ليس الانتماء إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) شعارًا يُرفع، ولا لقبًا يُضاف إلى الأسماء، وإنما هو التزام عملي بمنهج أخلاقي قبل أن يكون انتماءً عاطفيًا. فكم من لسانٍ يكثر من الحديث عن أهل البيت، بينما تغيب أخلاقهم عن مواقفه، وكم من قلمٍ يكتب في فضائلهم، ثم ينسى أن أول فضائلهم كانت تهذيب النفس، واحترام الإنسان، والعدل حتى مع المخالف.
لقد وضع القرآن الكريم ميزانًا واضحًا لا يفرق بين الناس بألقابهم ولا بانتماءاتهم، وإنما بأعمالهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. إنها ليست آية موجهة إلى غيرنا، بل إلينا قبل كل أحد، حتى لا يتحول الإيمان إلى كلمات، والأخلاق إلى شعارات.
ويقول سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ويقول أيضًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. فهل بقي للكلمة الحسنة مكان حين نختلف؟ وهل يجوز لمن يزعم أنه يسير على نهج أهل البيت أن يقابل النقد بالشخصنة، والرأي المخالف بالإهانة، والنصيحة بالتجريح؟
لقد علمنا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم»، أي اجعلوا أخلاقكم هي البرهان على صدق انتمائكم. فما قيمة القصائد في مدح أهل البيت إذا كانت ألسنتنا تؤذي الناس؟ وما قيمة المقالات في فضائلهم إذا كانت مواقفنا تناقض سيرتهم؟
وروي عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): «ثمرة الأدب حسن السيرة». فثمرة الأدب ليست كثرة الكلام، ولا براعة البيان، وإنما حسن التعامل مع الناس، وخاصة عند الاختلاف. وهناك فقط يُعرف المؤدب من المتأدب، ويُعرف من حمل أخلاق أهل البيت، ومن اكتفى بحمل أسمائهم.
إن نقد مؤسسة، أو رأي، أو أسلوب إدارة، لا يبرر الطعن في الأشخاص، ولا الانتقاص من كرامتهم. فالرد على الفكرة يكون بالفكرة، والحجة بالحجة، أما الشخصنة فهي اعتراف ضمني بالعجز عن مواجهة الرأي. ومنهج أهل البيت لم يكن يومًا قائمًا على إسكات المخالف بالإهانة، بل على إقناعه بالحكمة، والصبر، وسعة الصدر.
إن أخطر ما يصيب الإنسان أن يظن أن مجرد انتسابه إلى مدرسة أهل البيت يمنحه حصانة أخلاقية، بينما القرآن يحاسبه على عمله، وأهل البيت يحتجون عليه بسيرتهم. فالولاء ليس دمعةً تُذرف، ولا قصيدةً تُلقى، ولا شعارًا يُرفع، وإنما خلقٌ يُمارس، وعدلٌ يُقام، واحترامٌ يُمنح لكل إنسان.
فلنسأل أنفسنا بصدق: عندما نختلف، هل يتحدث فينا القرآن، أم تتحدث أهواؤنا؟ وهل يرى الناس في أخلاقنا صورةً من أخلاق محمد وآل محمد، أم يرون تناقضًا بين ما نقول وما نفعل؟
إن أعظم تكريم لأهل البيت (عليهم السلام) ليس بكثرة الحديث عنهم، بل بأن يكونوا حاضرين في أخلاقنا قبل كلماتنا، وفي سلوكنا قبل شعاراتنا. فمن وافقت أفعاله أقواله، فقد اقترب من نهجهم، ومن خالفت أفعاله أقواله، فليبدأ بإصلاح نفسه قبل أن يطالب الناس باتباع أهل البيت.


