الحج رحلة الإيمان والبراءة من جزيرة التثليث الشيطاني (الحلقة الثالثة)

الحج رحلة الإيمان والبراءة من جزيرة التثليث الشيطاني (الحلقة الثالثة)
تكشف رمزية مناسك الحج عن بعدها الحضاري والتاريخي، بوصفها امتدادًا للرسالات الإلهية من آدم وإبراهيم إلى محمد، وترسيخًا للعدل والخلافة الإنسانية ورفضًا لتحريف المشروع الإبراهيمي نحو مسارات سياسية تخالف جوهر الإسلام...

رمزية المناسك وبعدها الحضاري والتاريخي

تسود الحضارات و تستمر بما تملك من قيم و تاريخ و رسالة، و تبقى صامدة و صاعدة في إطار الصيرورة الأبدية و تكون مرهونة بمدى قدرتها على التطور و التقدم و امتلاكها مقومات للنهوض .

تأتي ظاهرة ” الرمزية” في تاريخ الأمم كقيمة حضارية ضمن منظومة متكاملة من الممارسات و السلوكيات ذات الطابع الرسالي و الفكري و الاجتماعي و حتى السياسي و العلمي .

للحج رمزيات عديدة و كثيرة من مناسك و أعمال و أمور تعجز الكلمات و الكتب عن وصفها، رمزية المنسك تكبر كلما توسع الرؤية في الولوج في اعماق مفهومها و أبعادها المختلفة تاريخيا و فكريا و سياسيا .

الحج يحتوي على مناسك رمزية و رموز قابلة للفهم و في نفس الوقت صالحة لكل زمان و لكل الأمم و الأجيال ، بحيث ان أداءه في كل سنة يختلف في فهمه و ادراكه  بل يعطي للحاج فهما جديدا كلما قام بالحج  و وعيا اكثر وسعة لمفاهيمه و مضامينه الحضارية .

كل خطوة في الحج لها دلالات ، كل منسك له رمزية تاريخية تأخذ بفكرك و روحك و كيانك الى صور مشرقة و حية لحضارة أبينا ادام و إبراهيم إلى نبينا محمد ص تعيش أحداثها و تفاصيلها و تتجسد عوالمها أمامك في المناسك و في الأداء و الأعمال!

في مناسك الحج تجتمع  كل الحضارات التي أسست من قبل اله السماء و بنيت من منظار ان ” الإنسان هو خليفة الله” و تكريمه يعني ان يتم تحميله رسالة عظيمة تعجز الجبال عن حملها ، فجعل الإنسان هو الاجدر بحملها كامانة خالصة وهبها الله له ليكون مصداقا لقوله  تعالى عندما خاطب نبيه داود عليه السلام ” يا داود أنا جعلناك خليفة في الارض فأحكم بين الناس بالعدل “!

العدالة قيمة إنسانية و رسالة سماوية و رمز السيادة الالهية التخلي عنها هو الهلاك و الوقوع في فخ العبودية و الظلم الأبدي !

في مناسك الحج تجتمع كل الحضارات التي بناها  انبياء الله و كانت تسلسلية حتى أبينا إبراهيم ع الذي وضع اسس ” الديانة   الإبراهيمية المسلمة ” لتصل إلى قمة النهوض الإسلامي في رسالة محمد ص التي هي امتداد لما جاء به إبراهيم ع وانما ايضا تكريس لرسالة واحدة و هي رسالة الإسلام و بعده الحضاري الإنساني.

في الحج يمارس العمل الإبراهيمي و نهجه الذي اسس بناءا على قيم السماء و ارادة الله تعطي الاولية للإنسان ليكون هو القائد و هو الخليفة و هو الذي أوكله الله مسؤولية ادارة الارض و الكون وفق منهج الهي يكون الحج تعبير دقيق في كل تفاصيله و مناسكه عن ذلك النهج الذي ينتهي إلى خلاصة واحدة ان الدين الذي اتى به محمد ص هو الطريق إلى الانتصار و اقامة العدل و مصداق لما جاء به جميع الانبياء و على رأسهم إبراهيم ع كنبي مهد لليوم الذي بعث فيه رسولنا الكريم ص ليثبت النهج الإبراهيمي بمفاهيمه القرانية و ليس بما يؤلفه اليهود و الطغاة و ما يروج له الفجار و شياطين العصر !

 ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾ (النحل)

. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران/65-68.

هذه الايات تنسف ارتباط إبراهيم بالمشاريع (( الإبراهيمية)) و تؤكد على اولوية الرسالة المحمدية و رمزيتها و حضاريتها و شعاعها التاريخي ليكون هو المنهاج الصحيح لتأسيس عالم خال من الظلم و التوحش و الدكتاتورية و تحقيق المساواة بين البشر ، و يأتي الحج ليكرس هذا المنهاج و يثبته و يجعله منطلقا حقيقيا لبناء ذلك الصرح العظيم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *