أعترف بداية أن ما أطرحه هنا يشكل مسألة إشكاليّة في التحليل النفسي الاجتماعي (البيسيكولوجيا) لظاهرة الخوف, وتولد الأسطورة والخرافة في حياة الفرد والمجتمع, مع إقراراي أن للخوف أسباب كثيرة, ولكن ما يهمني منها هنا هو الخوف موضوع هذا المقال, حيث شكل هذا الخوف تحولات كبيرة وعظيمة في تاريخ حياة البشريّة, وأهمها إنتاجه للديانات التي خلقها الإنسان بنفسه وراح يعبدها. أي صنمها, وجعل منها حالة مقدسة راحت تسيطر على حياته الخاصة والعامة.
يظل الخوف والرعب من الظواهر التي تجبر الإنسان على التوقف كثيراً أمام أي شيء يريد قوله أو ممارسته, وذلك بسبب جهله لطبيعة وآليّة عمل الظواهر التي يتعامل معها وللنتائج التي ستترتب عبر هذا التفكير أو هذه السلوكيّة على حياته. فالإنسان إضافة لكونه عدو ما يجهل, فهو يخاف مما يجهله, والمغامرون الذين يمتلكون الجرأة على خوض غمار الحياة بحريّة وعقل منفتح هم قلة, وهم برأيي من يستطيعون فتح الطريق أمام الاخرين كي يسيروا على خطاهم.. فالجرأة مرتبطة بمغامرة الإنسان في كشف مجاهيل الطبيعة أولاً ثم المجتمع ثانياً.
لا شك أن علاقات الإنسان مع الطبيعة لها جذور تاريخيّة عميقة تخللها الكثير من الخوف تجاه ظواهر الطبيعة التي لم يكن الإنسان يعرف سنن أو قوانين حركتها وتبدلها, الأمر الذي جعله يتخيل أولاً ثم يشكل ثانياً الكثير من الأساطير والخرافات حولها, وعلى هذا الأساس من الخوف راح يعبد مفردات الطبيعة, أي ظواهرها .. فعبد الشجر والحجر والحيوان وشكل الكثير من الطواطم المرتبطة بها داخل محيطه, ومن خوفه هذا راح يقدم لها الأضاحي من البشر والحيوان والثمار وكل ما يشعره برضاها وعدم أذيته. وعندما بدأ الإنسان يكتشف سر القوانين التي تتحكم في هذه الظواهر الطبيعة المحيطة به, فقدت هذه الظواهر شيئاً فشيئاً قدسيتها عنده, ولم يعد يخاف هذه الظاهرة أو تلك, وبالتالي لم يعد يعبدها, وشيئاً فشيئا فقدت سيطرتها على عقله ومخياله وحلمه بالآمان معاً.. وهكذا مع سيطرته على الظواهر الطبيعيّة المحيطة به أو كشف أسرارها فقدت الطواطم قدسيتها, وراح عقله الإنسان وتخيلاته تتحول من عالم محيطه الطبيعي إلى الفضاء الخارجي, فخاف الشمس والقمر والليل والنجوم.. فألهها ورمّزها في أسماء ترتبط بحياته العمليّة خاصة بعد أن حدث التقسيم الكبير للعمل بين الرعي والحرفة والزراعة. فكان الإله بعل وتموز على سبيل المثال لا الحصر, وراح يعبدها ويسترضيها أيضاً, ويخاف معاكستها أو مخالفة تعاليمها التي جسدها رجال الدين آنذاك ونسبوها لهذه الآلة… ومع تطور وسائل إنتاج الإنسان ازداد الانتاج وازدادت طبيعة العلاقات بين الناس, فبدأ الإنسان يضيع في منتجاته أيضاً بعد أن حل الاستغلال والظلم بين الناس بسبب الملكية … وهنا أخذ الإنسان يضيف إلى آلهته تموز وبعل وعشتار وآمون .. الخ, آلهة أخرى ذات طبيعة أو سمات وخصائص بشريّة ترتبط بهذه العلاقات الاجتماعيّة.. فكانت ألهة الحب والحرب والجمال الخ…ولكن مع كل تطور في حياته الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة, يكتشف من جديد سر العلاقات الاجتماعيّة ومعرفة أن الإنسان يلعب دوراً في تكوينها. أي إن الإنسان هو سبب الظلم والقهر والاستغلال لأخيه الإنسان, فمع هذه المعرفة سقطت هذه الآلهة الاجتماعيّة, كما سقطت الآلهة التي ارتبطت بعلاقة الإنسان بالطبيعة.. ومع هذا السياق الفكري والسلوكي لظاهرة الخوف والتخيل والحلم بحياة أفضل الذي استمر بالضرورة بسبب جهل الإنسان للكثير من أسباب ظلمه وفقره وجوعه, جاءت الديانات الشمولية السماوية التوحيديّة (اليهودية والمسيحيّة والإسلاميّة).. وهي ذاتها خضعت للمخيال الاجتماعي وللحلم والأمل .. فإذا كانت اليهوديّة تؤمن بإله واحد يخاطب الناس ويكره ويحب ويأمر بالقتل والتدمير وهو الإله يهوه. فإن المسيحية جسدت الوهيّة او تمثيلها بالسيد المسيح الذي أبعد كل صفات الشر عن الإله ليمثل أو يجسد صفات الإله القائمة على المحبة والسلام.. ومع الإسلام جاء التوحيد المطلق للإله الذي ليس كمثله شيء, وأن كل شيء مخلوق له.
هنا بدأ المخيال الإنساني يشتغل بطريقة أخرى بعد أن أقصيت الديانات الوثنية وصحح مسار الإله العلوي وحضوره لدى الناس , حيث ارتبط المخيال الاجتماعي والفردي في هذا الإله الذي راح الإنسان يعوّل عليه الخلاص وتأمين كل حاجاته بالرغم من أن (الإله) دعاه إلى ضرورة العمل والاعتماد على النفس من أجل خلاصه. وأن حالات ظلمه وقهره وعبوديته هي من أخيه الإنسان, وأن كل تعاليم الديانات الشمولية جاءت من الناحية الأخلاقيّة تدعوا الإنسان إلى الكف عن ظلم أخيه الإنسان.
هكذا تشكل المخيال الإنساني تجاه الآلهة تاريخيّاً من جهة, وهكذا تشكل الخوف الحلم والأمل في الخلاص من القهر والظلم والعبودية تاريخيّاً من جهة ثانية.
أما المشكلة في استمرار الأسطورة والخرافة والحلم والأمل الذي تعود جذوره إلى العمق التاريخي, فيعود اليوم إلى القوى الاجتماعيّة والسياسيّة والدينية التي تريد لهذه الخرافة (الجهل) أن تستمر حتى تستطيع القوى الاجتماعيّة وخاصة الممثلة بالسلطات الاستبداديّة أن تحافظ على وجودها وغنائمها.. فكل من يقول بالجبر مثلاً أو يسهل الاشتغال عليه هو يعمل من أجل إقصاء وتعطيل عمل عقل الإنسان وحرية إرادته, وبالتالي دفع هذا الإنسان إلى الاتكاء على الدين في صيغته الجبريّة من أجل استمراريّة الخرافة والحلم في الخلاص عائشين في داخله.
لم يزل الاستبداد قائماً, ولم تزل القوى الداعية للجبر وإقصاء العقل قائمة, وبالتالي سيبقى الجهل والتخلف والخرافة والحلم والأمل قائمين في عالمنا حتى يأتي من يقدس العقل ويعتبر الإنسان سيد قدره ومصيره.
ملاحظة:
الأسطورة هي رؤية دونت على شكل قصة لمغامرة ما أو معركة ما أو رحلة ما.. فمغامرة “فجلجاميش” أسطورة .. وقصة الخلق أسطورة . ولكنها في مفاهيم عصرنا هي شكل من أشكال الخرافة التي حاولت بناء تصور ما عن قضية كبيرة في حياة المجتمع أو الإنسان.. أما (الخرافة) فهي حكاية غالباً ما تكون شعبيّة ولا تنتقل إلى مجال التدوين, وهي غالباً ما تستخدم للتسلية أو لتخويف الأطفال من أجل ردعهم عن ممارسة السوء أو تعليمهم قيم حياتية محددة. كحكايات الجن وغيرها.


