دوس العلم الأمريكي .. فعلٌ لا يعرف من قام به كم يكلّف العراق ..

دوس العلم الأمريكي .. فعلٌ لا يعرف من قام به كم يكلّف العراق ..
يتناول النص تداعيات الإساءة إلى العلم الأمريكي خلال استعراض رسمي في العراق، محذراً من انعكاساتها على صورة الدولة وعلاقاتها الدولية ومصالحها الاقتصادية، ومؤكداً ضرورة فرض القانون ومنع التصرفات التي تضر بسيادة العراق واستقراره...

ما حدث من دوس للعلم الأمريكي خلال أحد الاستعراضات التي رافقت فعاليات يوم السيادة ، فعلٌ مرفوض جملةً وتفصيلًا ، ولا يمكن أن ينظر إليه باعتباره مجرد تصرف عابر أو مشهدًا من مشاهد التعبير عن موقف سياسي .. فمن قام بهذا الفعل ، أو من يقف وراءه ، ربما لا يدرك كم يمكن أن يكلّف العراق ..

المشكلة ليست في قطعة قماش تحمل ألوان العلم الأمريكي ، وإنما في الرسالة التي حملها هذا الفعل إلى الخارج عن العراق نفسه .. لقد اختار العراق أن يجعل من يوم السيادة مناسبة لإعلان دخوله مرحلة جديدة ، مرحلة يكون فيها القرار الأمني والعسكري بيد الدولة ، وتقوم علاقاته الخارجية على أساس المصالح والاحترام المتبادل ، بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي وخروج قواته ..

لكن أن يُدهس علم الولايات المتحدّة في استعراض عسكري رسمي خلال هذه المناسبة ، فإن ذلك يمكن أن يعطي انطباعًا معاكسًا تمامًا للرسالة التي أرادت الدولة العراقية إيصالها .. وهنا تبدأ الكلفة.. هذا الفعل يحرج الحكومة العراقية أمام المجتمع الدولي ، ويضعف صورتها وهي تتحدث عن دولة القانون والسيادة ، ويفتح الباب أمام من يريد التشكيك بقدرة الدولة على ضبط كل ما يجري على أراضيها ، كما يمكن أن يستخدم لإثارة أسئلة أكبر حول مدى التزام جميع القوى والتشكيلات المسلحة بالقرار الرسمي للدولة .. والأخطر من ذلك أن العراق اليوم ليس في حاجة إلى فتح أبواب جديدة للتوتر أو المواجهة ..

العراق بحاجة إلى علاقات دولية مستقرة ، وإلى شراكات اقتصادية واستثمارات ، وإلى بيئة سياسية وأمنية تشجع الشركات والدول على التعامل معه .. وأي سلوك استفزازي يمكن أن يُقرأ باعتباره مؤشرًا على عدم انضباط المشهد الداخلي ، فإن ضرره لا يتوقف عند حدود السياسة ، بل يمكن أن يمتد إلى الاقتصاد ومصالح العراقيين .. ثم هناك كلفة أخرى لا تقل خطورة ، إحراج الدولة أمام حلفائها وشركائها وأمام الرأي العام الدولي في اللحظة التي تريد فيها تثبيت صورتها كدولة صاحبة قرار ..

فالرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي أن العراق دخل مرحلة جديدة ، وأنّ الدولة لن تسمح لأي جهة بأن تستخدم المناسبات الوطنية أو الاستعراضات العسكرية لفرض رسائل سياسية خاصة بها ، أو أن تتصرف باسم العراق بما يحمّله تبعات لا علاقة له بها .. ومن الضروري أن تكون هناك إجراءات واضحة وحازمة تمنع تكرار مثل هذه الأفعال منعًا باتًا ، وأن تصبح المناسبات الرسمية للدولة تحت إشراف مؤسسات الدولة ومسؤولة أمامها ، وألا يسمح لأي جهة ، مهما كان موقعها ، بتحويلها إلى منصة للإساءة إلى رموز الدول أو استفزازها ..

فنحن لا ندافع عن السياسة الأمريكية ، ولا نطلب من أحد أن يتخلى عن حقه في نقد الولايات المتحدة أو الاعتراض على سياساتها .. لكن الخلاف مع دولة لا يبرر الإساءة إلى رمزها ، ولا يمنح أحدًا الحق في تعريض مصالح العراق للخطر ..

العراق يستطيع أن يختلف مع الولايات المتحدة ، وأن يرفض ما يراه مخالفًا لمصالحه ، وأن يقول كلمته بكل وضوح ، لكن عليه أن يفعل ذلك بمنطق الدولة ، لا بمنطق الاستفزاز .. ولهذا فإن مسؤولية القائد العام للقوات المسلحة اليوم أكبر من مجرد محاسبة من ثبت تورطه في الواقعة .. المطلوب أن تكون هناك رسالة حاسمة لا تحتمل التأويل ، لن يسمح في العراق بعد اليوم بأي فعل يستهدف رموز الدول أو البعثات الدبلوماسية أو يعرّض مصالح العراق وعلاقاته الدولية للخطر ..

فهيبة الدولة لا تكون بالتجاوز على أعلام الآخرين ، وإنما بقدرتها على فرض القانون على الجميع .. والسيادة ليست أن يفعل كل طرف ما يشاء باسمها .. السيادة أن يكون القرار للدولة ، وأن يكون القانون فوق الجميع ، وأن يعرف كل من يتصرف باسم العراق أن العراق وحده هو الذي سيدفع ثمن أفعاله .. وهذا بالضبط ما يجب ألا يسمح به القائد العام للقوات المسلحة .. لا للتهاون ، لا للتكرار ، ولا لأي جهة أن تجعل العراق يدفع كلفة أفعال لم يتخذها بقرار من دولته ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *