تحتاج الديمقراطية الى تهيئة مستلزمات عملية لتسهيل مفردات تطبيقها على أرض الواقع في العراق أوفي أي بلد آخر حديث عهد بالديمقراطية، ويشير أغلب المتابعين للشأن السياسي أن الديمقراطية سلاح ذو حدين ، فهي اذا ما مورست بشكل غير صحيح ، فستكون نتائجها كارثية أحيانا ، وقد تنقلب رأساً على عقب، فالديمقراطية يفهمها البعض خطئاً ان يسُبّ هذا المسؤول ويشتم هذه الكتلة السياسية ويجرّح بهذا الشخص وذاك ويخوّن الآخر .
ان مايحدث في بلدنا عبر القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي أمر محزن ومخزي فاصبحت هذه المنابر الإعلامية مراكز للتسقيطات السياسية الرخيصة وبأساليب تخرج عن الذوق والأعراف ولايحكمها أي حاكم , فالنقد لأي ظاهرة أو شخصية سياسية لايكون بهذه الطريقة بل يجب أن يكون نقداً موضوعياً يشخص الخلل ويطرح الحلول لا أن يكون بكيل الشتائم والاتهامات الرخيصة التي لاتحترم حتى المشاهد .
ليس هذا معنى الديمقراطية وليس هذه حرية التعبير عن الرأي فالديمقراطية أسمى من ذلك فهي ممارسة انسانية راقية تحتاج الى رُقي من يستخدمها وتحتاج الى ضوابط ومُحدّدات لايمكن التجاوز عليها وتحتاج الى توعية حقيقية لمستخدمها , ومن هذه المستلزمات أن يتم توفير قدر كاف من الحرية الشخصية للتعبير عن الرأي ومشاركة أكبر عدد ممكن من أصوات الجمهور في ايجاد حلول لاشكالات الواقع السياسي وفق اسلوب حضاري، ومن خلال هذه المشاركة تبرز لنا قيمة كبرى هي ان المواطن يشعر لأول مرة بمسؤوليته عند اتخاذ القرار،
وهذا ما يشجع خطوات بناء مرتكزات الديمقراطية في وقت لاحق. وحتى في الثقافات التي تحدث في الدوائر والمؤسسات الحكومية يكون من المفيد تعويد المواطن على احترام حرية الرأي والرأي الآخر،وان لايصل الاختلاف حد التقاطع مع وجهات النظر الأخرى، وأن يكون من المفهوم لدى الجميع ان احترام وجهات النظر الاخرى ينبغي ان يُصان و يُحترم،
وفي المقابل تتوفر قناعة لدى من يريد أن يطرح آراءه أن يجد لها قبولاً أو تعاطفاً أو على الاقل عدم معارضته لتوجهاتها، واذا ما عارضها فلديه مبررات مقنعة من دون أن تكون قد جرحت الأخرين أو اعتدت على حقهم في ان يكون لهم فسحة من التعبير ليس بمقدور احدٍ أن يتجاوز عليها . وكلما كان تطبيق الديمقراطية ضمن اُطره الصحيحة والمرنة، فان الصعاب ستزول تدريجياً وتكون الحلول ميسرة وقابلة للتطبيق، وكلما كانت الممارسات الديمقراطية قريبة من اهتمامات المواطن والمؤسسة والبلد عموماً كانت أفضل بحيث تتوفر لها ظروف عملية افضل وضمان لنجاح تطبيقها بزمن قياسي يخدم المجتمع والعملية السياسية .


