مفهوم السيادة الوطنية
السيادة الوطنية هي السلطة العليا والمطلقة التي تمتلكها الدولة على أرضها ، وقدرتها على شؤونها الداخلية والخارجية بحرية دون تدخل خارجي ، ويُعد أساسا في القوانين الوطنية والدولية.
تطور مفهوم السيادة عبر التاريخ ليشمل السيادة الشعبية والوطنية، مع تعدد أشكالها بين سيادة تشريعية أو قضائية أو متعددة الجهات حسب النظام السياسي والقانوني بالدولة . ويُعد هذا المفهوم أساسيا في القوانين الوطنية والدولية، إذ يؤكد حق الدولة في تقرير مصيرها.
وتُجسد السيادة على الصعيد الدولي عبر السيطرة على الإقليم وتمثيل مصالح المواطنين والمشاركة في المحافل الدولية.
مكونات السيادة الوطنية:
١-السيادة الداخلية ، ويقصد بها فرض سلطة القانون ، وحصر السلاح بيد الدولة وحدها ، وإدارة المؤسسات بما يحقق مصلحة الشعب. كما تستطيع الدولة من اتخاذ قراراتها وتشكيل حكومتها وتعيين المسؤولين في المناصب التي تريدها ، دون ضغط أو تدخل خارجي. فالاستقلال السياسي هو الأساس الذي تستند عليه السيادة ، وبدونه تصبح السيادة ناقصة ومخدوشة.
٢- السيادة الخارجية ، وهي تمثيل الدولة في المحافل الدولية ، واتخاذ القرارات الخاصة بعلاقاتها الخارجية ومن الاتفاقيات والمعاهدات ، والمواقف تجاه الأحداث والقضايا الدولية. كما تعني حماية الحدود والمجال الجوي والمياه الإقليمية .
٣- السيادة الغذائية ، حيث أن الدولة التي تنتج طعامها وغذائها تكون محمية من المقاطعة والحصار الاقتصادي الذي تمارسها الدول الكبرى تجاه الدولة الفاشلة والضعيفة التي تعتمد على استيراد الغذاء من الخارج ، فيكون قرارها السياسي تحت رحمة أعدائها. ايران ضربت مثلاً في الاكتفاء الذاتي من انتاج الحبوب والمواد الحيوانية والألبان والخضراوات والفواكه وغيرها، فلم يعد بالإمكان تهديدها بالحصار الغذائي ، الحصار الاقتصادي الذي يشمل الصناعات والمكائن والآلات وقطع الغيار ، وعدم شراء منتجاتها الصناعية ومنها النفط.
٤- السيادة النقدية ، والمال هو العمود الفقري للدولة الناجحة ، فهم شريان الحياة للمجتمع والسوق والخدمات . ولابد ان تكون السياسة النقدية تلبي متطلبات الدولة والقطاعات العامة والخاصة ، وتتسم بالاستقرار والخطط البديلة المستعدة لأية أزمة عالمية أو إقليمية . وبذلك تكون العملة الوطنية مستقرة ، فتبعث الأمن والاستقرار في الأسواق والبنوك والمؤسسات المالية وغيرها. دولة مثل الأردن حافظت على سعر الدينار لأكثر من نصف قرن ، وسط الأزمات المالية والحروب ، رغم أنها ليست بلداً نفطياً.
٥- التصنيع الحربي ، دولة مثل العراق تقع بين بحر الأزمات والنزاعات والحروب ، لابد لها أن تصنع أغلب سلاحها داخلياً ، كي لا تضطر لشرائه من الخارج وتحت شروط الدول الكبرى ، إضافة إلى خروج مليارات الدولارات من العملات الصعبة خارج البلد.
حكومة علاوي ومغادرة بريمر
لعل أول خطوات السيادة التي جاءت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ ، جاءت من خلال تشكيل أول حكومة عراقية بعد سقوط نظام صدام ، بتشكيل حكومة مؤقتة ذات سيادة كاملة تتولى السلطة ، ترأسها الدكتور اياد علاوي في ٣٠ حزيران ٢٠٠٤ ، بالتنسيق مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الأخضر الابراهيمي ، بالتشاور مع مجلس الحكم الانتقالي. جاءت حكومة علاوي لتحل محل سلطة الائتلاف المؤقتة (الأمريكية) و(مجلس الحكم الانتقالي) الذي تشكل من عراقيين فقط. واعترفت واشنطن والجامعة العربية وبعض الدول الأخرى بها كممثل شرعي للعراق. وكانت حكومة علاوي تتمتع بصلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة ، رغم أن الولايات المتحدة احتفظت بصلاحيات واسعة في العراق خاصة في القرار العسكري والأمني وشؤون الأجواء والحدود .
في ٢٨ حزيران ٢٠٠٤ غادر رئيس سلطة التحالف المؤقتة السفير بول بريمر ، حيث جرت مراسم التسليم قبل يومين من الوعد المحدد تفادياً للعمليات الإرهابية التي كانت تتأهب لحذا الحدث الهام. وبذلك اختفى مصدر القرار الإداري والقانوني الأمريكي ، وتمتعت الحكومة العراقية بنوع من الاستقلال ، وتحقيق قدر محدد من السيادة الوطنية.
اتفاقية خروج القوات الأجنبية
مرت أربع سنوات على مغادرة الحاكم المدني بوب بريمر ، وتشكلت بعده حكومة انتقالية عام ٢٠٠٥ برئاسة الدكتور إبراهيم الجعفري ، ثم حكومة دائمة عام ٢٠٠٦ برئاسة نوري المالكي. كانت القوات الأمريكية في ذروتها ، حيث بلغ عددها (١٣٠) ألف ضابط وجندي ومستشار ، إضافة إلى المعسكرات والقواعد العسكرية . كان وجود هذه القوات تشكل ضغطاً أمنياً وسياسياً على الحكومة والبرلمان والوزارات والهيئات المستقلة ، وتتدخل كثير في توجيه القرار السياسي والإداري والترشيحات والتعيينات والانتخابات.
كانت المالكي يتبنى فكرة أن وجود قوات أجنبية على الأرض خطاً أحمر ، وتؤده في ذلك بعض الكتل والزعامات الشيعية. ويجب أن ينتهي التفويض الممنوح للقوات في نهاية عام ٢٠٠٨. فكان لابد من إيجاد مخرج للقوات الأمريكية ، إما أن تبقى كقوات احتلال بدون قرار دولي وكما كانت عليه في البداية، لأنها في البداية كانت قوات احتلال ثم صار لها غطاء من مجلس الأمن. فإما أن تعود قوات احتلال ، أو تكون هناك اتفاقية تنظم وجودها على الأرض العراقية.
كان الحديث عن اتفاقية أمدها خمسة وعشرين أو ثلاثين أو حتى خمسين سنة. كانوا يتحدثون ويريدونها كالاتفاقيات الموجودة مع كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا ، وبقية الدول التي تواجدت فيها قوات أمريكية. كان قرار المالكي يتركز: ( لن نبقي أية قوات بأي شكل من الأشكال. وافق الجانب الأمريكي على طلبنا بإنهاء بقاء القوات، لكننا اختلفنا كثيراً على المدة التي كانوا يريدون أن يبقوا فيها في العراق. وكانت أقل مدة يريدونها ( ١٥ سنة ) . في البداية كنا نُصّر على أن تكون المدة سنتان ، حتى تستطيع القوات أن تلملم وضعها ، لأنه يوجد لدينا أكثر من (٧٠٠) معسكراً ومقراً ووحدات عسكرية).
سير المفاوضات
بدأ الاجتماع الأول في وزارة الخارجية بهدف استطلاع الموقف الأمريكي أولاً ، وذلك لاعتبارات مثل:
أولاً: واشنطن تمتلك خبرة طويلة في المفاوضات مع دول العالم ، ولاسيما التي تعرضت للاحتلال الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية . وكان المالكي يريد الإطلاع على ما تريده الولايات المتحدة من وحود قواتها في العراق. بعد ذلك يجري الوفد العراقي التعديلات المناسبة على المسودة الأمريكية بما يحفظ سيادة العراق ومصالحه الوطنية.
ثانياً: صعوبة الاتفاق على مسودة مشروع بين القوى السياسية المشاركة في الحكومة ومجلس النواب في ظل انقسام سياسي داخلي حول وجود قوات أجنبية.
تعود خلفية المفاوضات إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم (١٧٩٠) في ١٨ كانون الأول ٢٠٠٧ ، والرسالة التي وجهها رئيس الوزراء المالكي إلى الأمم المتحدة في ١٧ كانون الأول ٢٠٠٧ ويطلب فيها تمديد وجود القوات الأمريكية حتى نهاية ٢٠٠٨ وأن يكون هذا التمديد الأخير لها.
وتعهد العراق والولايات المتحدة بإجراء مفاوضات بشأن وجود القوات الأمريكية. وطلب المالكي تعهداً خطياً تلتزم فيه واشنطن بإجراء مفاوضات مع العراق حول سحب القوات الأمريكية قبل أن يوجه المالكي رسالة ثانية إلى مجلس الأمن الدولي يطلب فيها تمديد بقاء القوات حتى نهاية ٢٠٠٨. استجاب الرئيس الأمريكي بوش لطلب رئيس الوزراء المالكي ، وأرسل رسالة خطية بتوقيعه يتضمن التزام الولايات المتدة بإجراء مفاوضات مباشرة تمهد لسحب القوات الأمريكية.
كان المشروع الذي قدمه المفاوض الأمريكي يتضمن:
أولاً: خلو المسودة من أية جداول زمنية لسحب القوات.
ثانياً: الإصرار على منح الحصانة القضائية للجنود والمتعاقدين المدنيين.
ثالثاًً: تخويل القوات الأمريكية سلطة القيام بعمليات عسكرية ، واحتجاز أفراد عراقيين عندما يكون ذلك ضرورياً لأسباب أمنية.
رابعاً: إقامة خمس قواعد عسكرية أمريكية في العراق ، تتواجد في مناطق حيوية ، مع وجود ثلاثين ألف جندي أمريكي مزودين بكل ما يحتاجونه ، من معدات ، وتجهيزات عسكرية ، وأجهزة اتصالات وأليات وغيرها.
من الواضح أن الولايات المتحدة تريد البقاء في العراق ولمدى طويل . وهذا ما كان يتحدث به السفير رايان كروكر والجنرال بترايوس في لقاءاتهما مع القيادات السياسية والعسكرية العراقية.
كانت واشنطن مستعدة لإجراء تعديلات على مسودة الاتفاقية لتخفيف مخاوف العراقيين من وجود قوات أجنبية على أراضيهم ، وتتلاءم مع الاتفاقيات التي وقعتها مع عدد من دول العالم من بينها ألمانيا وكوريا الجنوبية والفلبين ، فضلاً عن دول مجلس التعاون الخليجي.
سارت المفاوضات سيراً متموجاً ، تارة بهدوء ، وتارة بسجال ، تتخللها مواقف سياسية من هذا الطرف أو ذلك ، تجعلها تتوقف أحياناً. وكانت تواجه أحياناً عقداً تفاوضية تتطلب تدخل الرئيس بوش أو رئيس الوزراء المالكي. وغالباً ما يتفق الرئيسان في حوارات تلفزيونية مغلقة ، زادت على العشرين ، لمناقشة بعض العقد ، وتكون فرصة للنقاش حول قضايا سياسية وفكرية .
النقاط الست العقدية
كان الرئيس بوش إيجابياً ويريد أن يصل إلى نتيجة ، وفعلاً جاءت وزيرة الخارجية آنذاك كوندليزا رايس ومعها فريق من الخبراء الأمريكان فأطّلعوا على الفقرات الخلافيّة . يروي المالكي: كنا نجلس ونتناقش أنا وهي والمترجم في الفقرات ، ثم ننتقل إلى الغرفة الأخرى والتي فيها الخبراء لاطلاعهم على ما توصلنا إليه. وبذلك تمكنا من حل أربع فقرات من أصل ست فقرات وفق ما نحن نُريد، فقالت لي: أما النقطتين المتبقية فيجب أن أرجع بها إلى أمريكا ونناقشها هناك. وكانت النقطتان تتعلقان بالحصانة وبقاء قواعد أمريكية في العراق.
عادت كونداليزا رايس إلى أمريكا وانحلّت النقطة الخامسة، وبقيت الفقرة السادسة وهي موضوع الحصانة فقلنا لهم: الحصانة لمن ؟ فنحن لم نسمح لكم ببقاء قواتكم . وكذلك فأن الشعب العراقي من المستحيل أن يوافق على منح حصانة لقوة أجنبية على أراضيه، فما المغزى من هذه الحصانة؟ وكانت هذه الحصانة متعلقة ببقاء بعض المقرات التي تضم الخبراء العسكريين. وكان في العرف الدولي إن شراء السلاح من الدول يأتي معه خبراء لغرض التشغيل و الصيانة والتدريب ، ولكن هؤلاء أعدادهم محدودة، ومهمتهم تنتهي بانتهاء فترة التدريب. وقلنا لهم: نحن نطبّق على الخبراء الذين يأتون مع السلاح نفس ما هو مطبق على العراقيين في القانون العراقي. إذ يسمح لهم بالخطأ بالتدريب (٥%) بحصانة ، والباقي يكون مسؤولاً عنه إذا ثبت تقصيرهم. ويكون حكم الجرائم المرتكبة داخل المعسكر مختلفاً عن حكم الجرائم خارج المعسكر وفيها تفاصيل كثيرة. واستمررنا بالتفاوض إلى أن اتفقنا عليها.
مصادقة البرلمان
بموجب الدستور لن تكون الاتفاقية رسمية إلا بمصادقة البرلمان العراقي عليها. في جلسة عاصفة عقدها مجلس النواب في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٠٨ صادق مجلس النواب العراقي على اتفاقية الإطار الاستراتيجي. إذ صوّت النواب بأغلبية ( ١٤٩ ) صوتاً لصالح تمرير الاتفاقية من أصل (١٩٨) نائباً حضروا الجلسة .
أبرز بنود الاتفاقية
أولاً: انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من جميع الأراضي العراقية في موعد لا يتعدى ٣١ ديسمبر / كانون الأول ٢٠١١.
ثانياً: انسحاب القوات الأمريكية من المدن والقرى العراقي في موعد لا يتعدى تاريخ لا يتعدى تاريخ تولي قوات الأمن العراقية كامل المسؤولية عن الأمن في أي محافظة عراقية، على أن يكتمل انسحاب قوات الولايات المتحدة من الأماكن المذكورة أعلاه في موعد لا يتعدى ٣٠ يونيو/حزيران عام ٢٠٠٩ ميلادي.
ثالثاً: تتمركز قوات الولايات المتحدة المقاتلة المنسحبة في المنشآت والمساحات المتفق عليها التي تقع خارج المدن والقرى والقصبات والتي سوف تحددها اللجنة المشتركة لتنسيق العمليات العسكرية.
رابعاً: تعترف الولايات المتحدة بالحق السيادي لحكومة العراق في أن تطلب خروج قوات الولايات المتحدة من العراق في أي وقت. وتعترف حكومة العراق بالحق السيادي للولايات المتحدة في سحب قواتها من العراق في أي وقت.
خامساً: يتفق الطرفان على وضع آليات وترتيبات لتقليص عدد قوات الولايات المتحدة خلال المدد الزمنية المحددة، ويجب أن يتفقا على المواقع التي ستستقر فيها هذه القوات.
سادساً: لا يجوز لقوات الولايات المتحدة توقيف أي شخص أو القاء القبض عليه (باستثناء التوقيف أو القاء القبض على عضو من قوات الولايات المتحدة أو العنصر المدني) الا بموجب قرار عراقي.
سابعاً: لا يجوز لقوات الولايات المتحدة تفتيش المنازل أو العقارات الأخرى إلا بموجب أمر قضائي عراقي يصدر في هذا الصدد وبالتنسيق الكامل مع السلطات العراقية المختصة، باستثناء الحالات التي تدور فيها عمليات قتال فعلية.
ثامناً: عند بدء نفاذ هذا الاتفاق تتولى الحكومة العراقية المسؤولية الكاملة عن المنطقة الخضراء.
تاسعاً: يكون هذا الاتفاق ساري المفعول به لفترة ثلاث سنوات، ما لم يتم انهاء العمل به من قبل أحد الطرفين قبل انتهاء تلك الفترة عملا بالفقرة 3 من هذه المادة.
عاشراً: لا يعدل هذا الاتفاق الا بموافقة الطرفين رسمياً وخطّيا ًوفق الاجراءات الدستورية السارية في البلدين.
لقد قيل الكثير في تقييم هذه الاتفاقية من قبل المحللين والمراقبين السياسيين. بالتأكيد كانت اتفاقية انسحاب القوات الأمريكية حدثاً دبلوماسياً وسياسياً لا يضاهى في القرن العشرين ونحن في القرن الواحد والعشرين. لقد تحقق هذا الإنجاز فقط بقدرة المفاوض العراقي ، لأن الحكومة العراقية آنذاك لم تكن تملك أية أوراق ضغط على الجانب الأمريكي. فليس لديها قوات مقابلة ، ولا اقتصاد ، ولا سلاح نووي كي تلوح به ولا أي شي آخر. والأمر الأكثر صعوبة هو أن العراق كان محتلاً يضم (١٣٠) ألف عسكري أمريكي بكامل تسليحهم وطائراتهم ودباباتهم. فلم يكن يملك سوى الإرادة على تحقيق السيادة كاملة.
سقوط الموصل بداية مرحلة
كان سقوط الموصل بيد تنظيم داعش الإرهابي في حزيران ٢٠١٤ ، قد أحدث زلزالاً هائلاً في المشهد السياسي والأمني العراقي. فقد تفاجأت الأوساط العسكرية والسياسية والإعلامية بالحدث الكبير ، وسقوط محافظة بحجم نينوى بيد بضعة مئات من عناصر داعش مدعومة دولياً واقليمياً. كانت الأوضاع الداخلية في المحافظة تتجه نحو التصعيد بين الحكومة المحلية والقيادات العسكرية المكلفة بحماية المحافظة. فقد طالب المحافظ ومجلس المحافظة بخروج الجيش والشرطة الاتحادية . كما أن دخول تنظيم القاعدة على خط ساحات الاعتصام قد ساعد التنظيمات الإرهابية في التسلل إلى الجمهور المحتج. نتج عن ذلك تداعيات خطيرة بتخلي قادة الفرق العسكرية بالتهاون في مهامها ، ثم الهروب من مواقعها . كما أن قوات الشرطة المحلية قد هربت من واجباتها ، مما أتاح الفرصة أمام قوات داعش بدخول المدينة بسهولة.
من جانب آخر كانت العلاقة بين الحكومة العراقية وإدارة الرئيس أوباما في أدنى مستوياتها. إذ رفضت واشنطن بيع أسلحة وتجهيزات عسكرية وطائرات أباتشي، رغم التحديات الخطيرة بتصاعد تهديدات داعش . من الواضح أن حكومة المالكي لم تعد مرضيّة عنها لدى الإدارة الامريكية. وكان رئيس الوزراء نوري المالكي يتوقع هجوم داعش ، وأنها تقوم باستعدادات ميدانية . ورغم إلحاح المالكي على واشنطن بضرورة قصف معسكرات داعش في الصحراء الممتدة بين الموصل والرمادي ، لكن أمريكا امتنعت عن ذلك ، وكأنها تمهّد الطريق أمام داعش لاحتلال الموصل.
تأسيس الحشد الشعبي
بسبب تفاقم الوضع الأمني وهروب كثير من منتسبي الجيش والشرطة ، وترك مواقعهم ، وتسلل عناصر إرهابية لتصل إلى حدود ديالى وبغداد ، بدأ المالكي بتعبئة المتطوعين المقاتلين لسد الفراغ الأمني. وأصدر مجلس الوزراء قرارات تدعم هؤلاء المتطوعين مالياً وتسليحياً وعسكرياً ولوجستياً . وهذا قبل صدور فتوى الدفاع الكفائي من قبل المرجع السيد علي السيستاني.
فتوى الدفاع الكفائي
جاء احتلال الموصل ليهز الأوساط السياسية والنيابية والإعلامية والشعبية. الأمر الذي جعل الأنظار تتجه نحو مرجعية النجف الأشرف ، والتي سرعان ما أصدرت الفتوى التاريخية في ١٣ حزيران ٢٠١٤ . وكانت آخر فتوى بالجهاد صدرت في النجف قبل قرن ، أي في عام ١٩١٤ عندما أصدر المرجع السيد كاظم اليزدي فتوى الجهاد ضد القوات البريطانية التي نزلت في الفاو جنوب البصرة.
سرعان ما انتشرت الفتوى لتعطي زخماً كبيراً نحو الجهاد والاستبسال والمقاومة . فتداعى مئات الآلاف من المتطوعين من شباب وكبار ، حتى غصّ المعسكرات بالمتطوعين الذين هبوّا لتلبية الفتوى والدفاع عن العراق.
تواجد التحالف الدولي في العراق
بعد سقوط الموصل في حزيران ٢٠١٤ وسيطرة داعش على مدن وأراضي عراقية واسعة ، طلبت حكومة المالكي المساعدة من الدول الغربية المساعدة في مواجهة العدوان . كما طلبت حكومة العبادي الأمر نفسه من خلال وزير الخارجية إبراهيم الجعفري ، الذي دعا الدول الصديقة للعراق إلى تقديم المزيد من الدعم الأمني والعسكري المتمثل بالغطاء الجوي، والدعم اللوجستي، والمعلومات الاستخبارية ، وتوفير المساعدات الإنسانية للنازحين الذين تجاوز عددهم أكثر من مليوني نازح كانوا يعيشون في ظروف قاسية.
في نهاية ٢٠١١ انسحبت القوات الأمريكية من الأراضي العراقية ، لكنها أبقت قسماً من قواتها في قاعدة عين الأسد الجوية في الانبار ، حيث بقي (٣٠٠) جندي أمريكي كجزء من التحالف الدولي الذي شكل لمحاربة داعش. وكان دورهم الأساسي تدريب القوات العراقية على محاربة تنظيم داعش وتقديم الدعم والإسناد الجوي لها.
وقد زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قاعدة عين الأسد بشكل مفاجئ يوم ٢٦ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٨ برفقة زوجته ميلانيا ترامب للاحتفال مع الجنود الأمريكان في القاعدة بعيد الميلاد.
عقب انتهاء المهمة العسكرية لـ التحالف الدولي ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة، بدأ انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة الأسد في أيلول ٢٠٢٥. وقد اكتمل الانسحاب في كانون الثاني ٢٠٢٦، حيث تولت القوات المسلحة العراقية السيطرة الكاملة على القاعدة. في حينها امتنع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عن استقبال ترامب في القاعدة لأسباب بروتوكولية ، حيث أنه يقتضي التوجه للعاصمة بغداد ، ويستقبله هناك.
في صباح الأربعاء يوم 8 كانون الثاني 2020 قصفَ الحرس الثوري الإيراني القاعدةَ بصواريخ بالستية، ردّاَ على هجوم مطار بغداد الدولي الذي استشهد فيهِ الشهيد قاسم سليماني قائد فيلق القدس مع الشهيد أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي وعدد من المرافقين . ولم تحدث أي إصابات نتيجة الهجمات الصاروخية الإيرانية على القاعدة. وكشفت صور الأقمار الصناعية، الأضرار المادية للهجوم على القاعدة وكذلك قاعدة حرير قرب مطار أربيل ، وعن إصابة عدد من حظائر الطائرات في قاعدة عين الأسد الجوية، والتي بدت خالية. وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد ذكرت في بيان رسمي أن إيران أطلقت أكثر من ( 12 ) صاروخا على القاعدتين، فيما نقلت شبكة «فوكس نيوز» عن مسؤول قوله إن عدد الصواريخ بلغ ( 15).
توفير السلاح للمعركة
تعد عبارة (توفير سلاح المعركة) مفهوم استراتيجي وعسكري يشير إلى العملية اللوجستية التامة لتأمين العتاد والذخيرة ، والأنظمة القتالية اللازمة لإمداد القوات العسكرية بمتطلبات المواجهة الميدانية وضمان تفوقها واستمرار عملياتها. إن عملية توفير السلاح تتضمن عدة ركائز أساسية:
-الدعم اللوجستي وقوافل الامداد : ويتضمن تأمين خطوط نقل آمنة ومستمرة ، لضمان وصول الذخائر والأسلحة للمعركة إلى خطوط المواجهة الأمامية دون انقطاع ، حيث أن أي خلل في الإمداد قد يؤدي إلى خسارة المعركة سريعاً.
– التمويل المالي والموازنات العسكرية: تطلب الحروب والمواجهات العسكرية تدفقات مالية ضخمة لشراء العتاد ، أو صيانته ، أو تحديثه عبر صفقات تسليح رسمية أو تحالفات دولية تضمن الدعم المستمر.
– التصنيع الحربي المحلي: تعتمد الدول القوية على قدراتها الذاتية في انتاج السلاح والذخائر محلياً لتقليل الاعتماد على الخارج ، وتفادي فترات الحظر أو قطع الامدادات في أوقات الأزمات.
– المبادرات المحلية والشعبية: في حالات الحروب الأهلية أو حركات المقاومة والتحرر ، يبرز دور المبادرات الشعبية والتبرعات لجمع الأموال وشراء الأسلحة والذخائر لدعم المقاتلين في الجبهات.
مصدر تسليح الفصائل المسلحة
طالما أن الحديث حول سلاح الفصائل ، فكان من اللازم معرفة مصدره ، والجهات التي وفرته . هناك عدة مصادر لتسليح الفصائل المسلحة ، سواء المنضمة في الحشد الشعبي ، أو التي بقيت خارج الحشد. هذه المصادر هي:
١-المعروف أن السلاح متوفر في المدن والعشائر العراقية قبل سقوط النظام ، وهناك تقدير بأنه توجد عدة ملايين قطعة سلاح بأيدي المدنيين. ويضم السلاح الخفيف كالبنادق والرشاشات والمسدسات وبنادق القنص، والقاذفات المحمولة المتوسطة RBG ، وغيرها. والعشائر تحرص على اقتناء السلاح للدفاع عن نفسها في النزاعات العشائرية المستمرة.
٢- الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية التي حصلت عليها من الترسانة السابقة للجيش العراقي بعد سقوط النظام ، وسقوط معسكراته التي كانت منتشرة في بغداد والمحافظات. ويشمل السلاح الخفيف والمتوسط ، إضافة إلى الدبابات والمدرعات والرشاشات الأحادية والرباعية والمدافع، التي كان مصدرها روسيا ومن أوربا الشرقية.
٣- السلاح الذي زودته بها هيئة الحشد الشعبي منذ إنشائها عام ٢٠١٤، لأنها منضمة رسمياً له ، والهيئة توفر السلاح والتدريب والمعدات والرواتب وغيرها. وهذا السلاح القادم من (١٦) بلداً أغلبه أمريكي وأوربي وحلف شمال الأطلسي ، وقسم منه من دول أوربا الشرقية . وكانت الهيئة قد استولت على مخازن الجيش ، وقامت بتوزيعه على الألوية التابعة للحشد الشعبي. ويشتري العراق السلاح بمليارات الدولارات سنوياً. طبعاً الحشد لا يملك طائرات مقاتلة ، فالطائرات الحربية تملكها القوة الجوية العراقية وطيران الجيش.
٤- عند سقوط الموصل واندفاع الشباب العراقي نحو التطوع لمقاتلة داعش ، وتأسيس الحشد الشعبي ، لم تكن الحكومة العراقية تمتلك كثيراً من السلاح ، لأن كل سلاح الجيش في الموصل الذي يقدر بترسانة فرقتين عسكرتين كانت تتوليان حماية محافظة نينوى ، وهرب قادتهما وضباطهما وجنودهما ، وتركو أسلحتهم غنائم بيد داعش.
لذلك استنجد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالجارة ايران ، من خلال الجنرال سليماني ، لتوفير الأسلحة المطلوبة لتسليح المقاتلين العراقيين. وقد لبت ايران طلب العراق ، فأرسلت طائرات وشاحنات مليئة بالأسلحة المتنوعة . هذا السلاح حافظت عليه الفصائل واستخدمته في عملية تحرير الموصل إلى جانب جهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادين.
٥- بقيت ايران تجهز الحشد الشعبي والفصائل المسلحة بمختلف أنواع الأسلحة والمعدات العسكرية. وتطورت هذه التجهيزات بعد الهجمات التي قامت بها أمريكا وإسرائيل ضد مقرات ومعسكرات الحشد الشعبي ، خاصة وأنها لا تملك دفاعات جوية قادرة على التصدي لهذه الهجمات . هذه الهجمات بدأت في عام ٢٠١٧ واستمرت حتى عام ٢٠١٩ ، أي قبل الحرب بين الولايات المتحدة وايران.
بعد الاعتداء الصهيوني على قطاع غزة بعد أحداث ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣ ، والمواجهة بين ايران وأمريكا وإسرائيل ، تطور التسليح ليشمل الطائرات المسيرة مثل طائرة (شاهد ١٣٦) التي تصل إلى مدى يبلغ (٢٠٠٠) كم ، وتحمل رأساً حربياً رنة (٥٠) كغم. ومنها طائرة (الأرفد) الهجومية التي استخدمت في قصف بعض الموانئ والقواعد الصهيونية. هناك أنواع أخرى من الطائرات المسيرة، مثل (سحاب)، و(أبابيل)، و(بليكان 2)، وهي كلها إيرانية، إذ لم تتمكن الفصائل العراقية من تصنيع أي طائرة مسيرة بمفردها لغاية الآن. وتمتلك الفصائل العراقية، صواريخ باليستية قصيرة المدى، مثل «زلزال» و«فاتح 110» و«ذو الفقار» وبحسب تقارير أمريكية، فإن تلك الصواريخ دخلت العراق عام 2018، حيث استُخدم بعضها في مهاجمة إسرائيل. كما تضم ترسانة الفصائل صواريخ كروز، و«أرقب» (كروز مطوّر) وهي صواريخ إيرانية يبلغ مداها حوالي 1650 كيلومترا.
ويشير تقرير لمعهد دراسة الحرب الأمريكي (ISW)، إلى أن (من المحتمل أن تكون هجمات الطائرات بدون طيار للفصائل العراقية خلال الأيام الماضية، بمثابة عمليات استعراض للقوة بطائرات مصممة لاكتشاف أو اختبار قوة العدو، وتصرفاته، وردود أفعاله، أو للحصول على معلومات أخرى).
وأوضح المعهد في تقرير له، أن الهجوم المحتمل على إسرائيل من الأراضي العراقية، سيفيد إيران من خلال السماح لها بالحفاظ على مخزونها المتضائل من الصواريخ بعيدة المدى، حيث أطلقت أكثر من ( 400 ) صاروخ كروز وباليستي على إسرائيل في هجماتها في أبريل وأكتوبر 2024.
القوات الأمريكية تقصف مقرات الحشد الشعبي
لم تكن واشنطن مرتاحة لتنامي قوة الحشد الشعبي وانتشارها على مساحة الخارطة العراقية وخاصة قرب الحدود العراقية السورية وقرب القواعد الأمريكية في العراق. وكانت تقوم بعمليات قصف لمعسكرات الحشد وتدمير آليات وأسلحة وإلحاق الإضرار بالمشيدات فيها فضلاً عن قتل وجرح منتسبي الحشد المتواجدين هناك. ولا تتردد واشنطن في الإعلان عن مسؤوليتها عن تلك الضربات لكن أحياناً تنفي ذلك. فهي عادة ما تقول في بيانات البنتاغون أن الهجوم استهدف (فصائل مقربة من إيران) أو (استهدف مستشارين إيرانيين). وهذه جرد بأهم الهجمات التي قامت بها القوات الأمريكية:
١-في ٧ آب ٢٠١٧ قامت الطائرات الأمريكية باستهداف كتائب سيد الشهداء في الأنبار قرب الحدود العراقية السورية مكبدة خسائر بالموقع إضافة إلى استشهاد عدد من الحشد.
٢- في ١٨ تموز ٢٠١٩ قامت طائرة أمريكية مسيرة بقصف معسكر للحشد الشعبي في منطقة آمرلي التابع إلى (اللواء 16 ) أسفر عن مقتل منتسب للحشد ، وجرح اثنين آخرين. ونفت القيادة الوسطى الأمريكية أن يكون لقواتها أي دور في الهجوم الجوي على المعسكر.
وقال البنتاغون (لقد أخذنا علماً بالهجوم المحتمل على الحشد الشعبي في العراق. ونؤكد أن القوات الأمريكية لم تشارك في ذلك).
٣- في 13 آب 2019 حدثت انفجار لمستودع للأسلحة في معسكر (صقر) التابع للحشد الشعبي في منطقة أبو دشير جنوبي العاصمة بغداد ، أسفر عن إصابة (29) شخصاً. وذكر شهود عيان في المنطقة أنهم شاهدوا طائرة دون طيار أطلقت مقذوفاتها تجاه أماكن محددة من المقر الكبير الذي يضم عدداً من القوات الأمنية.
٤- في 22 آب 2019، ألقت قوات الحشد الشعبي اللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل في عدد من الهجمات على مستودعاتها وقواعدها. واتهمت المجموعة الولايات المتحدة بالسماح للطائرات الإسرائيلية بدون طيار بالانضمام إلى قواتها لشن هجمات على الأراضي العراقية. تعهدت المجموعة بمكافحة أي هجوم في المستقبل.
وكانت فصائل الحشد الشعبي قد أعلنت في 22 آب 2019 أنها استهدفت طائرة استطلاع فوق مقر اللواء 12 بالحشد الشعبي. وكانت أربع قواعد للحشد الشعبي قد تعرضت لانفجارات غامضة خلال شهر واحد، منها قصف معسكر قريب من قاعدة بلد الجوية حيث يتواجد عسكريون أمريكيون. ويتشارك في المعسكر كل من (كتائب حزب الله) و (جند الامام) في مدينة بلد بمحافظة صلاح الدين حيث تسبب القصف في تدمير واسع في المعسكر ومخازن السلاح.
وقد اتهم نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الشهيد أبو مهدي المهندس (جمال الابراهيمي) القوات الأمريكية بإدخال أربع طائرات اسرائيلية مسيرة إلى العراق عبر آذربايجان، للعمل ضمن القوات الأمريكية وتنفيذ طلعات جوية تستهدف مقرات عسكرية عراقية داخل البلاد. وأضاف : لدينا معلومات أخرى وخرائط وتسجيلات عن جميع الطائرات الأمريكية متى أقلعت ومتى هبطت وعدد ساعات طيرانها في العراق.
وتحدثت تقارير عن تورط إسرائيل في تلك العمليات، من دون أن يصدر أي اتهام مباشر بهذا الصدد، ودون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها.
وفي سياق متصل، نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية صورًا التقطت عبر الأقمار الاصطناعية لشركة ImageSat International الإسرائيلية (isi)، رصدت من خلالها حجم الدمار الذي خلفه الهجوم الذي أسفر عن الانفجار في قاعدة بلد ومستودعات الأسلحة المجاورة.
في حين كشف المحلل السياسي والعسكري الاسرائيلي باباك تغافي بأن (إسرائيل قامت بقصف معسكر الحشد الشعبي في الرطبة بغارة نفذتها طائرات أف 35 ). وقال في تغريدة له بالانكليزية بأن (الغارة أسفرت عن مقتل ستة من حرس الثورة وأعضاء نت حزب الله (العراق) وتدمير صواريخ باليستية من طراز فتح-110).
٥ – في 22 أيلول 2019 قامت طائرات مسيرة بقصف مقر لواء الطفوف التابع للحشد الشعبي في منطقة المرصنات التي تبعد 70 كم غرب مدينة الرطبة الحدودية ، بمحافظة الأنبار.
٦- في 29 كانون الأول 2019 قامت طائرات أمريكية بقصف معسكر للحشد الشعبي تابع للواء 45 و اللواء 46 حشد شعبي لكتائب حزب الله، في بلدة القائم الحدودية في محافظة الأنبار. وأدى القصف إلى استشهاد (27) جندياً وجرح خمسين آخرين.
وادعى مسؤولون أمريكيون أن الضربات الأمريكية في العراق وسوريا منشآت لكتائب حزب الله ، منها مخازن أسلحة ومواقع للقيادة والسيطرة. وأشار وزير الدفاع الأمريكي إلأى أن الضربات الموجهة إلى مقار حزب الله تأتي رداً على مهاجمة قاعدة K1 الأمريكية في كركوك قبل يومين، متهماً كتائب حزب الله بذلك.
وفي تصريح صحفي انه ( ورداً على هجمات كتائب حزب الله المتكررة على القواعد العراقية التي تستضيف قوات التحالف {عملية الحل المتأصل} {OIR}، شنت القوات الأمريكية ضربات دفاعية دقيقة ضد خمسة منشآت تابعة له في العراق وسوريا ستؤدي إلى إضعاف قدرة الكتائب على شن هجمات مستقبلية ضد قوات التحالف).
وبين ان ( الأهداف الخمسة تشمل ثلاثة مواقع في العراق واثنين في سوريا ووهي مرافق تخزين الأسلحة ومواقع القيادة والسيطرة التي تستخدمها الكتائب للتخطيط وتنفيذ الهجمات على قوات التحالف).
وبين ان (ضربات الكتائب الأخيرة تضمنت هجومًا صاروخيًا يزيد عن 30 على قاعدة عراقية بالقرب من كركوك أسفر عن مقتل مواطن أمريكي وإصابة أربعة من أفراد الخدمة الأمريكية واثنين من أفراد قوات الأمن العراقية).
وأشار الى ان ( كتائب حزب الله لها علاقة قوية مع قوة القدس الإيرانية وتلقى مرارًا وتكرارًا مساعدات فتاكة وغيرها من الدعم من إيران التي استخدمتها لمهاجمة قوات التحالف في العراق).
وتابع ان ( التحالف الدولي موجود في العراق بدعوة من الحكومة العراقية لضمان الهزيمة الدائمة لداعش وتقديم المشورة والمساعدة لقوات الأمن العراقية ).
وأكد ان ( تحترم الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف السيادة العراقية احتراما كاملا ، وتدعم عراقا قويا ومستقلا، ومع ذلك ، لن يتم ردع الولايات المتحدة عن ممارسة حقها في الدفاع عن النفس).
ولفت البيان الى انه ( من المهم الإشارة إلى أن هجمات الكتائب تسببت أيضًا في إصابة العديد من أعضاء قوى الأمن الداخلي، وقد شارك كل من الوزير إسبير ورئيس الوزراء مهدي التزامهما برؤية هذه الهجمات على قوات الأمن العراقية وقوات التحالف تتوقف إلى الأبد” مشدداً انه “على إيران وقف هجماتها على الولايات المتحدة وقوات التحالف، واحترام سيادة العراق ، لمنع أي أعمال دفاعية إضافية من جانب القوات الأمريكية).
وفي مؤتمر صحفي مشترك لوزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين صرح مايك بومبيو (ما فعلناه اليوم هو رد حاسم يوضح ما يقوله الرئيس ترمب منذ اشهر واشهر واشهر وهو اننا لا نقف متفرجين والجمهورية الاسلامية في ايران تقوم بافعال تضع حياة الاميركيين والاميركيات في خطر). وصرح وزير الدفاع الاميركي مارك اسبر: ( اتخذنا إجراءات هجومية دفاعًا عن موظفينا ومصالحنا في العراق من خلال إطلاق هجوم بطائرات F15 ضد 5 أهداف مرتبطة بكتائب حزب الله، وهي ميليشيا شيعية برعاية إيران. تضمنت الأهداف التي هاجمناها 3 أهداف في غرب العراق وهدفين في شرق سوريا والاهداف إما منشآت للقيادة والسيطرة أو مخابئ أسلحة لكتائب حزب الله). وأضاف (كانت الضربات ناجحة. عاد الطيارون والطائرة إلى القاعدة بأمان).
الموقف العراقي من الاعتداء الأمريكي
في 30 كانون الأول 2019 عقد المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي اجتماعاً لمناقشة (الاعتداء الآثم الذي حصل ضد قواتنا المسلحة في منطقة القائم) وهي (اللواء 45 ) و(اللواء 46 ) حشد. تضمن البيان ما يأتي :
1-أدانت الحكومة العراقية هذا العمل ، وتعده خرقاً لسيادة العراق ، وتجاوزاً خطيراً على قواعد عمل قوات التحالف ومنها القوات الامريكية.
2-إنفراد واشنطن بعمليات دون موافقة الحكومة العراقية،
3- العملية استهدفت قوات عراقية ماسكة لجبهة مهمة على الحدود ضد فلول داعش الارهابية، وهو ما يعرض أمن وسيادة العراق للخطر، ويهدد ايضاً أمن الجميع دون إستثناء.
4- القوات الامريكية اعتمدت على استنتاجاتها الخاصة واولوياتها السياسية، وليس الاولويات كما يراها العراق حكومة وشعباً.
5-حماية العراق ومعسكراته والقوات المتواجدة فيها والممثليات هي مسؤولية القوات الأمنية العراقية حصراً، وهي التي تقرر الحاجة الى الاستعانة بشركائها لا ان يقوم الآخرون ـ ومهما كانت المبررات ـ بذلك بشكل منفرد وبالضد من ارادة الدولة العراقية ومصالحها العليا.
6-اكد العراق مراراً وتكراراً رفضه ان يكون ساحة اقتتال او طرفاً في اي صراع اقليمي او دولي، كما بذل جهوداً مضنية لمنع الاحتكاكات والتقليل من التصادمات في بلد ومنطقة عاشت لعقود طويلة في اجواء الصراعات والتدخلات والاحتلال والحروب.
7-تهديد أمن العراق وادخاله في صراعات جانبية سيرتد على الجميع بأشد المخاطر والخسائر، وان كثيرين ممن سقطوا شهداء وجرحى نتيجة الهجوم الاخير قد ساهموا بصنع تلك الانتصارات على داعش الارهابي.
8- هذا الاعتداء الآثم المخالف للأهداف والمبادىء التي تشكل من اجلها التحالف الدولي يدفع العراق الى مراجعة العلاقة وسياقات العمل أمنياً وسياسياً وقانونياً بما يحفظ سيادة البلد وأمنه وحماية ارواح ابنائه وتعزيز المصالح المشتركة.
أما رئيس الوزراء المستقيل والقائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي فقد أدلى بتصريحات جاء فيها:
– الضربة الأمريكية على الحشد عدوان حاولنا عرقلته أو منعه لكن كان هناك إصرار على تنفيذه.
– الهجوم على الحشد لم يكن بناء على أدلة بل على مواقف سببها التوتر بين طهران وواشنطن.
– وزير الدفاع الأميركي ابلغني بنية بلاده ضرب كتائب حزب الله قبل تنفيذ الهجوم.
– رفضنا اي هجوم خارجي ومن غير الصحيح شن هجوم على العراق بهذا الشكل.
– التحالف الدولي لم يقدم اي ادلة بخصوص تورط طرف معين بقصف مقار له بالعراق.
من جانبها أدانت وزارة الخارجية العراقية (ما أقدمت القوات الأمريكية من قصف مقار ألوية تنتمي للحشد الشعبي. وهو ما نراه انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق، وعملاً مُداناً، ترفضه جميع الأعراف، والقوانين التي تحكم العلاقات بين الدول). وأضاف (نُشدِّد على أنَّ العراق بلد مُستقِلّ، وأنَّ أمنه الداخليّ يحظى بالأولويّة، والاهتمام البالغ، ولن يسمح بأن يكون ساحة صراع، أو ممرّاً لتنفيذ اعتداءات، أو مقرّاً لاستخدام أراضيه للإضرار بدول الجوار). وأنه (سوف يتم استدعاء السفير الأميركي في بغداد وإبلاغه ماتقدم وكذلك سوف يتم التشاور مع الشركاء الأوربين المنظوين في التحالف الدولي لقتال داعش للخروج بموقف موحد فيما يخص اليات العمل ومستقبل تواجد قوات التحالف في العراق).
ردود الأفعال تجاه العدوان الأمريكي
مثل أية قضية وطنية ، يكون الاختلاف في المواقف هو الأساس ، ولكل جهة رؤيتها ومصالحها وحلفائها. إذ أجمعت القوى الشيعية على إدانة الاعتداء الأمريكي على معسكر الحشد في القائم ، وطالبت بسحب القوات الأمريكية من العراق كلياً ، وبإلغاء الاتفاقية الاستراتيجية الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وأما القوى الكردية تأسفت لوقوع الحادث وعزت عائلات الشهداء. أما القوى السنية فقد أصدر تحالف القوى العراقية بياناً طالب فيه الحكومة (بالحد من نشاط المليشيات المنفلتة وضمان حياة المواطنين).
موقف السيد السيستاني من العدوان
تعليقاً على قصف القوات الامريكية لبعض القطعات الأمنية في مدينة القائم صرّح مصدر مسؤول في مكتب السيد السيستاني (دام ظله) في النجف الاشرف بما يأتي:
(ان المرجعية الدينية العليا إذ تدين هذا الاعتداء الآثم الذي استهدف جمعاً من المقاتلين المنضوين في القوات العراقية الرسمية وأدّى الى استشهاد وجرح عدد كبير منهم، فإنها تشدّد على ضرورة احترام السيادة العراقية وعدم خرقها بذريعة الردّ على ممارسات غير قانونية تقوم بها بعض الأطراف. ان السلطات الرسمية العراقية هي وحدها المعنية بالتعامل مع تلك الممارسات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنعها، وهي مدعوّة الى ذلك والى العمل على عدم جعل العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية وتدخل الآخرين في شؤونه الداخلية. بتاريخ 30 كانون الأول 2019).
تضمن موقف المرجعية ما يأتي:
1-سمت الأشياء باٍسمائها ، وأنه (إعتداء آثم) وليس أي وصف آخر فيه مجاملة. وأن (اعتداء) وليس (رد دفاعي) كما قالت واشنطن.
2-إن شهداء الحشد الشعبي هم (مقاتلون منضوون في القوات العراقية الرسمية) فهي ليست ميليشيات تابعة لدولة أخرى كما تصفهم واشنطن أو بعض الأصوات العراقية والعربية.
3-التأكيد على (ضرورة احترام السيادة العراقية وعدم خرقها بذريعة الرد على ممارسات غير قانونية تقوم بها بعض الأطراف). وهذا درس لمن يدافع عن الضربة الأمريكية تحت أي مبرر أو ذريعة.
4-إن الحكومة العراقية (والسلطات الرسمية العراقية وحدها المعنية بالتعامل مع تلك الممارسات واتخاذ الاجراءات الكفيلة بمنعها). فلا ينصب أحد أو جهة سياسية نفسها بدلاً عن الحكومة ، ويقرر هذا الأمر أو ذاك.
5- المرجعية تدعو الدول المجاورة والقوى الأجنبية إلى (عدم جعل العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية وتدخل الآخرين في شؤونه الداخلية). وهي دعوة لايران وأمريكا بالكف عن الصراع على الأرض العراقية وإيقاع أضرار وخسائر بشرية بين العراقيين.
مصرع سليماني والمهندس ذروة التصعيد
في ليلة 2 على 3 كانون الثاني 2020 قامت طائرة أمريكية بتوجيه صاروخين على سيارتين خرجتا تواً من صالة مطار بغداد الدولي ، في طريقهما إلى البوابة الخارجية للمطار. استهدفت الضربة الأمريكية قائدين عسكريين هم قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني (1957-2020) ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، ومعهما خمسة مرافقين إيرانيين وخمسة عراقيين. إدت الضربة إلى احتراق السيارتين فوراً وتدميرهما بالكامل مع الركاب.
من الواضح عدم وجود تلازم بين حادث القائم وحادث الاغتيال، لأن سليماني كان ضمن أهداف المخابرات الأمريكية منذ أكثر من عقد. وبسبب حيطته وحذره في الحركة والانتقال فقد نجا من عدة محاولات اغتيال من قبل، لكن المعلومات الأكيدة التي حصلت عليها المخابرات الأمريكية من مغادرته مطار دمشق ونزوله في مطار بغداد ، وركوبه سيارته الطريق العسكري الذي لا يمر بضباط الجوازات أو نقاط السيطرة ، كل ذلك أدى إلى التعجيل بالضربة قبل خروجه من المطار. ويعني ذلك أن من أوصل المعلومة، هو قريب من الأجهزة الأمنية وأماكن تواجدها في المطارين. وهناك معلومات بأنه تم تأخير إقلاع الطائرة من مطار دمشق كي يتم اتخاذ استعدادات للقيام بالضربة.
وأما اغتيال الشهيد أبو مهدي المهندس فقد قيل أنه جاء عرضاً لأنه قدم لاستقبال الشهيد سليماني لاصطحابه إلى محل اقامته. وجاء معه مجموعة من شباب الحشد الشعبي من تشريفات وحمايات، وكان قدرهم الشهادة. إذ أطلقت طائرة أمريكية صاروخين على الموكب المؤلف من سيارتين (كيا نوع ستاربكس والأخرى تويوتا إيفيلون) فأصبتهما إصابة مباشرة ، ودمرتهما تماماً ، بما فيها أجساد ركابها جميعاً.
موقف السيستاني من الاغتيال
سببت الضربة الأمريكية الثانية (مطار بغداد) التي هي أقوى من الأولى (القائم) تأثيراً داخلياً واقليميا ودولياً ، أدت إلى صدمة شعبية وسياسية نظراً للخسارة الكبيرة بفقد قائدين عسكريين مرة واحدة. وبدأت التكهنات بالرد العراقي والإيراني على الجريمة الأمريكية، و،تائج ذلك على الساحة العراقية والوضع الأمني إذا ما قررت فصائل الحشد الشعبي الرد حسب طريقتها أي قصف السفارة أو القواعد الأمريكية ، وما يسببه من تصعيد غير محسوب.
وكانت الأنظار تتجه إلى المرجع السيستاني لضبط الأمور وعدم انفلاتها من عقالها بسبب الغضب الشعبي والتوتر السياسي. جاءت خطبة المرجعية في اليوم التالي للجريمة أي في 3 كانون الثاني 2020 لترسم الخطوط العامة للموقف المطلوب وهي:
1-توصيف دقيق للوضع العام للعراق بأن (الأحداث تتسارع عليه، وتتفاقم الأزمات ، ويمر البلد بأخطر المنعطفات) . وهذا يعني أن العراق مقبل على تحديات وأزمات خطيرة أكبر مما مرت به من قبل.
2-إدانة (الاعتداء الآثم) الذي قامت به القوات الأمريكية، فهي ليست ضربة عسكرية أو أي وصف آخر بعيد عن الاعتداء. وأن الاعتداء استهدف ( مواقع القوات العراقية في مدينة القائم وادى الى استشهاد وجرح العشرات من ابنائنا المقاتلين) الذي وقع في 30 كانون الأول 2019 . وهذا تذكير بأن المرجعية تعتز بمقاتلي الحشد الشعبي، وأنهم جزء من القوات العراقية وليسوا ميليشيات كما تصفهم بعض وسائل الاعلام .
3-وصفت مقتل الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بأنه (أعتداء غاشم ) وأنه (خرق سافر للسيادة العراقية) التي على الحكومة العراقية الدفاع عنها كواجب وطني وقانوني. و(انتهاك للمواثيق الدولية) ومنها ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع اللجوء للعنف في حل المنازعات بين الدول.
4-تأبين الشهيدين اللذين سمتهمها (أبطال معارك الانتصار على الارهابيين الدواعش) فهذا وسام آخر تعلقه المرجعية على صدور هؤلاء القادة المجاهدين، إضافة إلى وسام الشهادة.
5-بعد سرد هذه الأحداث تصل المرجعية إلى نتيجة أن (هذه الوقائع وغيرها تنذر بان البلد مقبل على اوضاع صعبة جداً). وهذه رؤية سياسية وأمنية تنذر بأن العراق سيواجه أوضاعاً صعبة جداً. وهو وصف لم يسبق للمرجعية استخدامه إلا في سقوط الموصل عام 2014 ، واضطرت آنذاك إلى إعلان فتوى الجهاد الكفائي.
6-المرجع يوصي الحكومة والبرلمان والزعامات السياسية التي سماها بالأطراف المعنية (ضبط النفس والتصرف بحكمة). وهو توجيه مباشر لأصحاب القرار في العراق بأن لا يتهوروا في المواقف الانفعالية أو اتخاذ قرارات سريعة غير مدروسة تؤدي إلى نتائج سلبية على العراق وشعبه.
7-تدعو المرجعية الله سبحانه وتعالى (بأن يدفع عن العراق وشعبه شر الاشرار وكيد الفجار). وتصف أعداء العراق بأنهم أشرار وفجار، ونادراً ما تستخدم هذه العبارات لوصف أطراف دولية بل عادة تقتصر على وصف الدواعش الارهابيين.
8-يختم المرجع الأعلى خطبة الجمعة بدعاء لم يسبق استخدامه ، وهو دعاء كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يستخدمه عند بروزه للحرب. وقد ورد في كتاب نهج البلاغة وهو (اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ وَ مُدَّتِ الْأَعْنَاقُ وَ شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ وَ نُقِلَتِ الْأَقْدَامُ وَ أُنْضِيَتِ الْأَبْدَانُ، اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ وَ جَاشَتْ مَرَاجِلُ الْأَضْغَانِ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ تَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا وَقِلَّةَ عَدَدِنَا، فَفَرِّجْ عنا يَا رَبِّ بِفَتْحٍ مِنْكَ تُعَجِّلُهُ، وَ نَصْرٍ مِنْكَ تُعِزُّهُ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ”).
9-فسماحته يتوقع حرباً ضروساً تتلاطم فيها الأحقاد والكراهية غير المنضبطة التي كشفتها الجرائم الأمريكية المتلاحقة.
10-ويشكو سماحته إلى الله تعالى تشتت أهواء الساسة العراقيين ، وتفرق الكتل السياسية التي ما تزال متفرقة ، ولا تجتمع على المصلحة الوطنية ، وعلى الدفاع عن العراق وسيادته وشعبه.
إلغاء التواجد الأجنبي في العراق
بعد الحادث الارهابي الذي قامت به أمريكا على سيارة مدنية في مطار مدني ، تصاعدت الدعوات لطرد القوات الأمريكية من العراق. أدت الحملات الاعلامية إلى تعبئة الشارع الشيعي الذي شعر باخيبة من التصرف الأمريكي الأهوج، واغتيال اثنين من قادته الذين قارعوا داعش وألحقوا بها هزيمة منكرة.
في جلسة مجلس النواب يوم الأحد 5 كانون الثاني 2020 قام النواب بالتصويت على قرار يتضمن إلغاء طلب المساعدة الدولية السابقة عام 2014 لمواجهة داعش. إذ شاركت أكثر من ستين دولة في إرسال قوات وأسلحة وأعتدة وطائرات مقاتلة ومراكز مراقبة وغيرها.
صوّت على القرار (174) نائباً ، اثنان منهم فقط من السنة ، والباقي من الشيعة ، بغياب الكتل الكردية والسنية، التي رفضت خروج القوات الأمريكية من العراق.
تضمن القرار ما يأتي :
حرصا على سلامة العراق وسيادته على أراضيه وشعبه ووفقا للصلاحيات أصدر القرار الآتي:
إلزام الحكومة العراقية بحفظ سيادة العراق من خلال:
أولاً: إلغاء طلب المساعدة المقدم منها إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش وذلك لانتهاء العمليات العسكرية وتحقيق النصر والتحرير.
ثانياً: على الحكومة العراقية الالتزام بإنهاء تواجد أي قوات أجنبية في الأراضي العراقية ومنعها من استخدام الأراضي والمياه والأجواء العراقية لأي سبب كان.
ثالثاً: تلتزم الحكومة العراقية بحصر السلاح بيد الدولة.
رابعاً: على الحكومة ممثلةً بوزير الخارجية التوجه بنحو عاجل إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وتقديم الشكوى ضد الولايات المتحدة؛ بسبب ارتكابها انتهاكات وخروقات خطيرة لسيادة وأمن العراق.
خامساً: قيام الحكومة العراقية بإجراء التحقيقات بأعلى المستويات لمعرفة ملابسات القصف الأميركي وإعلام مجلس النواب بالنتائج خلال سبعة أيام من تاريخ هذا القرار.
سادساً: يُنفذ هذا القرار من تاريخ التصويت عليه).
ردود الأفعال الدولية والداخلية حول القرار
بعد التصويت على القرار بدأت ردود الأفعال الدولية تنطلق من هذه العاصمة وتلك، وأولها واشنطن. إذ أخذ الرئيس دونالد ترامب ينشر تغريداته تتضمن تهديدات للشعب العراقي بالعقوبات الخطيرة. فقد قال :
– ترامب يهدد بعقوبات ضد بغداد ويقول إن بلاده لن ترحل عن العراق حتى يدفع ثمن القاعدة الأمريكية هناك.
– لدينا قاعدة جوية في العراق باهظة التكلفة احتاجت مليارات الدولارات لبنائها لن نغادرها إلا إذا دفعوا لنا تكلفتها.
– ترامب: إذا طالب العراق برحيل القوات الأمريكية ولم يتم ذلك بشكل ودي سنفرض عليه عقوبات لم ير مثلها من قبل.
– ترامب تعليقا على قرار البرلمان العراقي: سنفرض عليهم عقوبات ستكون العقوبات على إيران بجوارها شيئا صغيرا.
أما الخارجية الأمريكية فقد (أعربت عن خيبة أملها عن خيبة املها بشأن تصويت البرلمان العراقي على اخراج القوات الاجنبية). واضاف بيان ، صادر عنها في 5 كانون الثاني 2020 ، أن) واشنطن تحث القادة العراقيين أن يأخذوا بعين الاعتبار أهمية العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين البلدين”، لافتة الى “اننا نعتقد ان مواصلة قتال داعش مصلحة مشتركة لواشنطن والعراق).
وحاولت الخارجية الأمريكية أن تقلل من قرار البرلمان، حيث صرح وزير الخارجية الامريكي بومبيو رداً على تصويت مجلس النواب بما يلي:
-الحكومة العراقية تعرضت لضغوطات كبيرة من الايرانيين بشأن هذا القرار .
– لا يمكن تطبيق هذا القرار على ارض الواقع لان معظم العراقيين يرفضون تواجد الميليشيات في شوارعهم .
– الحكومة التي صوتت هي فاقدة للشرعية و عادل عبد المهدي مستقيل لذا لا يمكن الاخذ بقرارتهم .
– نحن مستمرون في العراق و لا نهتم لهكذا قرارات مرفوضة من قبل الشعب العراقي الحقيقي و نحنُ نقاتل في سبيل تحقيق مطالب متظاهري العراق .
– مستمرون في مكافحة الارهاب وأجواء العراق هي تحت سلطة القوات الجوية الامريكية.
من جهة أخرى صدرت تصريحات من بكين وبرلين تتهم التهديدات الأمريكية للعراق بأنها متهورة. إذ صرح الرئيس الصيني شي جين بينغ: واشنطن قتلت نفسها بالعراق بعد اطلاق تهديدات غير مدروسة ، وان بغداد لن تتأثر بعقوباتها والاتفاقية الاستراتيجية بين العراق، والصين سوف تغني بغداد عن العقوبات وسنضاعفها ، وسينظر العالم كيف سيصبح العراق من اعظم الدول اقتصادياً في المنطقة، ونقدم المشورة والتسهيلات اللازمة لبغداد في حال رغبت بذلك.
كما عبرت الخارجية الصينية عن رفضها الاستخدام الجائر للتهديد بالعقوبات. وأضاف بيان صادر عنها أن:
– ضمان السلام والاستقرار في منطقة الخليج أمر حيوي للغاية للعالم كله.
– الخارجية الصينية تدعو واشنطن إلى عدم إساءة استغلال القوة وتحث الأطراف المعنية على التحلي بضبط النفس.
– الخارجية الصينية تعبر عن القلق الشديد إزاء الوضع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران.
وصرح وزير الخارجية الألماني بأن تهديدات الولايات المتحدة بفرض عقوبات على العراق لا تفيد.
العراق يرفع شكوى لمجلس الأمن الدولي
قدم السفير العراقي في الأمم المتحدة محمد حسين بحر العلوم شكوى رسمية إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن. أقر السفير بحادث قصف قاعدة ( ك 1) في كركوك، ثم تناول قيام (الولايات المتحدة بصورة منفردة بقصف مقرات مشتركة للجيش العراقي والحشد الشعبي قرب الحدود العراقية السورية ، ودون التشاور مع الحكومة العراقية أو فسح المجال والوقت المناسبين لاستكمال التحقيقات في ملابسات الحادث). كما تناول السفير (التظاهرات التي وقعت أمام السفارة الأمريكية في بغداد، تضمنت بعض المحاولات للاعتداء على السور الخارجي لمبنى السفارة. وأن الحكومة العراقية قد أنهت بصورة سلمية الاعتصام وعززت الحماية حول السفارة).
وجاء في المذكرة بأن الحكومة العراقية (تفاجأت بالعمل العسكري الذي قامت به قوات الولايات المتحدة في تمام الساعة 1,45 بعد منتصف الليل بتاريخ 3 كانون الثاني 2020 بقصف سيارتين في محيط مطار بغداد الدولي (مطار مدني) كانت تقل مواطنين عراقيين وضيوفاً لهم. مما أدى الى اغتيال قائد عسكري عراقي يشغل منصباً رسمياً هو نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الشهيد جمال جعفر محمد (أبو مهدي المهندس) مع ثلة من الشهداء من القيادات العراقية والصديقة. وهو ما يُعَد عدواناً على العراق دولة وحكومة وشعباً ، وخرقاً فاضحاً لشروط تواجد القوات الأمريكية في العراق، وتصعيداً خطيراً يشعل فتيل حرب مدمرة في العراق والمنطقة والعالم. كما يعرّض الأمن المجتمعي في العراق لخطر كبير).
بعد أن أدانت الحكومة العراقية تلك الهجمات والاعتداءات الأمريكية التي تنتهك سيادة العراق وأحكام القانون الدولي، طالبت بأن لا تكون أراضي العراق ساحة لاستهداف دول الجوار، وأن أي تحركات أو عمليات عسكرية في الأراضي العراقية دون موافقة الحكومة العراقية يُعد تصرفاً وعملاً استفزازياً وعدائياً ينتهك ميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي).
وفي الختام دعت الحكومة العراقية مجلس الأمن (إلى إدانة عمليات القصف والاغتيال التي تعد (إعداماً خارج نطاق القضاء) وتتعارض مع التزامات الولايات المتحدة في مجال حقوق الانسان، وأن ذلك يجب أن لا يكون وسيلة للتهرب من المسؤولية الدولية).
لغز رسالة التحالف الدولي
في السادس من كانون الثاني 2020 وصلت قيادة العمليات المشتركة رسالة من قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) بتوقيع العميد وليام سيلي الثالث. تتضمن الرسالة (إحتراماً لسيادة جمهورية العراق ، وحسب ما طلب من قبل البرلمان العراقي ورئيس الوزراء، ستقوم قوة المهام المشتركة -عملية العزم الصلب بإعادة تمركز القوات خلال الأيام والأسابيع القادمة).
( ومن أجل تنفيذ هذه المهمة ، يتوجب على قوات التحالف اتخاذ إجراءات معينة لضمان الخروج من العراق بشكل آمن وكفوء).
( وستقوم قوات التحالف باتخاذ كافة الاجراءات للتقليل من وتخفيف الازعاج للعام. ولهذا السبب ستتم تنفيذ المهمات خلال ساعات الليل والذي سوف يساعد على زيادة الحيطة، ولن يفهم الانسحاب على أنه يتم جلب المزيد من القوات).
(حيث نبدأ بتنفيذ المرحلة القادمة من العمليات، أؤكد على قيمة شراكتنا، ودعوتكم لنا لدعم جمهوريتكم في وقت الحاجة خلال هزيمة تنظيم داعش، فإننا نحترم القرار السيادي الذي طالب برحيلنا).
بعد نشر الرسالة في وسائل الاعلام جاءت ردود الأفعال من الادارة الأمريكية التي وصفتها تارة بأنه مجرد مسودة غير موقعة ، وتارة بأنها ذهبت بالخطأ إلى القيادة العسكرية العراقية. فيما أعلن وزير الدفاع الأمريكي بأن القوات الأمريكية لن تنسحب من العراق. من جانبه أبدى رئيس الوزراء عبد المهدي من وصول الرسالة ثم النفي الأمريكي لها وتساءل: في العراق عادة لدينا سياق الاستفسار عن صحة صدور الكتاب الرسمي، ولكن لا يوجد هكذا سياق مع الدول الأخرى ولا مع المنظمات الدولية، فكيف نعرف أن الرسالة صحيحة وأن قوات التحالف تقصد ما ورد فيها فعلاً؟ أم أنها صحيحة وتراجعوا عنها؟
حصر السلاح بيد الدولة
(حصر السلاح) أو (تنظيم السلاح) أو (نزع السلاح) عدة عبارات تستخدم لتوصيف الهدف المرجو من العلاقة مع الفصائل المسلحة. فالولايات المتحدة كثيرًا ما استخدمت مصطلح “نزع السلاح”، بينما اعتمدت السلطات العراقية على “حصر السلاح”، في حين أن التوصيف الأدق هو “تنظيم السلاح” أو “إدارته”. إن هذا السلاح لم يُستخدم يومًا ضد الدولة العراقية، بل كان عنصرًا أساسيًا في حمايتها، خصوصًا خلال أحداث عام 2014، حيث شكّل دعمًا رئيسيًا للقوات المسلحة. وأكد أن توجيه هذا السلاح كان بالأساس ضد القوات الأميركية، باعتبارها مصنفة كعدو من قبل فصائل المقاومة، وأن استخدامه ضد المصالح الأميركية كان مرتبطًا ببلوغ المعادلة الصفرية في العلاقة بين الطرفين.
يُقصد بعبارة أن (السلاح المنفلت يكون بيد الدولة حصراً . وعدم السماح بحمله من أية جهة أو فصيل أو جماعة ). وقد أكدت المرجعية الدينية عليه في عدد من خطبها ، كما ورد في البرامج الحكومية ، باعتباره جزءً من مقومات استقرار الدولة ومؤسساتها ، وتوطيد أمن المجتمع والمواطن.
ورغم وجود مجاميع ومنظمات وفصائل كثيرة تحمل السلاح لكن التأكيد يتركز على فصائل المقاومة الإسلامية مثل (كتائب حزب الله) و (عصائب أهل الحق) و (حركة النجباء) و (تشكيل الوارثين) و (كتائب سيد الشهداء) و(سرايا أولياء الدم) دون غيرها . وكانت هذه الفصائل قد شنت هجمات على معسكرات أمريكية أدت إلى سقوط قتلى . كما أسقطت طائرة أمريكية من نوع (كي سي ١٣٥).
وقد أبدت هذه الفصائل استعدادها لتسليم السلاح إلى الحكومة ، وقد بدأ بعضها فعلياً بتسليم سلاحه ، وإغلاق مقراته مثل (عصائب أهل الحق) . وأعلنت أخرى مثل (كتائب سيد الشهداء) “التزامنا بالاتفاق المبرم بين الأطراف المعنية ، وبما جاء بخطاب القائد العام للقوات المسلحة العراقية . ما لم يُقدِم الطرف الآخر على مخالفة التزاماته وفق البنود الموقع عليه”.
كما أعلن السيد مقتدى الصدر أن (سرايا السلام) التابعة له عن تسليم أسلحتها ، عقب أطلق رئيس الوزراء علي الزيدي عن برنامجه بحصر السلاح بيد الدولة بحلول ٣٠ أيلول ٢٠٢٦.
لجأت بعض الفصائل إلى فك ارتباطها بالحشد الشعبي وتسليم سلاحها ضمنيًا للدولة، وهو ما يُعرف بمسار “حصر السلاح” أو “تنظيمه”. وأضاف أن هذه الخطوة جاءت بدافع حماية النظام السياسي من العقوبات الدولية وضمان استمرار تدفق الدولار إلى العراق، لتجنب هزات اقتصادية وسياسية.
أعلنت الحكومة العراقية بوضوح ضرورة فك ارتباط الفصائل بالكيانات الحزبية أو السياسية وأجنحتها العسكرية، بحيث يُحصر السلاح تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة، مع إمكانية إجراء تغييرات أو تدوير في القيادات ضمن سياق تنظيمي طبيعي.
إن الدستور العراقي يبقى المرجعية الأساسية عند حدوث أي التباس أو تشويش سياسي. فالدستور كان واضحًا جدًا في هذه النقطة، إذ نصّ على أن القوات المسلحة تخضع للسلطة المدنية والسياسية والأمنية، وأن إنشاءها وإدارتها من الاختصاصات الحصرية للسلطة الاتحادية وفق المادة ( 110).
إن هذا النص الدستوري يزيل أي خلاف أو عائق أمام تسليم السلاح من قبل الفصائل أو العشائر إلى الدولة بشكل سلمي، مؤكدة أن التعاون مع الحكومة العراقية يجب أن يكون بعيدًا عن الشخصنة، وأن الفصائل مطالبة بالاندماج في مؤسسات الدولة بروح إيجابية.
فيما أعلنت ولكن هناك من يضع شروطاً يتم تنفيذها بالتزامن مع تسليم السلاح تدريجياً ، مثل:
١-انسحاب جميع القوات الأجنبية المنضمة للتحالف الدولي ، الذي يضم أكثر من عشرين دولة تقوده الولايات المتحدة ، وأستراليا، بلجيكا، كندا، الدانمارك، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا (تدريب قوات)، هولندا ونيوزيلندا (استطلاع، دعم لوجستي، تدريب القوات)، النرويج (استطلاع)، إسبانيا، تركيا والبرتغال (تدريب قوات).
٢- انسحاب القوات التركية التي أقامت معسكرات لها في شمال العراق ، لمواجهة حزب العمال الكردستاني الذي يتخذ من الأراضي العراقية ملاذاً له ، لشن هجمات على القواعد التركية. في الأول من تشرين الأول ٢٠٢٦ أعلنت أنقرة أنها قامت بتسليم قاعدة بعشيقة زليكان تدريجياً الواقعة قرب الموصل ، وفق الآليات المتفق عليها مع السلطات العراقية. وكانت تركيا قد أنشأت القاعدة عام ٢٠١٥ في ذروة الحرب على داعش، وتضم (٩٠٠) جندي تركي ومدرج للطيران وأنفاق سرية ، فضلاً عن مئات الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. وكان تأسيس المعسكر وافتتاحه بعد حصوله على الموافقات الرسمية من الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، كونه يضم 4 آلاف مقاتل يتبعون محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي. إن تسليم قاعدة بعشيقة يأتي في ضوء التقدم الذي أحرزته حكومة العراق بتطبيق الإجراءات الأمنية في مدينة سنجار التي يتمركز فيها مسلحون أكراد معارضون لتركبا.
٣- بعض الفصائل اشترطت استقلال القرار السياسي العراقي من النفوذ الأمريكي ، وهذا شرط يبدو صعباً إن لم يكن مستحيلاً ، بسبب تعقيدات الوضع العراقي وتأثير النفوذ الأمريكي عليه من إسقاط نظام صدام في ٩ نيسان ٢٠٠٣ بفعل الغزو الأمريكي للعراق. إن الولايات المتحدة، سواء في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو الآن، سعت إلى فرض علاقة أحادية وصفرية، ما أدى أحيانًا إلى صدام مباشر، في حين لعبت الوساطات الحكومية دورًا في تهدئة الموقف.
٤- وجود خلاف بين المسارين الأميركي والعراقي؛ فواشنطن تركز على سحب الأسلحة التي تهدد إسرائيل مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بينما الحكومة العراقية تتعامل مع ملف السلاح المتوسط والثقيل الذي بحوزة الفصائل.
٥- طالبت بعض الفصائل شمول قوات البيشمركة في إقليم كردستان بخطة «حصر السلاح»، وفق قانون جديد ، يشرعه مجلس النواب العراقي. وأن «عدداً من مسؤولي الفصائل أبلغوا شخصيات في (الإطار التنسيقي) بأن حصر السلاح ينبغي أن يطبق على الجميع، مبيناً أن المقترح يهدف إلى حصر وتنظيم وإدارة السلاح في جميع أنحاء البلاد ضمن إطار قانوني موحد، بما يمنع الانتقائية في تطبيق الإجراءات على جهة دون أخرى).
وأشارت المصادر إلى أن (المرحلة المقبلة ستشهد تشكيل لجنة تتولى إعداد مسودة قانون خاصة بحصر السلاح وتنظيمه وإدارته، على أن تخضع للمراجعة القانونية قبل إحالتها إلى مجلس النواب للتصويت، وبمشاركة القوى السياسية).
٦- أن الفصائل التي ترفض نزع السلاح لا تسعى إلى مواجهة مع الدولة العراقية، لكنها لا تزال غير مقتنعة بأن الضمانات المقدمة لها كافية. وأوضح أحد المصادر أنه “لا توجد ضمانات” بشأن سلامة قادة الفصائل بعد تسليم أسلحتهم، معتبرًا أن الولايات المتحدة وإسرائيل سبق أن أخلفتا تعهداتهما. وأضاف أن الفصائل تطالب أيضًا بضمانات تؤدي إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، وألا تتعرض لاحقًا للملاحقة السياسية أو الأمنية. فإن هذه الفصائل تطالب بضمانات تكفل حماية قادتها وعناصرها من أي استهداف مستقبلي، وألا تتعرض للملاحقة السياسية أو الأمنية داخل العراق، إضافة إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي في البلاد. وترى هذه الجماعات أن التخلي عن أسلحتها، في ظل استمرار التوترات الإقليمية، سيجعلها عرضة للخطر.
مخاوف تسليم السلاح
تتوارد الكثير من المخاوف والهواجس لما بعد تسليم الفصائل سلاحها ، وتعود إلى عدة أمور منها:
١-تكرار السيناريو السوري عندما زجّت تركيا بقواتها لدعم الجماعات الإرهابية مثل (تحرير الشام) و(النصرة) وغيرها لشن هجمات متواصلة ، واحتلال المدن السورية واحدة تلو الأخرى حتى سقطت دمشق في ٨ كانون الأول ٢٠٢٤ . وبذلك سقط نظام بشار الأشد وهرب هو وعائلته إلى الخارج. وكانت انقرة قد اتفقت مع واشنطن وإسرائيل على إسقاط النظام وتوفير غطاء جوي ودعم لوجستي وتوفير معلومات استخبارية وصور جوية لمعسكرات وقواعد النظام السوري.
هذا السيناريو يمكن تكراره في العراق من قبل تركيا وأمريكا وإسرائيل ، فكلها لا ترغب ببقاء النظام السياسي العراقي الذي يقوده الشيعة “الموالون لإيران” كما يصفها اعلامها.
لقد سبق لبعض فصائل المقاومة المشاركة في العمليات العسكرية في سوريا ، لمواجهة الجماعات التكفيرية مثل جبهة النصرة . إذ دافعت عن حلب (٢٠١٢-٢٠١٦) ، و معركة دير الزور (٢٠١٧-٢٠١٩) ، والدفاع عن مرقد السيدة زينب في ضواحي دمشق.
٢- تكرار سيناريو سقوط الموصل في حزيران ٢٠١٤ عندما اندفعت قوات داعش من سوريا إلى العراق في عملية سريعة مدعومة أمريكياً ، في اطار مشروع أمريكي لإعادة رسم خارطة المنطقة ، بعد تعاظم دور داعش الإقليمي واحتلال الرقة في آذار ٢٠١٣ . أصبحت داعش التنظيم الأكثر شراسة ، واثارة الرعب في سوريا ، خاصة بعد وصول مقاتلين من العراق. واستقطبت داعش تنظيمات إرهابية أخرى ، كما جذبت متطوعين من أوربا ودول آسيا الوسطى من الشيشان والآوزبك والقرغيز، إضافة الى العرب من فلسطين وتونس ومصر والسعودية. كانت الجماعات التكفيرية تحظى بدعم مالي خليجي ولوجستي تركي.
من الواضح أن عملية سقوط الموصل كانت تهدف بالأساس إلى إجبار المالكي على التنحي من منصبه. فمن بين المؤشرات على تورط واشنطن المبكر في تنحية المالكي ، هو رفض السفير الأمريكي في بغداد روبرت ستيفن بيكروفت Robert Stephen Beecroft ، إيصال المساعدات الغذائية بواسطة طائرات هليكوبتر أمريكية إلى قضاء تلعفر الذي كان يخضع لحصار داعش. وأصر السفير على ربط إيصال المساعدات إلى مدينة تلعفر ، التي تقع وسط جزيرة نينوى ، بتنحي المالكي كشرط مسبق.
واليوم تملك الجماعات الإرهابية دولة بكل مقوماتها ، وترسانة متراكمة ، وعناصر تكفيرية ، جربّت قوتها في إقامة مذابح ضد الدروز والشيعة بعد أشهر من وصولها للسلطة. وسبق أن هددت علناً بمهاجمة كربلاء المقدسة والنجف الأشرف ، وهي أبرز مقدسات الشيعة.
ويمكن للجماعات الإرهابية القادمة من سوريا مهاجمة الأراضي العراقية من خلال اختراق الحدود التي يبلغ طولها (٦٣٠) كم . كما أن المدن السنية العراقية المحاذية لسوريا مثل مدن الأنبار ونينوى أبدت استعدادها لدعم أية عمليات لإسقاط النظام الحالي في العراق . ولم تخف الزعامات السنية في العراق اعجابها بتجربة الجولاني ، وخاصة بهيمنة الطائفة السنية على كل الأمور في سوريا ، وعدم فسح المجال للطوائف الأخرى ، وحرمانها من المشاركة في صناعة القرار السوري. وسبق لمحافظات الموصل وكركوك وديالى والانبار من توفير حواضن لاستقبال عناصر القاعدة وداعش ، واحتضانها وتوفير كل السبل لها لمهاجمة القوات العسكرية العراقية والمؤسسات الحكومية.
الجدير بالذكر أن الأوساط الدبلوماسية والاعلامية ، في تشرين الأول ٢٠٢٦ ، تتحدث عن مشروع إرسال قوات سورية إلى السعودية للمشاركة في المعرك ضد أنصار الله الحوثيين في اليمن. وهذا يعني أن سوريا أصبحت محط اهتمام دول الخليج وأمريكا للعب دور إقليمي يخدم مخططاتها.
٣- الجميع يدرك أهمية قوة الحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية في التصدي لداعش وهزيمتها ، واستقرار الأمن في العراق. وما زالت الكثير من ألوية الحشد منتشرة على الأراضي العراقية لحماية المدن والمناطق السكنية والطرق الجسور ومراقبة الحدود مع الدول المجاورة عدا إقليم كردستان ، لوجود حرس الإقليم الذي يقوم بهذه المهام. وهناك من يعتقد أن تسليم سلاح المقاومة يعني حرمان القوى الأمنية من عنصر حاسم في المعارك مع الجماعات الارهابية . فالمقاومة تتسلح بالجانب العقائدي القادر على مواجهة الجماعات التكفيرية المعبأة عقائدياً الكفيلة لتنفيذ العمليات الانتحارية والانغماسية في قيادة السيارات المفخخة أو ارتداء الأحزمة الناسفة لتفجير العدو. فلا يمكن للقوات الأمنية كالجيش والشرطة الاتحادية مواجهة داعش وغيرها ، لان عقيدتها العسكرية وتربيتها ، وهيكلية تشكيلاتها ، وأدائها وانضباطها ، تختلف كلياً عن الجماعات الإرهابية . لذلك تبقى القوة العقائدية تحتل الجانب الهام في مواجهة الجماعات الإرهابية والتكفيرية ، ويحتل التسليح وقوة النيران والخطط والامداد اللوجستي والغطاء الجوي مجرد عناصر مساندة لاندفاع الوحدات المقاتلة. وكانت تجربة القوات الأمنية العراقية فاشلة في مواجهة عناصر داعش ، ولم تتمكن من التصدي لها ، بل تركت مواقعها وأسلحتها وهربت من المعركة.
وهذا لا يعني أن فصائل المقاومة هي الأساس في أية مواجهة قادمة. فهذا تبسيط للأمور ، وتضخيم لدور هذه الفصائل الأمني. إن العمود الفقري لأية مواجهة لهذه الجماعات التكفيرية هي هيئة الحشد الشعبي ، بألويتها التي تبلغ العشرات ، وبعدد جنودها الذي يتجاوز (٢٠٠) ألف منتسب ، وشاركت في الحرب على داعش وتحرير كل من : جرف النصر ، آمرلي ، الضلوعية ، بلد ، ديالى ، الدور ، العَلَم ، البغدادي ، تكريت ، بيجي ، الرمادي (مشاركة) ، جزيرة سامراء ، بشير ، كرمة الفلوجة (مشاركة) ، الصقلاوية ، الفلوجة ، الخالدية ، الشرقاط (مشاركة) ، الموصل (مشاركة) الحضر ، القيروان ، البعاج ، تلعفر ، الحويجة ، كركوك ، القائم .
من جانب آخر أن ألوية الحشد الشعبي تأتمر بأمر القائد العام لأنها جزء من القوات المسلحة العراقية ، ولديها قانونها الصادر عام ٢٠١٦. كما تم تفكيك العلاقة التنظيمية مع الفصائل المسلحة ، ومنع العمل السياسي والأطر الحزبية والاجتماعية ، وأصبحت وحدات عسكرية حالها حال تشكيلات الجيش والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب. كما أن هيئة الحشد الشعبي تضم الشيعة والسنة والمسيحيين والتركمان وغيرها.
لقد تطورت هيئة الحشد الشعبي وأصبح لها قيادة وأركان وصنوف ألوية وهندسة وطبابة ، وتراتبية عسكرية ، ورواتب ومخصصات ، وعموم الحقوق والواجبات. كما يخضع منتسبوها لقانون انضباط منتسبي قوى الأمن الداخلي. ويتم تعيين قادة الفرق بموافقة مجلس النواب ، مثل بقية الدرجات العليا كالوزراء والوكلاء والسفراء . وبلغت موازنة هيئة الحشد الشعبي قرابة (٢.٥ مليار دولار) عام ٢٠١٩.
كما أن الحكومة العراقية تجهز الحشد الشعبي بأسلحة أمريكية ، إضافة إلى ما تم الحصول من سلاح الجيش العراقي في ٢٠٠٣ ، وتضم سلاح روسي وفرنسي وبريطاني ويوغسلافي وصربي وبولندي. كما أن روسيا تصدر أسلحة ومعدات وتقنيات عسكرية إلى العراق ، ويصل قسم منها إلى الحشد الشعبي. كما يمتلك الحشد الشعبي ايضا مجموعة من الطائرات المسيرة الايرانية وبعض من الصواريخ التي ينتجونها مثل صواريخ الأشتر والبتار والنمر والعقاب والمبير وغيرها.
خاتمة
السيادة الوطنية عملية تراكمية من الخطط والبرامج المدروسة ، والاستراتيجيات التي تضع أهداف الدولة ومدياتها وفق جدول زمني عملي. كثير من الدول شقت طريقها نحو التقدم الازدهار بفعل خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة الأمد. خطط توظف الإمكانات الوطنية المتوفرة ، واستغلالها وتنميتها ، من خلال التعليم بأنواعه و رصد الأموال لكل قطاع كي ينمو وفق خطة مدروسة.
السيادة ليست شعارات تتردد عن جلسات البرلمان وخطابات الحكومة وغيرها ، بل هي مسار من الخبرات والتجارب والخطط والبرامج التي يجري دعمها وتوفير أسباب الدعم لها مثل:
١-دعم القطاع الخاص ، وخاصة الشركات المتخصصة في قطاعات النفط والبناء والجسور والنسيج والأدوية وغيرها. فالقطاع الخاص يوفر ملايين فرص العمل للأيدي العاملة ، ويقلص من البطالة التي يعاني منها الشباب والخريجون. كما يجعل المجتمع أكثر استقراراً اقتصاديا واجتماعياً.
٢- التصدي للنزاعات الداخلية والعشائرية ومنع السلاح المنفلت ، مما يضعف وضع الدولة داخلياً وأمنياً وحتى سياسياً.
٣- رفض التدخلات الأجنبية واختراق دول صغيرة للمجتمع العراقي من خلال المال المدفوع لشراء الذمم. ويشمل ذلك الطبقة السياسية من وزراء ونواب ومسؤولين ووجهاء وشيوخ عشائر. وبذلك يتحصن المجتمع والدولة والطبقة السياسية من التأثيرات والتدخلات الأجنبية ذات الأجندات السيئة.
٤- السيادة الثقافية التي تعني عدم السماح بالتأثير السلبي من العناصر الأجنبية على الثقافة العراقية والعادات والتقاليد والقيم والعقائد الإسلامية . فالغزو الثقافي الأجنبي الذي يتخذ من وسائل كثير للتأثير على المجتمع بشبابه ونسائه وأطفاله ، من خلال البرامج التلفزيونية ، أفلام السينما ، الكتب والمجلات ، مواقع الانترنت ، وسائل التواصل الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني وغيرها .
٥- يُعد الاستقلال الاقتصادي من أهم مكونات السيادة الوطنية ، فالدول الأجنبية تستغل الأزمات الاقتصادية للتدخل بالشؤون الداخلية للبلدان . وذلك من خلال الديون الدولية والتزاماتها والفوائد والشروط التي تمس السيادة الوطنية ، وتضغط على القرار السياسي باتجاه الانصياع لشروطها وأجندتها.
٦- تطهير المؤسسات الحكومية والدستورية من المحاصصة والفساد المالي والإداري ، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء ، والقضاء على الامبراطوريات المالية التي بنتها الزعامات السياسية من خلال الاستحواذ على موازنات الوزارات وغيرها .


