قبل البدء في عرض مقترحنا، نقول هل من المسموح لنا أن نطرح هكذا تساؤل ..؟؟ واذا ما أتفقنا على أنه من الممكن أن نطرح هكذا تساؤل ..؟؟ ولنفرض إن الاجابة هي .. نعم .. يمكن ..!!. أما اذا كانت الاجابة هي لا .. فماذا نفعل حيال ذلك ..؟؟.
كما يتحتم علينا ونحن نخوض غمار البحث في هذا الموضوع، أن نتساءل أيضاً هل إن التطور الذي حققه الغرب، هو أمر طبيعي كونهم مختلفين عنا ؟؟ أم أننا نعاني من خلل ما سمح للغرب بالتطور، في حين بقينا على ذات الحال ؟؟
وحتى نجيب عن هذا التساؤل، وبالرجوع الى التاريخ البشري يتضح لنا أننا في فترات طويلة من الزمن كنا نمثل رمز التقدم والتطور وفي كل المجالات السياسية والاجتماعية والمعرفية، إذ يكفي الاشارة الى ماقدمناه في فترة عصر الحضارة في بلاد وادي الرافدين والحضارة المصرية حتى لحظة سقوط بغداد بيد المغول عام 1254م. وليبدأ بعد ذلك عصر التشتت والضياع بعد الاحتلالات المتكررة وتراجع التقدم العربي واضمحلاله حتى يومنا هذا .!!
مالذي حدث في الغرب ..؟؟
يعلم الجميع أن أوروبا كانت في لحظة من الزمن غارقة في ظلام العصور الوسطى، حتى قيام النهضة الفكرية فيها في القرن الرابع عشر في ايطاليا وبالتحديد في فلورنسا مروراً بدول المانيا وفرنسا وانكلترا، وحتى بداية الثورة الصناعية اواخر القرن الثامن عشر. وشملت هذه النهضة الفكرية ثورة في الاستكشافات الجغرافية والاصلاح البروتستانتي وتطور العلوم والتقدم التكنولوجي كظهور الطباعة وفكرة الدولة الحديثة القائمة على القانون والعقد الاجتماعي ونمو التجارة وتراجع النظام الاقطاعي والاهتمام بالفنون ..الخ.
ومن ثم جاءت الثورة الصناعية التي بدأت في العام 1760 في بريطانيا ومن ثم انتشرت اثارها الى باقي دول اوروبا، ومن أبرز ملامحها هو احلا الماكنة محل العمل اليدوي تطور صناعة الحديد وزيادة كفاءة الطاقة البخارية وعمليات التصنيع الكيميائي واختراع العديد من الادوات والالات التي ساهمت في تطور وزيادة الانتاج الصناعي، واستمر الحال عما هو عليه حتى ظهور الثورة الصناعية الثانية (الثورة التكنولوجية) عام 1870 والتي استمرت الى بداية الحرب العالمية الاولى عام 1914. وقد شهدت طفرة من التطور الصناعي السريع في اوروبا والولايات المتحدة، ومن ابرز سماتها هو استخدام الطاقة الكهربائية على يد العالم (مايكل فاراداي)، وكذلك تطور صناعة الورق وبداية الصناعات النفطية (الانتاج والتكرير) .. الخ من تطور صناعة المطاط والسيارات والاتصالات والعلوم التطبيقية الاخرى.
واستمرت هذه الثورة كالثورة الصناعية الثالثة (الثورة الرقمية) في الستينيات والمتمثلة بإختراع الحواسيب الى الثورة الصناعية الرابعة والني نعيش ضمن نطاقها الزمني والمعروفة بـ (الثورة الرقمية) وتشمل الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة وانترنت الاشياء، وحالياً بدأت المناقشات حول ظهور الثورة الصناعية الخامسة التي تركز على التعاون بين البشر والالات واعطاء الاولوية للانسان والاستدامة.
هل يمكننا التفوق على الغرب ؟
أن الواقع الحالي يظهر صعوبة تحقيق ذلك وفق مانعيشه ونمر به، فنحن ولهذه اللحظة لانملك رؤيا واضحة لما نريد وكيفية تحقيق ذلك ؟ إذن ما العمل ؟ هل يعني هذا الاستسلام وأن نقف مكتوفي الأيدي، نشاهد انجازات الأخر وكأن هذا قدرنا المحتوم أم ماذا ؟
بدايةً وقبل أن نجيب على هذا التساؤل، يجب علينا وضع السؤال المناسب ؟ فسؤال هل يمكن التفوق على الغرب في هذه المرحلة غير واقعي أو غير مناسب وليس محله الأن ؟ فالاجابة عليه دفعتنا الى اعتماد طرق وستراتيجيات ومحاولات بشتى الطرق للحاق بهم ولكن جدون دوى. فكل محاولاتنا أنصبت في تقليد ومحاكاة غير صحيحة بالمرة للغرب تمثلت في نهج استهلاكي مشوه لما يقوم الغرب بتصديره لنا !!.
وعليه يكون السؤال، هو كيف نتفوق على أنفسنا ..؟؟!!
وسنحاول وضع مقترحات وأفكار، قد يراها الكثير متطرفة أو قاسية أو غير ملائمة، ولكنها تبقى وجهة نظر ومحاولة لإحداث التغيير المنشود نحو الأفضل، وستكون هذه المقترحات والأفكار محددة بشكل صريح وواضح ومباشر وبدون خوض في تفاصيل تم مناقشتها وطرحها وبحثها وهي في الغالب في معلوم الكثير منا وهي كالأتي :
أ- على المستوى الاجتماعي
1- التفكير والثقافة : في هذا الصدد نود القول إن هذه النقطة تمثل الأساس لمشروع التغيير، والتي هي للأسف تمثل مشكلة تصل لمرحلة الأزمة في العراق. فنحن نحتاج الى نهضة أو ثورة اذا ما صح التعبير تكون تصحيحية لمسار المجتمع. ولتحقيق ذلك نرى :
– تغليب الهوية الوطنية واعتبارها الهوية الرئيسة للمجتمع، أي إذابة الهويات الاخرى في هذه الهوية الرئيسة.
– التخلص من أعراض وأثار العاطفة السلبية في المجتمع وتغليب التفيكر العلمي على التفكير الطائفي، مثال دراسة التاريخ بشكل موضوعي علمي لاعاطفي .
– الحد من التقديس الزائد وغير المبرر لأي جهه أو شخص، مثال ذلك الالقاب والخطوط الحمراء وماشابه.
– تبني مفهوم المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات هي المعيار الفاصل في المجتمع. وأنه لايوجد أحد أفضل من أحد، والغاء أي تمايز طبقي أي كان نوعه.
– تنظيم المجتمع من خلال توجيه وضبط المجتمع وتحديد مساره بالشكل السليم، أي سن قوانين تنظم المجتمع بما فيها الأسماء والنسل ومسائل الزواج .الخ.
– التركيز على الجانب الاخلاقي وبشكل يكون ثقافة مجتمعية لدى الجميع سواء في البيت والشارع والعمل والمدرسة، أي تبني إنموذج أخلاقي إجتماعي مؤسساتي شامل.
ب- على المستوى المعرفي والعلمي
أن أحد أسباب تقدم الدول التي تم ذكرها هو تركيزها واعتمادها بشكل أساس على التعليم والاستثمار في التعليم، ويتضمن الاستثمار في التعليم في العراق من خلال القضاء على معظم الأفكار البالية المسيطرة على هذا الملف مثل :
– اعادة النظر لمفهوم التربية والتعليم في العراق، أي بمعنى ترك الطرق التقليدية في التربية والتعليم، مثل (مفهوم زخم المواد على المستوى التربوي والتعليمي (الأولي والدراسات العليا) ونظرية المعدل العالي والتركيز على نظرية التوجه والتخصص والابداع).
– دراسة الأخر والانفتاح على العالم الخارجي بشكل صحيح، مثل (فتح معاهد وكليات تُعنى بالدراسات الاجتماعية من لغة ودين وثقافة وأدب وفنون ).
– الاستثمار في البحث العلمي، فالولايات المتحدة الاميركية تضم أكثر من 1830 مركز بحثي، ويمثل الانفاق في الولايات المتحدة على البحث والتطوير ما يقارب 27% من اجمالي الانفاق العالمي على البحث والتطوير.
ج – على المستوى السياسي والاداري
إعادة الثقة بين الحكومة والمجتمع، ومثال ذلك (أن يكون هناك عقد إجتماعي جديد قائم على العدالة الاجتماعية ينظم العلاقة بين الحكومة وأفراد المجتمع، وأن يكون الانسان أو المواطن هو الركيزة الاساس لأي منطلق سياسي أو اجتماعي)، أو على الأقل يتم إعادة النظر في كثير من فقرات الدستور وتحويل النظام من نظام برلماني الى نظام شبه رئاسي، أي أن يكون هناك انتخاب لرئيس الجمهوية وانتخاب لمجلس النواب وكذلك الحال بالنسبة للمحافظين ومجلس المحافظة، كما يجب تعديل نظام المشاركة في الانتخابات، بمعنى أن تكون المشاركة السياسية مقننة، مثال ذلك (أن يكون عمر من يحق له الانتخاب 25 سنة بدل 18 سنة وشرط أن يكون حاصل في أقل تقدير على شهادة المتوسطة وأن لايتجازه عمره الـ 80 سنة). وأيضاً الغاء الكوتا النسائية لضمان (تكافؤ الفرص)، ويشمل ذلك أيضاً الغاء التصويت الخاص وإعادة النظر في تصويت الخارج. أما يخص الدانب الاداري فضرورة اعادة هيكلة نظام العمل والتوظيف في القطاع العام، مثال إعتماد (نظام العقود الوظيفية واختبارات الكفاءة والضوابط الوظيفية )، وبناء الترابط المؤسسي بين مؤسسات الدولة اجتماعياً وسياسياً ترابطاً تكاملياً مع التحول التدريجي للأتمتة والحكومة الالكترونية والحوكمة.
إن ما تقدم يمثل مسار لخارطة عمل قابلة للنقاش وإعادة النظر وما هي الا محاولة بسيطة وأمل جديد للخروج من الأزمات المتلاحقة التي تمر بالبلد دون معالجات حقيقية.
