قال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}. صدق الله العظيم العلي العظيم
تكشف هذه الآية الكريمة مقياسًا مهمًا لتمييز النفوس؛ فصاحب القلب الخبيث يحزنه ما يراه من خير يصيب أهل الحق، ويفرح بما ينزل بهم من ضر، وهذه الصفة لا تقتصر على المواقف والأحداث، بل تمتد إلى طريقة نشر الأخبار وتداول المعلومات.
فليس كل من ينشر الأخبار والمعلومات يحمل النية نفسها، فطريقة الإنسان في النشر تكشف الكثير عن نفسه، وعن القيم التي يؤمن بها، والجهة التي يقف معها. ولذلك فإن من أراد أن يعرف حقيقة الأشخاص، فلينظر إلى ما يحرصون على نشره وتداوله، لا إلى ما يدعونه بألسنتهم.
فالخبيث يغتاظ من كل خبر طيب، ويضيق صدره بكل ما يبعث الأمل ويقوي النفوس ويجمع الكلمة، لذلك يسعى إلى إخفائه أو التقليل من شأنه أو التشكيك فيه. وفي المقابل، يلهث خلف كل ما من شأنه أن يثير الفتنة ويزرع اليأس ويعمق الانقسام، حتى لو كان كذبًا أو إشاعة مغرضة لا أصل لها. يجتهد في ترويج الإشاعات، ونقل أخبار التسقيط والتشهير، ويبحث عن الزلات والأخطاء ليضخمها، وينقل كل ما يمكن أن يؤذي أهل الحق ويشوّه صورتهم، بينما يضخم أفعال أهل الباطل ويطبل لها ويزينها للناس.
أما صاحب النفس الطيبة، فإنه يفرح بكل ما فيه خير، ويحرص على نشر الأخبار الصادقة التي تبعث الأمل، وتنشر الوعي، وتقوي أواصر المجتمع، وتدعو إلى الإصلاح. لا يكون بوقًا للإشاعات، ولا وسيلة لنقل الأكاذيب، بل يجعل من قلمه ولسانه ومنصاته طريقًا للكلمة الطيبة التي تنفع الناس وتحيي فيهم روح التفاؤل والثبات.
إن المحتوى الذي يختاره الإنسان ليس أمرًا عابرًا، بل هو مرآة لما في قلبه. فمن امتلأ قلبه بالخير نشر الخير، ومن امتلأ بالحقد والخبث نشر ما يشبهه. ولذلك فإن التمييز بين الطيب والخبيث لا يحتاج إلى جدل طويل، بل يكفي أن تراقب ما ينشره، وما يخفيه، وما يفرح بانتشاره، وما يغتاظ من تداوله.
وفي عصر المنصات الرقمية، لم تعد معركة الحق والباطل تُحسم بكثرة المعلومات، بل بقدرة الإنسان على التمييز بين ما يخدم الحقيقة وما يُصنع لتوجيه الرأي العام وإثارة الانفعال. فإعادة نشر الخبر أصبحت موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون ممارسة إعلامية، لأن الكلمة قد تبني وعيًا عامًا أو تُسهم في تضليل مجتمع بأكمله. ومن هنا يغدو التثبت من المعلومة، وحسن القصد في تداولها، جزءًا من المسؤولية الدينية والوطنية والإنسانية.
فاحذر أن تكون أداة في نشر الباطل أو الإشاعات أو الفتن، واجعل ميزانك دائمًا الصدق والخير والمنفعة، لأن الكلمة أمانة، وما تنشره اليوم قد يكون سببًا في هداية أو إصلاح، وقد يكون سببًا في فتنة وإفساد، والله سائلك عن كل ما تنشره وتتداوله.


