كل عام، نقف أمام عاشوراء بقلوب دامعة، ونردد بصدق: “يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا.”
نبكي الحسين عليه السلام، ونقيم المجالس، ونسير إلى كربلاء أميالًا طويلة في الحر والبرد، وننفق الأموال في خدمة الزائرين وإحياء الشعائر. ومن لم يملك إلا قوت يومه، شارك بما استطاع، ولو بتمرة أو كأس ماء أو كلمة طيبة. وكل ذلك من أعظم مظاهر الولاء والمحبة.
لكن… هل سأل كل واحد منا نفسه:
ماذا يريد الحسين منا بعد أن تنتهي عاشوراء؟
هذا المقال ليس موجهًا إلى غيري، بل إليَّ أولًا، ثم إلى أهلي وأبنائي وأحفادي، وإلى أصدقائي وأحبتي، وإلى أبناء شعبي جميعًا، وإلى كل مسؤول في الدولة، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول في الرئاسات الثلاث، لأن رسالة الحسين لا تستثني أحدًا.
في كل عام يعتلي المنابر خيرة الخطباء، يدعون إلى التمسك بنهج الإمام الحسين عليه السلام، لا بالشعارات وحدها، بل بالفعل، لا بالمظاهر، بل بالسلوك، لا باللافتات، بل بالإصلاح الحقيقي.
لقد قال الإمام الحسين عليه السلام كلمته الخالدة:
«إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله.»
وهنا ينبغي أن نقف طويلًا.
فإذا كان الحسين خرج للإصلاح، فهل أصبحنا نحن مشروع إصلاح؟
هل أصبح الموظف أكثر أمانة؟
وهل أصبح المسؤول أكثر عدلًا؟
وهل أصبح التاجر أكثر صدقًا؟
وهل أصبحت الأسرة أكثر رحمة؟
وهل أصبح إعلامنا أكثر التزامًا بالحقيقة؟
وهل أصبحت مؤسساتنا أكثر نزاهة؟
إن المجالس، والعزاء، والمشي إلى كربلاء، ضروريات عظيمة لاستمرار ذكرى ثورة الحسين عليه السلام، لكنها تبلغ كمال رسالتها عندما تتحول إلى أخلاق في بيوتنا، وعدالة في مؤسساتنا، وأمانة في وظائفنا، ورحمة في تعاملاتنا، وجرأة في قول كلمة الحق، ورفضٍ لكل ظلم وفساد واستبداد، وعدم استسلام لأي استكبار يريد إذلال الأوطان أو تزييف وعي الإنسان.
إن الحسين لا يريد منا ضجيجًا أكثر، بل وعيًا أكثر.
ولا يريد هتافات أعلى، بل ضمائر أنقى.
ولا يريد كلمات أجمل، بل أعمالًا أصدق.
قد لا يستطيع كل إنسان أن يغير العالم، لكنه يستطيع أن يصلح نفسه، وأسرته، ومكان عمله، وأن يمنع ظلمًا، أو يرفع أذى، أو ينشر صدقًا، أو يحفظ أمانة، أو يعين محتاجًا.
هذه الأعمال الصغيرة، حين تُخلص لله، قد تكون أبلغ عند الله من آلاف الكلمات.
فلنتحد جميعًا في مواجهة التزييف بكل أشكاله؛ تزييف الحقيقة، وتزييف الأخلاق، وتزييف الضمير، وتزييف الدين، لأن الحسين عليه السلام قام ليعيد الإنسان إلى فطرته، وإلى كرامته، وإلى مسؤوليته أمام الله.
طوبى للدمعة الصادقة التي توقظ الضمير.
وطوبى للقلب المكسور حبًا للحسين.
وطوبى لمن جرى حب الحسين في عروقه، يسري مع الدم في أوردته وشرايينه، فيترجم هذا الحب إلى عدلٍ ورحمةٍ وإصلاح.
فالحسين لا يحتاج إلى من يبكيه فقط…
بل يحتاج إلى من يحمل رسالته.
أبدًا والله ما ننسى حسينًا… ما بقي فينا قلب ينبض بالحق، وما بقي فينا ضمير يرفض الظلم، وما بقي فينا إنسان يسعى للإصلاح.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.


