في موسم الحج يعود السؤال نفسه إلى الواجهة لماذا ترتفع أسعار الحج عاماً بعد آخر؟ وهل تعكس هذه الأسعار الكلفة الحقيقية للخدمات أم أن هناك فروقات مالية تستوجب الكشف عنها للرأي العام؟
الحج فريضة شرعية وخدمة الحجاج مسؤولية وطنية قبل أن تكون نشاطاً إدارياً لذلك فإن أي زيادة في الرسوم أو التكاليف يجب أن تكون مبررة موثقة ومعلنة بشفافية لأن الأموال التي يدفعها المواطن ليست منحة او ضريبة بل هي مقابل خدمات يفترض أن تكون محددة وواضحة.
المواطن لا يطالب بالمستحيل بل يطالب بكشف تفاصيل الكلفة كم تبلغ أجور النقل؟ وكم تكلفة السكن؟ وما قيمة العقود المبرمة؟ وما مقدار الرسوم الإدارية؟ وهل توجد هوامش مالية تتجاوز الكلفة الفعلية؟ إن نشر هذه البيانات هو الطريق الأقصر لبناء الثقة وإغلاق باب الشائعات والاتهامات.
ان أكثر القضايا إثارة للتساؤل فرض رسوم على التسجيل الإلكتروني (التي تم الغاؤها) ولماذا فرضت من الأساس فالتحول الرقمي وُجد لتقليل الإجراءات والوقت والكلفة وليس لإضافة أعباء جديدة على المواطن وإذا كانت عملية التسجيل تتم إلكترونياً فما المبرر لفرض مبالغ إضافية عليها؟ وهل تمثل هذه الرسوم تكلفة فعلية للخدمة أم أصبحت مورداً مالياً مستقلاً؟
أما من الناحية الشرعية فإن تحقيق ربح مقابل خدمة مباحة قد يكون جائزاً إذا كان معلناً وعادلاً ومقابلاً لخدمة حقيقية لكن أي رسوم أو أرباح غير مبررة أو مبالغ فيها تستحق المراجعة والمساءلة من الجهات الرقابية لأن المال العام وحقوق المواطنين أمانة.
ولا ترتبط كفاءة إدارة مواسم الحج بحجم الإيرادات المتحققة، وإنما بقدرة المؤسسة على تحقيق أعلى مستوى من الكفاءة التشغيلية بأقل تكلفة ممكنة مع الحفاظ على جودة الخدمة. فالإدارة الحديثة تقيس نجاحها بمؤشرات الشفافية والإفصاح وترشيد الإنفاق، لا بحجم الرسوم المفروضة على المستفيدين. وكلما كانت بنية التكاليف واضحة وقابلة للتدقيق، ازدادت ثقة المواطنين بالمؤسسات، وتراجعت الشكوك بشأن وجود أعباء مالية لا تستند إلى مبررات موضوعية، وهو ما يجعل الإفصاح المالي أحد أهم أدوات الحوكمة الرشيدة وحماية المال العام. وتعزيز المساءلة المؤسسية، وترسيخ العدالة في تقديم الخدمات العامة لجميع المواطنين.
إن احترام الحاج يبدأ باحترام امواله والشفافية ليست تفضلاً من أي مؤسسة بل واجب قانوني وأخلاقي والمؤسسات التي تعمل بثقة لا تخشى نشر الأرقام ولا تتردد في توضيح كيفية احتساب الأسعار لأن الوضوح هو أساس الثقة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن الإجابة عنه: إذا كانت كل الرسوم والأسعار مستندة إلى كلف حقيقية فلماذا لا تُنشر تفاصيلها كاملة أمام الرأي العام؟ فالإفصاح يبدد الشكوك أما الغموض فلا ينتج إلا مزيداً من التساؤلات بالنسبة لبلد مجاور للمملكة العربية السعودية.


