حصر السلاح بين شرعية الدولة وفوضى القوة
تُعد قضية حصر السلاح بيد الدولة واحدة من أهم القضايا السياسية والأمنية التي تواجه الحكومات المتعاقبة في العراق، بما فيها حكومة علي الزيدي، التي تسعى إلى ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة القائمة على سيادة القانون والمؤسسات. إذ إن وجود أي سلاح خارج إطار الدولة يهدد بشكل مباشر استقرار المجتمع، ويضعف هيبة السلطة الشرعية، ويخلق بيئة خصبة لانتشار الفوضى والنزاعات الداخلية.
لذلك فإن مشروع حكومة الزيدي في هذا المجال يُعتبر خطوة استراتيجية تهدف إلى بناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها وضمان أمنهم.
إن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد إجراء أمني، بل هو مشروع سياسي واجتماعي متكامل، إذ يرتبط بمفهوم المواطنة والعدالة والمساواة أمام القانون.
فحين يكون السلاح بيد جماعات أو أفراد خارج سلطة الدولة، يصبح القانون عاجزاً عن فرض نفسه، وتتحول القوة إلى أداة بيد من يملك السلاح، مما يؤدي إلى تراجع الثقة بين المواطن والدولة.
لذلك فإن حكومة الزيدي تدرك أن نجاحها في هذا الملف سيعزز شرعيتها، ويمنحها القدرة على تنفيذ برامجها الإصلاحية في الاقتصاد والتعليم والخدمات العامة، وتوفير إيراد إضافي غير نفطي إلى خزينة الدولة، وهو ما بات عائقاً بسبب الأحداث الخطيرة في المنطقة.
حصر السلاح وتقوية مؤسسات الدولة
سياسياً، فإن حصر السلاح بيد الدولة يساهم في تقوية مؤسساتها، ويمنع ظهور مراكز قوى موازية تنافس الحكومة في سلطتها.
إذ إن التجارب التاريخية أثبتت أن الدول التي سمحت بانتشار السلاح خارج إطارها عانت من ضعف مؤسساتها، وتعرضت لانقسامات داخلية وصراعات طويلة الأمد.
في المقابل، تسعى حكومة الزيدي إلى تجنب هذا السيناريو عبر وضع خطط واضحة لنزع السلاح من الجماعات المسلحة، وإعادة دمج عناصرها في المجتمع من خلال برامج تأهيل وتوظيف، بما يضمن لهم حياة كريمة بعيداً عن العنف.
أما أمنياً، فإن حصر السلاح بيد الدولة يخلق بيئة مستقرة تساعد على جذب الاستثمارات وتعزيز النمو الاقتصادي.
فرجال الأعمال والمستثمرون يبحثون دائماً عن بيئة آمنة ومستقرة، وحين يشعرون أن الدولة قادرة على فرض القانون والسيطرة على السلاح، فإنهم يطمئنون إلى أن مشاريعهم لن تكون عرضة للتهديد.
وهذا بدوره ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين من خلال توفير فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة.
لذلك تراهن حكومة الزيدي على هذا الجانب لإقناع المجتمع بجدوى مشروعها، إذ إن الأمن هو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية.
تحديات الجماعات المسلحة والحاجة إلى الحزم والمرونة
يواجه المشروع تحديات كبيرة، أبرزها وجود جماعات مسلحة ترى في السلاح وسيلة لحماية مصالحها أو فرض نفوذها. وهذه الجماعات قد تقاوم جهود الحكومة، وقد تسعى إلى إفشال مشروعها عبر إثارة الفوضى أو الدخول في مواجهات مسلحة. لذلك فإن حكومة الزيدي تحتاج إلى مزيج من الحزم والمرونة؛ الحزم في تطبيق القانون وعدم السماح بوجود سلاح خارج سلطة الدولة، والمرونة في فتح قنوات الحوار مع هذه الجماعات لإقناعها بالانخراط في العملية السياسية والاقتصادية. إذ إن نجاح الحكومة في هذا التوازن سيحدد مستقبل مشروعها.
المجتمع الدولي يلعب دوراً مهماً في دعم توجه حكومة علي الزيدي، إذ يمكن أن يقدم المساعدة الفنية واللوجستية للحكومة في عملية جمع السلاح، إضافة إلى دعم برامج إعادة التأهيل لتلك المجاميع. فحكومة الزيدي تدرك أن التعاون مع المجتمع الدولي سيمنحها زخماً إضافياً، ويعزز صورتها كحكومة مسؤولة تسعى إلى بناء دولة مستقرة تحترم القانون.
وفي الوقت نفسه، فإنها تحاول أن تُظهر استقلاليتها في القرار السياسي، لتؤكد أن مشروع حصر السلاح بيد الدولة ينبع من إرادة وطنية خالصة.
مشروع مصيري لبناء الدولة الحديثة
إن مشروع حكومة الزيدي لـحصر السلاح بيد الدولة هو مشروع مصيري، يثبّت قوة الدولة ونظامها السياسي، ولا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يمتد ليشمل بناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات والقانون. فنجاح هذا المشروع سيعني نهاية مرحلة الفوضى وبداية مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، بينما فشله قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة تهدد وحدة المجتمع ومستقبل الدولة.
لذلك فإن حكومة الزيدي مطالبة بالعمل الجاد والمتواصل، وبضرورة إيجاد القناعات لدى المواطنين من خلال التواصل معهم وإقناعهم بأن هذا المشروع هو لمصلحتهم أولاً وأخيراً، وأنه الطريق الوحيد لبناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.


