النخبة هي الحل، الحلقة الثالثة: تمرد الجماهير

النخبة هي الحل، الحلقة الثالثة تمرد الجماهير
تبحث الحلقة العلاقة بين النخبة والجماهير من خلال أفكار أورتيغا إي غاسيت وجوليان بندا وغرامشي وأرسطو وشومبيتر، مؤكدةً أن المعرفة لا تضمن الرشد، وأن التوازن بين الخبرة المتخصصة والمشاركة الشعبية والمساءلة المؤسسية أساس لازدهار المجتمعات...

(لا تُنتجُ الجماهير حضارة). سمعنا هذا كثيراً، لكن هل قاله كل من تحدث عن الجماهير بنفس المعنى؟

في عام 1930 نشر الفيلسوف الإسباني أورتيغا إي غاسيت كتابه الشهير (تمرد الجماهير). وقد ظنه كثيرون هجاءً للفقراء. لكن من قرأه بإمعان وجد شيئاً مدهشاً. فـ(إنسان الجماهير) عند أورتيغا ليس الفقير ولا العامل، بل كل من يكتفي بنفسه ويرفض أن يسأل، وقد يكون حاملَ شهادة عليا أو صاحبَ ثروة. فالعالِم المتخصص الذي يظن أن اختصاصه الضيق يعطيه حق الحكم في كل شيء، هو عند أورتيغا أخطر أنواع (الجماهير). بمعنى أن الجمهور حالة عقلية لا طبقة اجتماعية، وأن النخبة نفسها قد تسقط فيها.

وهذا يكسر الثنائية المريحة التي نحبها: نخبة مستنيرة في الأعلى وجمهور جاهل في الأسفل. فقد تجد جاهلاً متواضعاً يسأل، وعالماً متكبراً يُصدر الأحكام.

ورأى الفرنسي جوليان بندا في كتابه (خيانة المثقفين) أن الخطر الأكبر ليس في جهل العامة، بل في أن ينحاز المثقفون للسلطة أو العصبية على حساب الحقيقة والعدل. فالمثقف حين يضع قلمه في خدمة القوة، يكون قد خان وظيفته قبل أن يخون قومه. وجاء الإيطالي أنطونيو غرامشي من سجنه الفاشي ليقول إن كل طبقة تُنتج مثقفيها، وإن المثقف الحقيقي هو (العضوي) الذي يخرج من الناس ويعود إليهم بالفكرة، لا ذاك الذي يعتزل في برج.

أما أرسطو، تلميذ أفلاطون، فقد أدهش أستاذه بحجة لا تزال ذكية: الوليمة التي يشارك الكثيرون في إعدادها قد تكون أفضل من وليمة يعدّها طاهٍ واحد، لأن كل مشارك يضيف شيئاً. وقال إن الجمع قد يحكم على الأمور بصورة أصح من الفرد الأحكم إذا اجتمعت لديهم خبرات متنوعة. وهذا ما سيُسمى بعد ألفي عام (حكمة الحشود). لكن كثرة المشاركين لا تعني دائماً صواب القرار، فقد تتحول الجماهير إلى قوة مندفعة خلف فكرة أو خطاب واحد. كما أن النخبة لا تكتسب الرشد بمجرد امتلاكها المعرفة أو النفوذ. لذلك تكمن القيمة في تفاعل الخبرة المتخصصة مع التجربة الاجتماعية، وفي وجود مؤسسات تضمن النقد والمساءلة، بحيث تصبح النخبة والجمهور طرفين متكاملين في صناعة القرار.

ثم جاء الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر ليقدم تعريفاً واقعياً للديمقراطية كأنه يصالح الفريقين: الديمقراطية ليست حكم الشعب لنفسه، فهذا وهم، بل هي منافسة النخب على صوت الشعب. أي أن النخبة موجودة فعلاً، لكن الشعب يملك حق اختيارها وإقالتها. وهذا في رأيه هو الفارق بين النخبة الحاكمة بتفويض والنخبة الحاكمة بغلبة.

إذن كلا الطرفين على حق، وكلاهما على خطأ: النخبة ضرورية، والجمهور ضروري، والعلاقة بينهما هي التي تصنع الفرق بين حضارة تزدهر وحضارة تنهار.

لكن كل هذه الأفكار تفترض أننا نعرف من هي النخبة الحقيقية. فمن يُحدد ذلك؟ وهل النخبة هم الأذكى أم الأغنى أم الأقوى أم الأكثر ظهوراً على الشاشات؟

في الحلقة القادمة نضع على الطاولة أخطر أسئلة الفكرة كلها: بأي معيار نختار النخبة؟ ومن يراقب المراقبين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *