أهمية تهذيب النفس وتزكيتها في مرحلة الشباب و أثر زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في استقامتها

أهمية تهذيب النفس وتزكيتها في مرحلة الشباب و أثر زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في استقامتها
تزكية النفس في الشباب فرصة لبناء الشخصية وضبط الشهوات، وتغدو زيارة الإمام الحسين، إذا اقترنت بالمعرفة والاقتداء، حافزاً للتوبة والاستقامة والالتزام بالصلاة والإصلاح، بما يحوّل الزيارة من طقس عاطفي إلى مسار تربوي وسلوكي...

المقدمة: إنّ من أعظم النعم الإلهية التي أنعم الله بها على الإنسان هي نعمة النفس القابلة للتربية والتهذيب والارتقاء، فالنفس الإنسانية ليست كياناً ثابتاً لا يتغير، بل هي أرض خصبة قابلة للزرع، فإما أن تُزرع فيها الفضائل فتُثمر سعادةً ونوراً، وإما أن تُترك مهملة فتنبت فيها أشواك الرذائل والشهوات. ومن هنا جاء التأكيد القرآني الخالد على قضية التزكية كغاية للبعثة النبوية، قال تعالى: *{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}* [الشمس: 9-10]، فجعل الفلاح كله منوطاً بتزكية النفس، والخيبة والخسران منوطة بإهمالها وتدنيسها.

وتبلغ هذه المهمة ذروة أهميتها وخطورتها في مرحلة الشباب، تلك المرحلة التي وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بقوله: “إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء إلا قبلته”. فقلب الشاب لا يزال طرياً، ليناً، قابلاً للتشكل، لم تتصلب فيه العادات السيئة بعد، ولم تتراكم عليه أدران الذنوب طويلاً. فهو كالغصن الغض يمكن تقويمه بسهولة، فإذا ما يبس واشتد عوده، صعب تقويمه وكسر عند محاولة تعديله.

لماذا الشباب هو الفرصة الذهبية للتهذيب؟

*أولاً: قوة الطاقة وتوجهها:* يمتلك الشاب طاقة هائلة، جسدية ونفسية وعاطفية. هذه الطاقة إن لم تُهذب وتُوجه نحو الكمال، وجهتها النفس الأمارة بالسوء نحو الانحراف والشهوات المحرمة. فتهذيب النفس في الشباب هو عبارة عن عملية توجيه لهذا السيل الجارف من الطاقة ليصب في قنوات الخير والعلم والعمل الصالح وخدمة المجتمع، بدل أن يتحول إلى طوفان يدمر صاحبه.

*ثانياً: قبل فوات الأوان وتراكم الحجب:* قال الإمام الصادق (عليه السلام): “ما من شاب يدع لله الدنيا ولهوها وأهرم شبابه في طاعة الله إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقاً”. إن الذنوب في مرحلة الشباب تبدأ صغيرة ثم تكبر، وتبدأ خفيفة ثم تثقل، حتى تصبح ملكة راسخة وعادة يصعب الفكاك منها. ومن شب على شيء شاب عليه. فمن اعتاد الكذب في شبابه، سيصعب عليه الصدق في شيخوخته، ومن اعتاد إطلاق البصر واتباع الشهوات، سيجد نفسه أسيراً لها في كبره، حينها يضعف الجسد عن العمل لكن النفس لا تزال متعلقة بتلك الرذائل، فيعيش عذاباً مزدوجاً، عذاب العجز وعذاب الحسرة. لذا قيل: من لم يتهذب في شبابه، فهيهات أن يتهذب في مشيبه.

*ثالثاً: بناء الشخصية والهوية:* في مرحلة الشباب تتشكل هوية الإنسان وقيمه ومبادئه التي سيسير عليها طوال حياته. فإذا ما بُنيت هذه الهوية على أساس التقوى والورع ومحاسبة النفس ومراقبتها، فإن الإنسان سيكون قوياً أمام عواصف الفتن التي تعصف به في المستقبل. أما إذا بُنيت على أساس التساهل واتباع الهوى وحب الدنيا، فإنها ستكون شخصية هشة مهزوزة تتبع كل ناعق.

ما هو تهذيب النفس؟

تهذيب النفس ليس معناه جلد الذات أو تعذيبها أو الانعزال عن الناس، بل هو منهج علمي وعملي متكامل يقوم على أركان:

*1. المعرفة والمشارطة:* أن يعرف الإنسان عيوبه، فلا يمكن علاج مرض لا نعرف أنه موجود. فيشترط على نفسه كل صباح أن لا يرتكب ذنباً معيناً، كالغيبة أو الكذب أو النظر المحرم.

*2. المراقبة:* أن يراقب نفسه طوال اليوم، ويستشعر أن الله مطلع عليه، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}.

*3. المحاسبة:* في آخر النهار يحاسب نفسه، ماذا فعل؟ هل وفى بالشرط أم خالفه؟ فإن وفى شكر الله، وإن خالف عاتب نفسه واستغفر.

*4. المعاقبة والمجاهدة:* إن وجد نفسه قد خالفت، عاقبها بحرمانها من شيء مباح تحبه، أو بإلزامها بعمل صالح إضافي، كصلاة ركعتين أو صوم يوم أو إنفاق صدقة، حتى تتأدب النفس ولا تعود.

وهذا الجهاد هو الجهاد الأكبر كما وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند عودته من إحدى الغزوات: “مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس”.

الأثر العظيم لزيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) بمعرفة واتباع في تهذيب النفس

وهنا نصل إلى المحور الأهم في مقالنا، وهو الدور المحوري الذي تلعبه زيارة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) في عملية تهذيب النفس، لا سيما إذا كانت زيارةً بمعرفةٍ واتباع، لا مجرد حركة جسدية أو عادة موسمية.

كثير من الناس يزور، لكن القليل من يزور بمعرفة. فما معنى المعرفة والاتباع؟

*الزيارة بمعرفة تعني:* أن يعرف الزائر من يزور. أن يعرف أن الحسين (عليه السلام) هو إمام مفترض الطاعة، وأنه ثار لله لا لنفسه، وأنه قدّم كل شيء – نفسه وأهل بيته وأصحابه – من أجل إعلاء كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح نفس الإنسان والمجتمع. فعندما يدخل الزائر إلى حرمه الشريف وهو يحمل هذه المعرفة، فإنه يخجل من نفسه. كيف يزور إماماً ضحى بكل شيء من أجل الدين، وهو لا يستطيع أن يضحي بشهوة عابرة من أجل الله؟ كيف يطلب من الحسين الشفاعة وهو مصرّ على معصية الله؟ إن هذه المعرفة تخلق صدمة روحية توقظ النفس من غفلتها.

وقد ورد في الروايات أن زيارة الحسين (عليه السلام) تغسل الذنوب، لكن هذا الغسل ليس سحراً، بل هو نتيجة طبيعية لحالة التوبة والندم والخجل التي تعتري الزائر الصادق. فالإنسان عندما يقف أمام شباك الحسين ويرى تلك القبة الشامخة ويتذكر تلك الدماء الطاهرة التي سالت في كربلاء، يعود إليه ضميره، وتبدأ نفسه اللوامة بالعمل، فيعاهد الله من جديد على التوبة.

*أما الزيارة باتّباع، فهي الغاية الحقيقية.* فما فائدة أن أزور الحسين وأبكي عليه، ثم أخرج من الحرم فأكذب وأغش وأظلم الناس وآكل حقوقهم؟ إن الحسين (عليه السلام) لم يستشهد لكي نبكي عليه فقط، بل استشهد لكي نقتدي به. فالاتباع يعني:

*أولا: الاقتداء في التضحية:* كما ضحى الحسين بكل غالٍ ونفيس من أجل الله، يجب على الشاب أن يتعلم أن يضحي بشهواته المحرمة، بسهراته التي تضيع فيها الصلاة، بعلاقاته المشبوهة، بأمواله المحرمة، من أجل رضا الله.

*ثانيا: الاقتداء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:* كان هدف ثورة الحسين هو الإصلاح، “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”. فالزائر الحقيقي هو من يحمل هذه الرسالة في بيته ومدرسته وجامعته وعمله، فيأمر بالخير وينهى عن الشر بأسلوب حسن، ويبدأ بإصلاح نفسه أولاً.

*ثالثا: الاقتداء في الصلاة:* كان الحسين (عليه السلام) عاشقاً للصلاة، حتى في ليلة عاشوراء، وفي ظهر عاشوراء وتحت وابل السهام، لم يترك الصلاة. فكيف يزوره شاب لا يصلي؟ إن الزيارة بمعرفة تُلزم الشاب بأن يكون أول الملتزمين بالصلاة في وقتها، فهي عمود الدين وأول ما يُحاسب عليه العبد.

إن المداومة على زيارة الحسين (عليه السلام) بمعرفة واتباع تعمل عمل المصفاة للروح. فكلما تلوثت النفس بذنوب الحياة اليومية وغبار المعاصي، جاءت هذه الزيارة لتغسلها وتعيدها بيضاء نقية. وهي بمثابة شحن روحي دوري، يذكر الشاب بهدفه الحقيقي في الحياة، وأنه ليس مخلوقاً للأكل والشرب والشهوة، بل مخلوق ليكون عبداً صالحاً لله، وخليفة له في الأرض.

الخاتمة:  إن مرحلة الشباب هي ربيع العمر، وهي الفرصة التي لا تعوض. فمن أراد أن يكون شيخاً صالحاً، مطمئناً، مستقراً، فليبدأ من الآن. ومن أراد أن يسهل على نفسه طريق التهذيب، فليتمسك بحبل الحسين (عليه السلام)، فإنه سفينة النجاة ومصباح الهدى. فليكن شعار كل شاب: “أزورك يا أبا عبد الله بمعرفة، وأعود من زيارتك إنساناً آخر، تائباً، عائداً إلى الله، مقتدياً بك في كل خطوة من خطوات حياتي”. فبذلك فقط يتحقق الفلاح الحقيقي في الدنيا والآخرة، قبل أن تدركنا الشيخوخة، ويصبح القلب قاسياً، والنفس عاصية يصعب قيادها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *