40مليار دولار في الهواء والممول ما زال مجهول الهوية!

40مليار دولار في الهواء والممول ما زال مجهول الهوية!”
طرحُ فرصٍ استثمارية بقيمة أربعين مليار دولار لإحلال الواردات يفتقر إلى مصادر تمويل واضحة، وضمانات وتشريعات مستقرة ومؤسسات فاعلة. ومن دون إصلاح مصرفي وبيئة استثمارية وجدول تنفيذ محدد، تبقى الأرقام وعوداً إعلامية لا برنامجاً اقتصادياً قابلاً للتطبيق...

٤٠ مليار دولار فرص استثمارية ولكن من سيموّل الحلم؟

في كل مرة تتعثر فيها المالية العامة، يخرج علينا مسؤول برقم أكبر من سابقه. مرةً “إصلاح مصرفي”، وأخرى “تنويع اقتصادي”، واليوم “٤٠ مليار دولار من فرص إحلال الواردات”. المشكلة ليست في الرقم!!

بل في السؤال الذي لم يُطرح: من أين سيأتي التمويل؟

إذا كان العراق لا يمتلك موازنة اتحادية نافذة ويعاني من تذبذب الإيرادات النفطية وتوقف أو انخفاض بعض الصادرات وضغوط السيولة وارتفاع الالتزامات التشغيلية فمن سيموّل استثمارات بحجم عشرات المليارات؟

القول بوجود فرصة استثمارية يختلف جذرياً عن وجود مستثمر قادر على ضخ الأموال.

فالفرصة الاقتصادية ليست مشروعاً قائماً وإنما احتمال يحتاج إلى تمويل وضمانات وتشريعات مستقرة، وقضاء تجاري فاعل ومصارف قادرة على الإقراض، وسوق رأس مال نشط.

التمويل… الحلقة المفقودة

إذا استبعدنا الموازنة العامة فمن الناحية الاقتصادية لا توجد إلا مصادر محددة:

* الاستثمار الأجنبي المباشر، وهو لا يأتي بالشعارات، بل بالاستقرار القانوني والسياسي والضمانات.

* الاقتراض الخارجي، وهو يعني زيادة الدين العام.

* القطاع المصرفي العراقي، الذي لا يمتلك أصلاً القدرة على تمويل مشاريع بعشرات المليارات في ظل ضعف الائتمان طويل الأجل.

* الشراكات مع القطاع الخاص، الذي يعاني أساساً من ارتفاع كلفة التمويل، وضعف البيئة الاستثمارية.

* صناديق الثروة السيادية أو المؤسسات المالية الدولية، وهذه لا تضخ الأموال بمجرد الإعلان عن الفرص، وإنما بعد دراسات جدوى صارمة وإصلاحات مؤسسية.

إذن، ال٤٠ مليار دولار موجودة كفرص على الورق لكنها ليست موجودة كتمويل في الخزائن.

صندوق التنمية… صندوق أم فكرة؟

صندوق العراق للتنمية أُنشئ ليكون أداة استثمارية لكن رئيسه يقر بأن مجلس الإدارة لم يعقد اجتماعه الأول بعد تشكيل الحكومة وهنا تبدأ المفارقة.

إذا كانت المؤسسة التي يُراد لها قيادة التحول الاقتصادي لم تعتمد سياساتها بعد فكيف أصبحت فجأة رأس الحربة للاقتصاد البديل؟

وكيف يمكن الحديث عن إطلاق مشاريع استراتيجية قبل إقرار السياسة الاستثمارية نفسها؟

اقتصاد الأمنيات

تحويل ٤٠ مليار دولار من الواردات إلى إنتاج محلي ليس قراراً إعلامياً بل مشروعاً يحتاج إلى:

* كهرباء مستقرة.

* أراضٍ صناعية مخدومة.

* نقل ولوجستيات.

* قضاء اقتصادي سريع.

* نظام مصرفي يمول الصناعة.

* سياسة جمركية مستقرة.

* حماية مدروسة للمنتج الوطني.

* استقرار تشريعي لسنوات.

أما الاكتفاء بإعلان رقم ضخم، فهو يشبه الإعلان عن بناء مدينة على ورقة رسم دون وجود قطعة أرض.

الرؤية الاستشرافية

إذا استمرت الحكومة في إطلاق أرقام استثمارية دون إعلان مصادر التمويل وآليات التنفيذ، فسيتحول صندوق التنمية إلى منصة لإدارة التوقعات لا لإدارة الاستثمارات.

أما إذا أرادت الدولة فعلاً إحلال الواردات فعليها أولاً أن تجيب عن أربعة أسئلة:

  1. 1. من سيمول؟
  2. 2. وبأي كلفة؟
  3. 3. وما الضمانات؟
  4. 4. وما الجدول الزمني؟

فالمستثمر لا يقرأ البيانات الصحفية بل يقرأ التصنيف الائتماني، والقوانين واستقرار القضاء، والقدرة على تحويل الأرباح.

الفرص الاستثمارية لا تُقاس بحجم الاستيرادات فقط بل بقدرة الاقتصاد على تمويل تحويل تلك الفرص إلى مصانع ومنشآت منتجة.

أما الحديث عن ٤٠ مليار دولار دون إعلان واضح لمصادر التمويل وآليات التمويل، وخطة التنفيذ فهو أقرب إلى إحصاء للأمنيات الاقتصادية منه إلى برنامج اقتصادي قابل للتطبيق.

وفي الاقتصاد كما في المحاسبة، الأرقام التي لا يقابلها تمويل تبقى مجرد أرقام… مهما كان بريقها الإعلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *