: معيار واحد وتراتبية واضحة

إذا كان حصر السلاح مبدأ سياديا، فإن قوته الأخلاقية والسياسية والقانونية تبدأ من اتساق تطبيقه.

لا يمكن أن يكون السلاح الخارج عن الإطار الرسمي مشكلة عندما يكون عراقيا، ثم يصبح وجودا أمنيا طبيعيا عندما يكون تابعا لقوة أجنبية.

ولا يمكن أن تكون السيادة مبدأ يستدعى في مواجهة طرف داخلي، ثم يعلق عندما يتعلق الأمر بوجود عسكري أجنبي أو انتهاك للحدود.

وهنا يدخل الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، وفي شمال البلاد، في صلب النقاش السيادي.

والمسألة لا تتعلق بمقارنة طرف بطرف، ولا بتبرير السلاح خارج الدولة بحجة وجود قوات أجنبية، بل بتطبيق قاعدة واحدة:

الدولة التي تريد احتكار قرار الحرب والسلم يجب أن تكون قادرة على ممارسة سيادتها على أراضيها ومجالها الجوي وحدودها تجاه الجميع.

وليس المطلوب فقط “معيار واحد”، بل تراتبية واضحة:

-السلاح الوطني (الجيش، الحشد، المقاومة) هو الشرعية الأصلية.

-الوجود العسكري الأجنبي هو الاستثناء غير الشرعي.

-أي سلاح آخر (ميليشيات منشقة، قوات أجنبية، شركات أمنية) هو خرق للسيادة.

فلا يجوز أن نضع المقاومة في كفة، والقوات التركية أو الأمريكية في كفة أخرى، ونقول “كلاهما خارج الدولة”، لان المقاومة صنعت وحمت الدولة حين كانت الدولة غائبة (2014)، بينما القوات الأجنبية أضعفت ودمرت الدولة حين كانت حاضرة (2003-2011).

  • العلاقة بين بغداد وأربيل: من الحسم الدستوري إلى الدمج الدفاعي

الدستور يمنح الحكومة الاتحادية الاختصاص الحصري في وضع وتنفيذ سياسات الأمن الوطني وإنشاء القوات المسلحة وإدارتها لحماية الحدود والدفاع عن العراق، بينما يمنح الإقليم اختصاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي، ومنها الشرطة والأمن وحرس الإقليم.

فالمشكلة إذن ليست أن الدستور أنشأ (جيشين) بالنص، وإنما أن التطبيق العملي يفرض ضرورة حسم العلاقة بين الدفاع الاتحادي والأمن الداخلي في الإقليم، بما يضمن أن تبقى سيادة العراق الدفاعية منظومة واحدة.

لكن العلاقة بين بغداد وأربيل ليست مسألة دستورية فقط، بل هي مسألة أمن قومي ايضا، فالإقليم الذي يسمح بوجود قواعد تركية وأمريكية على أراضيه، ويصدر النفط بمعزل عن الحكومة الاتحادية، ويحتفظ بعلاقات أمنية خارجية، هو إقليم يختلق نقاط ضعف في منظومة الدفاع الوطني.

والمطلوب ليس “حسم العلاقة” فقط، بل إعادة دمج الإقليم في المشروع الدفاعي الوطني عبر:

– حل ملف القواعد الأجنبية في الإقليم.

– ربط تصدير النفط بالحكومة الاتحادية.

– دمج قوات البيشمركة في منظومة الدفاع الوطني (لا كقوة موازية، بل كقوة إقليمية ضمن الجيش العراقي) تتبع أوامر القائد العام.

وهذا ليس “تقليصا لحقوق الإقليم”، بل تحصينا للسيادة الوطنية التي هي مصلحة كل العراقيين، كردا وعربا وغيرهم.

وهذه مسألة لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية، لأن انسحاب قوة خارجية كانت تمارس دورا في إدارة التوازنات الأمنية سيعيد بعض الأسئلة المؤجلة إلى الواجهة.

  • نحو اقتصاد مقاوم لا اقتصاد تابع

الدولة التي لا سيادة اقتصادية لها، فهي بلا سيادة، والعراق الذي يملك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، ولكنه يعتمد على الدولار الأمريكي في تسوية صادراته، هو عراق مكبّل بسلاسل مالية لا تنفع معها الدبابات.

لهذا فأن السيادة المالية والطاقوية هي الوجه الآخر للردع.

وقد يكون من السهل تصور السيادة في صورة دبابة أو طائرة مقاتلة أو جندي يقف على الحدود، لكن السيادة الحديثة أوسع من ذلك.

لان الدولة التي تملك القوة العسكرية لكنها لا تستطيع حماية تجارتها، أو استقرار نظامها المالي، أو استمرار صادراتها النفطية، أو استقلال قرارها في الطاقة، يمكن أن تتعرض لضغط استراتيجي من دون إطلاق رصاصة واحدة.

ولهذا يجب أن تدخل السياسة المالية والطاقوية في مفهوم الأمن الوطني العراقي، فالنفط ليس مجرد مصدر للإيرادات، بل هو أحد أعمدة قدرة الدولة على تمويل جيشها وخدماتها واستثماراتها واستقرارها الاجتماعي.

والنظام المالي ليس مجرد مسألة مصرفية، إنه جزء من قدرة الدولة على اتخاذ قرار مستقل.

ومن هنا، فإن تحصين الاقتصاد العراقي ليس ملفا تنمويا منفصلا عن السيادة، بل هو أحد شروطها.

والسيادة التي تحميها الأسلحة وتقيّدها الحسابات المصرفية سيادة ناقصة، والسيادة التي تحرس الحدود ولا تستطيع حماية مواردها سيادة غير مكتملة.

والمطلوب هنا ليس “تنويع الاقتصاد” فقط، بل إعادة توجيهه استراتيجيا عبر:

– تسوية التجارة مع الصين وروسيا وإيران بالعملات المحلية أو باليورو واليوان.

– بناء أكبر عدد من مصافي تكرير النفط المحلية لوقف استيراد المشتقات الأساسية.

– ربط قطاع الطاقة العراقي بشبكات محور المقاومة (إيران، اليمن، لبنان) بالإضافة الى روسيا والصين.

– تطوير الصناعات الدفاعية الوطنية بالتعاون مع خبراء المحور وحلفائه.

هذا هو الاقتصاد المقاوم، اقتصاد لا ينتظر رفع العقوبات، بل يبنى على أساس أنها لن ترفع.

  • الطريق إلى معادلة عراقية مستقلة

ما بعد الثلاثين من أيلول لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما يحتاج إلى بناء تدريجي لمنظومة عراقية متماسكة عبر:

أولا:

حسم الوضع المؤسسي للحشد الشعبي بقانون واضح يحدد موقعه في الدولة، وسلسلة قيادته، وصلاحياته، وعلاقته بالقائد العام للقوات المسلحة، بما يحفظ عناصر قوته الدفاعية ويمنع ازدواجية القرار، مع الاعتراف بأن الحشد ليس ملفا يجب تسويته، بل نواة منظومة الدفاع الوطني الجديدة.

ثانيا:

بناء دفاع جوي وحدودي اتحادي متكامل، لأن السيادة التي لا تحمي السماء والحدود تبقى ناقصة.

ثالثا:

تنويع مصادر التسليح والتدريب والتكنولوجيا، حتى لا يصبح القرار الدفاعي العراقي رهينة لدولة واحدة، مع أولوية واضحة للتعاون مع دول محور المقاومة والصين وروسيا.

رابعا:

إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس الشراكة والمصلحة المتبادلة، لا الوجود العسكري الدائم ولا الوصاية السياسية.

خامسا:

بناء اقتصاد مقاوم مرتبط بمحور المقاومة، وتحصين الاقتصاد والقطاع النفطي والنظام المالي، لأن أدوات الضغط الحديثة لا تمر دائما عبر البندقية.

سادسا:

معالجة العلاقة الأمنية بين بغداد والإقليم ضمن الدستور، بما يضمن أن يكون الدفاع عن العراق اختصاصا وطنيا موحدا، مع احترام الصلاحيات التي منحها الدستور للإقليم في مجال الأمن الداخلي، وإعادة دمج الإقليم في المشروع الدفاعي الوطني.

وسابعا:

وهو الأهم

إعادة بناء عقيدة أمن وطني عراقية لا تقوم على انتظار مظلة خارجية، ولا على استبدال مظلة بمظلة، بل على امتلاك العراق للقدرة على التعامل مع القوى الكبرى من موقع الدولة صاحبة القرار، مع الارتكاز على محور المقاومة كعمق استراتيجي لا كخيار تكتيكي.

  • الخلاصة: الثلاثون من أيلول يوما للسيادة لا للانسحاب

لن يكون اختبار الثلاثين من أيلول في مراسم الخروج، ولا في عدد العربات التي تعبر الحدود، ولا في صور الجنود وهم يغادرون آخر موقع عسكري.

والاختبار الحقيقي يبدأ في اليوم التالي:

-هل يستطيع العراق أن يمنع الاعتداء على أرضه وأجوائه؟

-هل يستطيع أن يجعل كلفة الاعتداء مرتفعة؟

-هل يستطيع أن يملك قرار الحرب والسلم؟

-هل يستطيع أن يحمي موارده ونظامه المالي وطاقته؟

-وهل يستطيع، في الوقت نفسه، أن يحول كل عناصر القوة المسلحة الموجودة داخله إلى قوة دولة لا إلى مراكز قرار متوازية؟

هذه هي معادلة السيادة، والعراق لن يكون فيه فراغا أمنيا كي يملؤه أحد، كما انه لا يحتاج إلى احتلالا جديدا تحت عنوان الشراكة.

وما يحتاجه هو أن ينتقل من الأمن الذي يدار له من الخارج إلى الأمن الذي ينتجه بنفسه.

والثلاثون من أيلول ليس نهاية مرحلة، بل بداية مشروع دولة لا تنتظر من يحميها، ولا تدفع لأحد ثمن أمنها، ولا تسمح لأحد بأن يقرر نيابة عنها.

والعراق الذي خرج من احتلال، وحارب إرهابا عالميا، وأنتج مقاومة هزمت أعتى التنظيمات، ليس بحاجة إلى وصاية جديدة تحت عنوان “شراكة” أو “تحالف” أو “حماية”.

ما يحتاجه العراق هو أن يثق بنفسه، وأن يبني على ما راكمه من قوة، وأن يمد يده إلى من مد يده إليه حين كان العالم كله يتخلى عنه.

إيران، ولبنان، واليمن، وقضية فلسطين: هؤلاء ليسوا “ملفات خارجية” في السياسة العراقية، إنهم العمق الاستراتيجي الذي جعل العراق يقف على قدميه.

والسيادة، في النهاية، ليست أن يخرج الجندي الأجنبي من الأرض فقط، بل السيادة أن يخرج الخوف من القلب، وأن يعرف الجميع في واشنطن وأنقرة وتل أبيب والخليج أن بغداد لم تعد تدار من الخارج، وأن العراق الذي يقرر في بغداد هو العراق الذي سيقاتل في كل جبهة إذا اقتضت مصلحة البلاد.

  • اخيرا

السيادة في النهاية ليست غياب الأجنبي عن الأرض فقط، السيادة هي أن يعرف الجميع أن قرار الأرض والسماء والمال والسلاح والحرب والسلم يصدر من بغداد، وأن العراق يملك القدرة على حماية هذا القرار عندما يختبر.

– والعراق الذي أنتج المقاومة، قادر على أن ينتج الدولة التي تحميها.

– ومن صنع النصر في 2017 لا يحتاج إلى من يحمي سيادته في 2026.

والفراغ الذي يتحدثون عنه ليس في الأرض، بل في العقول التي لم تتخلص بعد من عقدة الخضوع للأجنبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *