رمزية المناسك وبعدها الحضاري والتاريخي
تسود الحضارات و تستمر بما تملك من قيم و تاريخ و رسالة، و تبقى صامدة و صاعدة في إطار الصيرورة الأبدية و تكون مرهونة بمدى قدرتها على التطور و التقدم و امتلاكها مقومات للنهوض .
تأتي ظاهرة ” الرمزية” في تاريخ الأمم كقيمة حضارية ضمن منظومة متكاملة من الممارسات و السلوكيات ذات الطابع الرسالي و الفكري و الاجتماعي و حتى السياسي و العلمي .
للحج رمزيات عديدة و كثيرة من مناسك و أعمال و أمور تعجز الكلمات و الكتب عن وصفها، رمزية المنسك تكبر كلما توسع الرؤية في الولوج في اعماق مفهومها و أبعادها المختلفة تاريخيا و فكريا و سياسيا .
الحج يحتوي على مناسك رمزية و رموز قابلة للفهم و في نفس الوقت صالحة لكل زمان و لكل الأمم و الأجيال ، بحيث ان أداءه في كل سنة يختلف في فهمه و ادراكه بل يعطي للحاج فهما جديدا كلما قام بالحج و وعيا اكثر وسعة لمفاهيمه و مضامينه الحضارية .
كل خطوة في الحج لها دلالات ، كل منسك له رمزية تاريخية تأخذ بفكرك و روحك و كيانك الى صور مشرقة و حية لحضارة أبينا ادام و إبراهيم إلى نبينا محمد ص تعيش أحداثها و تفاصيلها و تتجسد عوالمها أمامك في المناسك و في الأداء و الأعمال!
في مناسك الحج تجتمع كل الحضارات التي أسست من قبل اله السماء و بنيت من منظار ان ” الإنسان هو خليفة الله” و تكريمه يعني ان يتم تحميله رسالة عظيمة تعجز الجبال عن حملها ، فجعل الإنسان هو الاجدر بحملها كامانة خالصة وهبها الله له ليكون مصداقا لقوله تعالى عندما خاطب نبيه داود عليه السلام ” يا داود أنا جعلناك خليفة في الارض فأحكم بين الناس بالعدل “!
العدالة قيمة إنسانية و رسالة سماوية و رمز السيادة الالهية التخلي عنها هو الهلاك و الوقوع في فخ العبودية و الظلم الأبدي !
في مناسك الحج تجتمع كل الحضارات التي بناها انبياء الله و كانت تسلسلية حتى أبينا إبراهيم ع الذي وضع اسس ” الديانة الإبراهيمية المسلمة ” لتصل إلى قمة النهوض الإسلامي في رسالة محمد ص التي هي امتداد لما جاء به إبراهيم ع وانما ايضا تكريس لرسالة واحدة و هي رسالة الإسلام و بعده الحضاري الإنساني.
في الحج يمارس العمل الإبراهيمي و نهجه الذي اسس بناءا على قيم السماء و ارادة الله تعطي الاولية للإنسان ليكون هو القائد و هو الخليفة و هو الذي أوكله الله مسؤولية ادارة الارض و الكون وفق منهج الهي يكون الحج تعبير دقيق في كل تفاصيله و مناسكه عن ذلك النهج الذي ينتهي إلى خلاصة واحدة ان الدين الذي اتى به محمد ص هو الطريق إلى الانتصار و اقامة العدل و مصداق لما جاء به جميع الانبياء و على رأسهم إبراهيم ع كنبي مهد لليوم الذي بعث فيه رسولنا الكريم ص ليثبت النهج الإبراهيمي بمفاهيمه القرانية و ليس بما يؤلفه اليهود و الطغاة و ما يروج له الفجار و شياطين العصر !
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾ (النحل)
. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران/65-68.
هذه الايات تنسف ارتباط إبراهيم بالمشاريع (( الإبراهيمية)) و تؤكد على اولوية الرسالة المحمدية و رمزيتها و حضاريتها و شعاعها التاريخي ليكون هو المنهاج الصحيح لتأسيس عالم خال من الظلم و التوحش و الدكتاتورية و تحقيق المساواة بين البشر ، و يأتي الحج ليكرس هذا المنهاج و يثبته و يجعله منطلقا حقيقيا لبناء ذلك الصرح العظيم .

