بعض الأحيان يضطر العقلاء للخوض بحديث فيه كلمات وعبارات يرددها السفهاء والخبثاء، ولغاية وهدف قلب الحقائق، ولكن نية العاقل فيها نفع للمتلقي الشريف والنظيف …
ففي خضم الأحداث الراهنة، ستتكشف الحقائق أمام أصحاب العقول والضمائر، وستسقط الأقنعة عن الوجوه. فالأيام كفيلة بأن تُظهر من يقف مع الحق، ومن يكرّس جهده لخدمة الباطل، ومن يسير خلفه قولًا وفعلًا حتى وإن ادعى غير ذلك.
والذيل ليس مجرد من يعلن تبعيته، بل هو كل من يفرح أهل الباطل بقوله وفعله، فيردد رواياتهم، ويخدم أهدافهم، ويبرر مواقفهم، ويشارك في حملاتهم، سواء بقصد أو بغير قصد. فالمعيار ليس كثرة الشعارات، وإنما الأثر الذي يتركه الإنسان، ولصالح من تصب كلماته ومواقفه.
إن الذيلية والتبعية هي الاصطفاف مع الباطل، لا بل حتى الوقوف على الحياد عندما تكون المواجهة واضحة بين الحق والباطل. فالحياد في مثل هذه المواقف ليس موقفًا محايدًا، بل قد يتحول إلى خدمة غير مباشرة للباطل. أما الادعاء بعدم القدرة على التمييز بين الحق والباطل، فليس إلا وهمًا يُضلل صاحبه ويجعله يعجز عن رؤية الحقائق الواضحة.
وفي هذا السياق، يجهد بعض الناس في كل منبر ومجلس ووسيلة إعلام إلى تصوير إيران بصورة سلبية، ويتناقلون كل ما يسيء إليها، ويضخمون الإشاعات، ويغضّون الطرف عن أي إنجاز أو موقف يرونه إيجابيًا، بينما يظهر عليهم الضيق كلما تحقق لها ما يعدونه نجاحًا. وهذه المواقف تكشف حقيقة الانحياز أكثر مما تكشف حقيقة الطرف الآخر.
إنَّ أخطر صور التبعية ليست تلك التي تُعلن ولاءها صراحة، بل التي تتخفّى خلف شعارات الاستقلال والموضوعية، بينما تنتهي عمليًا إلى خدمة السردية التي يريدها الخصم. فالحروب الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بالكلمة التي تُشكّل الوعي، وبالموقف الذي يمنح الشرعية لرواية دون أخرى. لذلك فإن معيار الحكم على المواقف لا يكون بما يدّعيه أصحابها، وإنما بالنتائج التي تترتب عليها، وبالجهة التي تجني المكاسب السياسية والإعلامية من خطابهم، فهناك تتكشف حقيقة الاصطفافات وتسقط الأقنعة. وحين تصبح المفردات ذاتها التي يروّجها الخصم جزءًا من الخطاب الداخلي، فإن المعركة تكون قد انتقلت من ساحات المواجهة إلى ساحات الوعي والإدراك. وعندها لا يعود السؤال: ماذا قال المتحدث عن نفسه؟ بل: من الذي استفاد من قوله وفعله، ولصالح أي مشروع صبَّت مواقفه؟
لكن الأيام لا تثبت إلا الحقائق، وسنن الله لا تحابي أحدًا. وسيأتي وقت تتضح فيه المواقف للناس، فيعرفون من كان ينصر الحق، ومن كان يخذله، ومن كان يفرح أهل الباطل بقوله وفعله. وحينها ينقلب الخداع على أصحابه، ويكون الخزي من نصيب من جعل نفسه أداة لخدمة الباطل، وسيخزيهم الله.
إذن الذيل هو المنافق الذي يفرح أهل الباطل بقوله وفعله، ويرضون عنه …


