إذا كانت غزة تُشكل المواجهة العسكرية المباشرة، فإن الضفة الغربية تمثل ( في الأدبيات الصهيونية الدينية) الجوهر العقائدي والهدف الاستراتيجي الأول. يُنظر إلى الضفة (المسماة توراتياً بـ “يهودا والسامرة”) بوصفها “القلب التاريخي” للمشروع؛ حيث تضم المراكز الدينية الأكثر أهمية في الوعي الاستيطاني مثل الخليل ونابلس والقدس.
تعتمد الصهيونية الدينية اليوم على مدارس دينية عسكرية (مخينات) ومعاهد توراتية (يشيفوت) يوجهها حاخامات يمتلكون نفوذاً مباشراً على الأحزاب الحاكمة. فالحاخام تسيبي تاو (الأب الروحي لتيار الهاردار) يشدد على فرض القوانين الدينية ورفض قيم الحداثة، بينما يوجه الحاخام زلمان باروخ ملكميد سياسات الضم الميداني وتفكيك الإدارة المدنية التي ينفذها وزراء كسموتريتش. وفي القدس، يقود الحاخام شلومو أفينير استراتيجية الاستيلاء على العقارات لتغيير ديموغرافية المدينة، فيما يُشكل الحاخام إسحاق جينزبورغ المرجعية الفكرية لمجموعات “شبيبة التلال” المتطرفة.
ترتكز هذه السياسات على قراءة لاهوتية لمفهوم “إرتس يسرائيل” (أرض إسرائيل)، وتعتبر القدس مركز هذه الرؤية باعتبارها مسرحاً للسكينة الإلهية (الشخينا) والمكان المفترض لـ “قدس الأقداس”. بناءً على هذا التصور، فإن أي تنازل عن الأرض هو تنازل عقائدي مرفوض.
وهنا تتضح ملامح التناقض البنيوي: ففي حين يُطرح السلام استناداً إلى القانون الدولي وحل الدولتين، ينطلق الطرف الاستيطاني من مرجعية نصوص غير قابلة للتفاوض. بالنسبة للعراق، فإن استهداف الذاكرة التاريخية للمنطقة – ومنها سرقة الأرشيفات والمخطوطات – يهدف إلى تغييب السرديات الممتدة لحساب سردية أحادية. ومن ثمّ، تبدو استعادة التاريخ والتراث العراقي بجميع مكوناته خطوة رئيسية لحماية الهوية الوطنية.
في الحلقة القادمة: “علم الاستهواء” – كيف ننتقل من موقف الانفعال السياسي إلى المعرفة الاستراتيجية الشاملة عبر تحويل إسرائيل ومؤسساتها الفكرية والدينية إلى موضوع دراسة علمية؟
لم تكن الصهيونية وليدة لحظة واحدة، بل هي مسار من التحولات الأيديولوجية المعقدة. بدأت محاولات التحديث مع الحركة الفكرية المعروفة بـ “الهسكلاه” (الأنوار اليهودية) التي قادها موشي مندلسون في القرن الثامن عشر بهدف دمج اليهود في المجتمعات الأوروبية. غير أن فشل مسار الاندماج وتصاعد المذابح في أوروبا الشرقية دفعا باتجاهين متقابلين: صهيونية سياسية علمانية بزعامة ثيودور هرتزل، وتيار آخر استمد مقوماته من الروحانية الحسيدية وأعاد صياغتها في قالب قومي عبر حركة “المزراحي” عام 1902 التي حاولت التوفيق البراغماتي بين المظاهر الدينية والعمل القومي.
التحول اللاهوتي الأبرز في هذا المسار تمثل في أفكار الحاخام أبراهام إسحاق هكوهين كوك (1865–1935)، الذي قدم منظومة “الخلاص التدريجي” (أتخالتا دجئولاه). اعتبر “كوك” أن الصهاينة العلمانيين، رغم إلحادهم وظاهرهم غير الديني، هم “أدوات إلهية غير واعية” لإعادة بناء الجسد اليهودي تمهيداً لبعث الروح، ناقلاً قدسية الدين من التكليف الفردي إلى قدسية الأرض والمملكة.
وعقب حرب 1967، حول نجله الحاخام زفي يهودا كوك هذه الفلسفة إلى استراتيجية استيطانية ميدانية من خلال مدرسة “مركاز هراف” بالقدس. ومن رحم هذه الأفكار ولدت حركة “غوش إيمونيم” (كتلة المؤمنين) عام 1974، والتي قادت الاستيطان في الضفة الغربية وغزة كواجب ديني وأخلاقي يعلو فوق قرارات الدولة والشرعية الدولية.
يتكامل هذا البناء الأيديولوجي مع “الصهيونية المسيحية” (الإنجيلية) في الغرب، والتي ترى في تجمع اليهود في فلسطين شرطاً لاهوتياً لعودة المسيح، وهو ما شكّل سنداً سياسياً للحركة الصهيونية منذ “وعد بلفور” عام 1917 وحتى الإدارات الأمريكية المعاصرة.
تكمن أهمية هذه القراءة بالنسبة للعراق والعالم العربي في دراسة الخطاب السياسي الحالي لتل أبيب؛ إذ إن الاستشهادات بالنصوص التوراتية (مثل الإشارة إلى “عماليق” أو “نبوءة إشعيا”) ليست مجرد بلاغة سياسية، بل تعكس البنية الفكرية للأحزاب الدينية الحاكمة التي تشكل عصب القرار السياسي والأمني اليوم.
في الحلقة القادمة: “الحرب القادمة في الضفة” – لماذا تُعد الضفة الغربية المسرح العقائدي الأول للصهيونية الدينية؟ ومن هم الحاخامات والأفكار اللاهوتية كـ “الشخينا” و”الهيكل” التي تحرك السياسات الاستيطانية الميدانية اليوم؟


