سلاح اللطمية في الحرب
سلاح اللطمية في الحرب لا يُفهم بوصفه مجرد إنشاد ديني أو طقس وجداني مرتبط بالمجالس والمواكب، بل بوصفه أداة سردية ونفسية قادرة على إنتاج المعنى في لحظات الخوف، وتثبيت الجماعة في أوقات الصدمة، وتحويل الخسارة إلى عنصر تعبئة معنوية. ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت اللطمية، في سياقات معينة، جزءاً من أدوات الحرب النفسية والرمزية لدى محور المقاومة.
في لحظات المواجهة الكبرى، لا تقاتل الجيوش بالسلاح وحده. هناك خطاب، وصوت، وذاكرة، وصورة، ورمز، وقدرة على تحويل الموت إلى معنى، والخسارة إلى استمرار، والصدمة إلى طاقة صمود. وهذه هي المنطقة التي تتحول فيها اللطمية من طقس عزائي إلى لغة تعبئة جماعية.
حادثة مهدي رسولي ودلالة الاستهداف
في الثامن والعشرين من آذار/مارس من هذا العام، وخلال ذروة المواجهة بين الجمهورية الإسلامية من جهة، والكيان الصهيوني والولايات المتحدة وحلفائهما من جهة أخرى، جرى تداول خبر عن نجاة الرادود الإيراني مهدي رسولي من ضربة جوية استهدفت محل إقامته، الأمر الذي أدى إلى إخفائه لأغراض أمنية ومنع ظهوره العلني في الساحات خوفاً من تكرار المحاولة.
هذا الخبر، وفق هذه القراءة، كان يستحق التوقف عنده لا بسبب غرابة الاستهداف فقط، بل بسبب دلالته. فالاستهداف لم يكن موجهاً إلى مقاتل يحمل سلاحاً تقليدياً، بل إلى صوت يمتلك قدرة على تحريك الجمهور، وإعادة إنتاج المعنى، وتثبيت السردية في لحظة حرب.
وهنا تظهر أهمية السؤال: لماذا يخشى الخصم من الرادود؟ ولماذا يمكن أن يُنظر إلى الصوت بوصفه جزءاً من المعركة؟
مجمع سيد الشهداء والرسالة الرمزية
تستعيد هذه الحادثة، في الذاكرة القريبة، ضربة جوية استهدفت الضاحية الجنوبية فجر الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2024، وأدت، بحسب ما تم تداوله، إلى دمار واسع في مجمع سيد الشهداء، وهو من المراكز الأساسية لإقامة مراسم العزاء الحسيني في الضاحية.
وفق هذه القراءة، لم يكن الاستهداف مجرد عملية عسكرية تقليدية. فالمكان نفسه يحمل رمزية واضحة: مجلس عزاء، وذاكرة حسينية، ومركز تعبئة وجدانية وثقافية. وعندما يُستهدف هذا النوع من الأماكن، فإن الرسالة تتجاوز المبنى إلى ما يمثله من قدرة على إنتاج التضامن والصبر والهوية.
فالحرب على الرمز لا تقل أهمية أحياناً عن الحرب على الموقع العسكري، لأن الرمز قادر على إعادة تعبئة الناس بعد الضربة.
من الشوفار إلى اللطمية
لفهم هذا البعد، ينبغي العودة إلى التاريخ الطويل لأدوات التعبئة الدينية والعقائدية في الحروب. فالشوفار، وهو البوق اليهودي القديم، لم يكن مجرد أداة صوتية، بل حمل معنى النداء، والاستذكار، واليقظة، واستحضار العهد الديني في الوعي الجمعي.
ولم تكن هذه الظاهرة حكراً على اليهودية. فقد عرفت الحضارات والجيوش القديمة أدوات صوتية وإنشادية متعددة للحشد والتعبئة، من جيوش الفراعنة والإغريق والرومان إلى الحروب الصليبية، وصولاً إلى التجارب الإسلامية المبكرة حيث لعبت صيحات التكبير والنداء الديني دوراً في بناء الحالة النفسية للمقاتلين.
الفارق الجوهري أن التعبئة العقائدية لا تكتفي بتحفيز المقاتل، بل تمنحه سبباً لتقبل الخطر والموت ضمن سردية أوسع من حدود المعركة المباشرة.
السردية كسلاح موازٍ
في الحروب، لا تكون السردية أقل أهمية من السلاح. فالمقاتل لا يحتاج إلى الرصاصة فقط، بل يحتاج إلى معنى يبرر البقاء في الميدان. والجمهور لا يحتاج إلى الأخبار فقط، بل يحتاج إلى تفسير يمنح الخسائر موقعاً داخل قصة كبرى.
وهنا تصبح اللطمية أداة مؤثرة، لأنها لا تتعامل مع الحرب بوصفها حدثاً سياسياً فقط، بل تدمجها داخل الذاكرة الحسينية، حيث الظلم، والصبر، والثأر المعنوي، والثبات، وتفضيل الموت على الخضوع.
هذه السردية لا تُنتج تعبئة عابرة، بل تصنع شعوراً بأن المعركة الحالية امتداد لمعركة تاريخية لم تنتهِ.
اللطمية بين العزاء والحرب النفسية
اللطمية في أصلها طقس عزائي، لكنها في لحظة الحرب يمكن أن تتحول إلى وسيلة نفسية لثلاث وظائف رئيسية.
الوظيفة الأولى هي تثبيت الجمهور الداخلي بعد الصدمة. فعندما تقع ضربة كبيرة أو خسارة رمزية، تأتي اللطمية لتعيد تفسير الحدث، وتمنع الانهيار المعنوي، وتحوّل الحزن إلى طاقة صمود.
الوظيفة الثانية هي ربط المقاتل بسردية أوسع من حدود المعركة، بحيث لا يرى نفسه فرداً في مواجهة عسكرية فقط، بل جزءاً من امتداد تاريخي وروحي.
أما الوظيفة الثالثة فهي التأثير في الخصم نفسه، عبر بث صوت لا يفهمه بالضرورة ثقافياً، لكنه يشعر بثقله النفسي والطقوسي، خصوصاً عندما يرتبط بالموت والصبر والاستعداد للتضحية.
إيران بعد الصدمة الأولى
وفق السردية التي يطرحها النص، بعد الضربات الأولى التي استهدفت القيادة الإيرانية، كان هناك رهان أمريكي وإسرائيلي على أن الصدمة قد تفتح الباب أمام ارتباك داخلي واسع، وربما إطلاق يد المعارضة أو إشعال ثورة مسلحة.
لكن ما حدث، بحسب هذه القراءة، أن بعض الرواديد توجهوا سريعاً إلى الساحات العامة، ومن بينهم حسين طاهري ومهدي رسولي، وبدأوا بخطب وأناشيد مفتوحة لتعبئة الجمهور. لم يكن الأمر منظماً وفق برنامج سياسي تفصيلي، بل كان استدعاءً سريعاً للموروث الإسلامي والشيعي من أجل امتصاص الصدمة وتحويلها إلى موقف.
وهنا ظهرت قوة اللطمية بوصفها أداة جاهزة في الوعي الجمعي، لا تحتاج إلى تفسير طويل كي تؤدي وظيفتها.
تحويل الفقد إلى صمود
اعتمد الخطاب التعبوي، وفق هذه القراءة، على فكرتين مركزيتين. الأولى أن القيادة ليست محصورة في شخص، بل متصلة بمنظومة عقائدية أوسع ترى أن المعركة لها قيادة معنوية ودينية تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.
أما الفكرة الثانية، فهي تحويل الشهادة أو الخسارة الكبرى إلى دافع للثبات لا إلى سبب للانهيار. وبهذا جرى نقل الجمهور من حالة التلقي السلبي للصدمة إلى حالة المشاركة الرمزية في المعركة.
ومن هنا نفهم لماذا قد تكون اللطمية مؤثرة في أوقات الحرب: لأنها لا تلغي الحزن، بل تعيد توجيهه.
العلم والطابور ومعنى المشاركة
من المشاهد التي تحمل دلالة رمزية في مثل هذه اللحظات أن يتحول حمل العلم إلى فعل مشاركة في المعركة. فالناس الذين لا يقاتلون في الجبهة يبحثون عن موقع رمزي داخل الحدث، والطقوس تمنحهم هذا الموقع.
حين يتطوع الناس لحمل العلم بنوبات زمنية، ويتحول انتظار الدور إلى لحظة وجدانية، فإننا لا نكون أمام فعل بروتوكولي فقط، بل أمام نوع من التعبئة الرمزية التي تمنح الجمهور شعوراً بأنه جزء من الصمود العام.
هذا النوع من المشاركة لا يغير ميزان السلاح، لكنه يغير ميزان المعنويات.
لبنان وشعار المعركة الكربلائية
في الساحة اللبنانية، اتخذت التعبئة طابعاً آخر. فقد واجه حزب الله سردية روجها خصومه تقول إن الحزب بعد السيد حسن نصر الله قد انتهى، وإن معركته القادمة ستكون الأخيرة.
في مواجهة هذه السردية، رفع الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم شعاراً يقوم على تحويل المعركة إلى معركة ذات طابع كربلائي. هذا التحويل لم يكن تفصيلاً لغوياً، بل إعادة تعريف للمعركة نفسها: ليست معركة قوة مادية فقط، بل معركة ثبات أمام اختلال موازين القوة.
وعندما تُعرّف المعركة بهذا الشكل، تصبح الخسارة جزءاً من معنى أكبر، ولا تعود دليلاً فورياً على الهزيمة.
مقتل أبي مخنف بصوت عبد الزهرة الكعبي
من أكثر المشاهد دلالة، وفق ما يطرحه النص، تشغيل رواية مقتل الإمام الحسين المنسوبة إلى أبي مخنف بصوت القارئ العراقي الراحل عبد الزهرة الكعبي في بعض محاور القتال.
لهذه النسخة من المقتل مكانة وجدانية خاصة في الذاكرة الشيعية.
فهي ليست مجرد تسجيل صوتي، بل ذاكرة بيتية وجماعية أعادت أجيالاً كاملة إلى طفولتها ومجالسها الأولى ومناخات عاشوراء.
في لحظة الحرب، يصبح هذا الصوت أكثر من قراءة تاريخية.
إنه يعيد بناء المشهد النفسي: قلة في مواجهة كثرة، ثبات أمام تهديد، ومعنى يتقدم على حسابات النجاة الفردية.
المقاتل بوصفه امتداداً للذاكرة
من المنظور النفسي، يمكن لهذا النوع من الصوت أن يحول المقاتل من فرد في معركة حديثة إلى امتداد رمزي لأصحاب الحسين في كربلاء. وهذه ليست مسألة بسيطة.
فعندما يرى المقاتل نفسه داخل سردية تاريخية مقدسة، يتغير إدراكه للخطر.
الموت لا يعود مجرد نهاية، والخسارة لا تعود مجرد تراجع، والمعركة لا تعود مجرد اشتباك عسكري، بل امتحان للثبات والوفاء.
وهنا تكمن قوة اللطمية والمقتل والإنشاد الديني في الحروب العقائدية: إنها تعيد صياغة معنى الخوف.
أثر الصوت على الخصم
لا يقتصر تأثير هذا الصوت على الداخل. ففي بعض المقاطع المتداولة،
ظهر جنود من الطرف المقابل في حالة انزعاج شديد من استمرار صوت المقتل أو اللطمية في محيط القتال.
قد لا يفهم الخصم اللغة أو الخلفية الدينية كاملة، لكنه يلتقط شيئاً من الإيقاع والصوت والحزن والثبات. وهذا وحده يكفي أحياناً لصناعة ضغط نفسي.
فالعدو الذي يسمع صوتاً جنائزياً متكرراً في ساحة حرب قد يشعر بأنه لا يواجه مقاتلاً يبحث عن النجاة فقط، بل خصماً مستعداً لتحويل الخسارة إلى وقود جديد للمعركة.
الكليشيهات التي تحمل خطراً
تبدو كثير من عبارات اللطميات مألوفة ومكررة: الثأر، الحسين، الفواطم،
أشياع حيدر، عدم الخوف من الموت. وقد تُسمع أحياناً بوصفها عبارات نمطية تتكرر في المجالس.
لكن خطورتها، من زاوية الحرب النفسية، أنها ليست كلمات معزولة.
إنها مفاتيح لذاكرة جماعية عميقة. عبارة قصيرة مثل “عبئوا الجند بلطم” يمكن أن تستدعي عالماً كاملاً من المعاني المرتبطة بالمظلومية والثأر والوفاء.
وهنا لا تكون قوة اللطمية في جمالها الفني وحده، بل في قدرتها على فتح خزان رمزي كامل بكلمات قليلة.
محور المقاومة ومحاكاة المظلومية
معركة حزب الله أو الحرس الثوري أو أي جناح عسكري شيعي،
وفق هذه القراءة، ليست معركة مادية فقط، بل محاكاة لتاريخ طويل من المظلومية.
هذه السردية يعرفها الخصم جيداً، لأن كثيراً من الهويات السياسية الكبرى في العالم قامت أيضاً على ذاكرة الاضطهاد والتهجير والمأساة.
فالهوية الإسرائيلية نفسها تأسست، في جانب مهم منها،
على استدعاء سرديات السبي والاضطهاد والهولوكوست، وتحويلها إلى مشروع سياسي وعسكري.
ومن هنا، فإن الصراع لا يجري بين صواريخ وطائرات فقط، بل بين سرديات كبرى عن الخوف، والبقاء، والحق، والذاكرة، والضحية.
صناعة الهوية وسلاح الذاكرة
الكاتب مارسيليو سفيرسكي، في كتابه “ما بعد إسرائيل: نحو تحول ثقافي”،
تناول جانباً من جهود الإدارة الإسرائيلية الأولى في صناعة هوية لشتات يهودي جاء إلى الأراضي المحتلة من مناطق وتجارب مختلفة.
هذا المثال يوضح أن صناعة الهوية ليست عملاً ثقافياً بريئاً أو ثانوياً،
بل جزء من بناء القوة السياسية. فالكيانات لا تصمد بالسلاح وحده، بل بالسردية التي تفسر لماذا يجب أن تصمد.
وفي هذا المعنى، فإن اللطمية لدى محور المقاومة ليست مجرد فن عزائي، بل واحدة من أدوات إنتاج الهوية القتالية والسياسية.
مشكلة التعامل السطحي مع اللطمية
رغم ذلك، لا تزال بعض المؤسسات الشيعية، خصوصاً في العراق،
تتعامل مع اللطمية بوصفها أغنية تحقق الحضور الجماهيري،
أو أداة مناكفة مذهبية مع باقي الطوائف، من دون استثمار حقيقي فيها كإناء لصياغة السرديات الكبرى.
هذا التعامل السطحي يُضعف إمكانات اللطمية. فهي ليست مجرد موسم،
ولا مجرد صوت مرتفع، ولا مجرد انتشار على المنصات.
قيمتها الحقيقية تظهر عندما تُستخدم لبناء وعي، وتثبيت معنى، وصياغة علاقة بين الدين والسياسة والهوية والتضحية.
الفن الذي لا يتحول إلى سردية يبقى عابراً، أما الفن الذي يحمل رؤية فيتحول إلى قوة اجتماعية.
من اللطمية إلى العقيدة العسكرية
في البيئات العقائدية، لا تنفصل العقيدة العسكرية عن الثقافة الدينية والوجدانية.
فالمقاتل لا يدخل المعركة محملاً بالأوامر فقط، بل محملاً بما يؤمن به، وبما يخاف عليه، وبما يتصور أنه يدافع عنه.
هنا يمكن أن تسهم اللطمية في تهيئة المقاتل نفسياً لأسوأ مخرجات المعركة،
وخصوصاً الخسائر البشرية. فهي لا تنكر الخسارة، بل تجعلها جزءاً من معنى أوسع.
ولهذا، فإن استثمار اللطمية بوعي لا يعني تحويلها إلى دعاية سطحية،
بل فهم وظيفتها العميقة في بناء الصبر، والانتماء، والاستعداد النفسي.
الفن كصاروخ معنوي
حين وصف الشهيد علي لاريجاني، بحسب ما نُقل عنه،
أغنية للفنان الإيراني محسن چاوشي بأنها “صاروخ”، لم يكن المقصود المقارنة التقنية بين الفن والسلاح،
بل الإشارة إلى قدرة الفن على اختراق الوعي، ورفع المعنويات، وإيصال الرسالة بسرعة لا تقل أثراً عن أدوات الحرب التقليدية.
الفن في لحظات الحرب يمكن أن يكون صاروخاً معنوياً، لا لأنه يقتل،
بل لأنه يمنع الانكسار. ولا لأنه يدمر هدفاً مادياً، بل لأنه يحمي المعنى من الانهيار.
وهذه هي القوة التي تحتاجها المجتمعات في الحروب الطويلة: قوة تصنع الصبر قبل النصر، وتمنع الهزيمة النفسية قبل الهزيمة العسكرية.
خاتمة: اللطمية كسلاح سردي
في المحصلة، استخدم محور المقاومة اللطمية بوصفها سلاحاً سردياً ونفسياً في الحرب،
لا بوصفها بديلاً عن السلاح المادي، بل بوصفها أداة مرافقة له في بناء المعنى والهوية والصلابة الداخلية.
لقد أدت اللطمية وظائف متعددة: امتصاص الصدمة، تثبيت الجمهور، تحويل الخسارة إلى معنى،
ربط المقاتل بكربلاء، الضغط النفسي على الخصم، وإعادة صياغة الحرب بوصفها امتداداً لسردية تاريخية طويلة.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: هل اللطمية أغنية دينية؟ بل: كيف يمكن لصوت عزائي أن يتحول في لحظة الحرب إلى قوة معنوية وسياسية تقف إلى جانب البندقية والصاروخ في معركة الوعي؟


