وقف النار السياسي وحصار المقاومة
يعيش الجنوبيون وأهل الضاحية والبقاع والمقاومون في الميدان حالة حصار عسكري إسرائيلي وسياسي لبناني، تحت ما يسمى «وقف إطلاق النار الوهمي». فمنذ اتفاق 2024، وما أعقبه من اتفاقات في «إسلام آباد» و«واشنطن»، التزمت المقاومة بوقف إطلاق النار العسكري والسياسي الأحادي من جانبها، بينما لم يلتزم العدو به.
وفي المقابل، تواصل حكومة التطبيع إطلاق النار السياسي والقانوني والإداري والمالي على المقاومة وأهلها. وبين وقف إطلاق النار العسكري الوهمي، ووقف النار السياسي غير المبرر، يُفسح المجال أمام هذه الحكومة لتقديم خدماتها للعدو، وشرعنة وجوده وقتله للمدنيين اللبنانيين تحت عنوان «الاشتباه بالتهديد».
أسئلة أهل المقاومة
يطرح أهل المقاومة أسئلة مشروعة، وهم ينتظرون إجابات واقعية تطمئن مخاوفهم وتخمد شكوكهم. فهل من مصلحة المقاومة وأهلها النازحين والصامدين والمقاومين في الميدان أن تُمنح حكومة التطبيع وتشريع الاحتلال الأمان ببقائها في سدة الحكم والخيانة؟
وهل من المصلحة التعهد بعدم مقاطعة هذه الحكومة أو الاستقالة منها، وعدم تحريك الشارع ضدها وضد اتفاق الخيانة وملحقاته الأمنية، بعدما عرف الجميع مضمونها وبدأوا يلمسون تنفيذها؟ إن هذا الواقع يدحض الأقوال التي تعتبر أن الاتفاق لا يقدم ولا يؤخر، أو أنه غير موجود، أو أن السعي لإسقاطه عمل عبثي لأنه ساقط منذ ولادته.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يكون هذا الاتفاق ميتاً وساقطاً، وهو يقتل أهلنا في الجنوب، ويدمر بيوتهم وقراهم، ويستبيح أمنهم؟ لذلك، لم تعد المسألة سجالاً سياسياً عابراً، بل صارت اختباراً فعلياً لجدوى استمرار وقف النار السياسي مع حكومة التطبيع.
بين التصريحات وواقع القصف والتهجير
هل من المصلحة إيهام أهلنا المقاومين الصابرين بأن الأمور بخير، وأن عليهم الاطمئنان وعدم الخوف عبر التصريحات والبيانات،
بينما هم يعيشون تحت القصف والتهجير؟ حتى الذين عادوا إلى قراهم يعيشون حالة التهيؤ لترك منازلهم للمرة الخامسة، في عملية قهر نفسي واقتصادي وأمني مخيف.
كما أن تمديد مهلة التجربة عبر مساكنة ومهادنة حكومة التطبيع وتشريع الاحتلال لم يعد خطوة مفهومة بالنسبة إلى جمهور المقاومة.
فهذه الحكومة لم تعد تحمي المقاومة، بل شكلت غطاءً قانونياً وشرعياً لتصفيتها، وحشد الدول والجيوش لمساعدة العدو الإسرائيلي في القضاء عليها بعد توقيعها الاتفاق اللقيط وملحقه الأمني.
خمسة عشر شهراً من التجربة
ألا تكفي تجربة الخمسة عشر شهراً من موبقات هذه الحكومة للحكم عليها بأنها حكومة إحداث الضرر ومنع المنفعة؟
لقد مر ثلاثون شهراً والجنوبيون يتساقطون شهداء وجرحى ومهجرين على درب جلجلتهم، ويقاتلون في ساحة كربلائهم.
كما مر خمسة عشر شهراً من التزام المقاومة بوقف النار ضد العدو الإسرائيلي الذي لم يتوقف، وكان ثمن هذا الالتزام ألف شهيد وجريح واثنتي عشرة قرية مدمرة. وفي الوقت نفسه، مر خمسة عشر شهراً من وقف النار السياسي مع حكومة التطبيع وتكريس الاحتلال، وكان ثمنها تشريع الاحتلال والتحالف معه، وإعلان العداء للمقاومة واعتبارها خارجة عن القانون.
الحرب الناعمة الأخطر من الاجتياح
إلى متى سيستمر هذا الالتزام بوقف النار السياسي القاتل، الذي يمثل الحرب الناعمة التي يشنها التحالف الأمريكي الإسرائيلي على المقاومة؟ إن خطورة هذه الحرب أنها أخطر من الاجتياح العسكري، لأنها تستهدف الفكر والثقافة والمؤسسات المقاومة لاجتثاث المشروع المقاوم من جذوره.
فالبيوت والقرى المدمرة يمكن إعمارها في سنوات قليلة، أما إعادة إعمار المشروع المقاوم وثقافته فتحتاج إلى أجيال،
وليست مضمونة النتائج. ولذلك، يصبح استمرار وقف النار السياسي مع حكومة التطبيع خطراً مضاعفاً، لأنه يضرب المعنويات والوعي والمؤسسات، لا الحجر والجغرافيا فقط.
ضرورة إنهاء وقف النار السياسي
فلتوقف قوى المقاومة وقف نارها السياسي الذي يصيبها ويصيب أهلها ومؤيديها وأنصارها بالضرر والخسارة والإحباط واليأس والخيبة.
فقد يدفع هذا المسار بعض الناس إلى الندم على ما قدموه من تضحيات، إذا شعروا أن ممثليهم السياسيين لم يستطيعوا حفظها، بل أهدروها بصمتهم ومهادنتهم لحكومة التطبيع.
فهذه الحكومة، بوصفها الوجه الآخر للاحتلال، أعلنت صراحة أن المقاومة عدو مشترك لها وللعدو الإسرائيلي.
ومن هنا، يصبح السؤال مشروعاً: كيف تعلن رفضك للتفاوض المباشر مع العدو والتطبيع والسلام معه، وأنت تجلس في مقاعد الحكومة التي تفاوضه وتشرّع قتلك واحتلال أرضك وتدمير بيتك وقريتك؟
شرعية المقاومة ومأزق الحكومة
هل تحتاج المقاومة إلى «شرعنة سلطوية» لتأكيد شرعيتها عبر البقاء في حكومة تشرع قتلها؟
أم أن شرعيتها تستند إلى الشرعية الدينية والأخلاقية والإنسانية والقانون الدولي؟
إن هذا السؤال يمس جوهر العلاقة بين المقاومة والسلطة. فالمقاومة التي استمدت شرعيتها من الدفاع عن الأرض والناس لا تحتاج إلى غطاء من حكومة تشارك في تشريع قتلها، ولا ينبغي أن تلوّث تاريخها المشرّف بما قد يكتبه التاريخ عنها لاحقاً.
فلماذا تلوّث المقاومة تاريخها، ليقال إنها كانت شريكة في حكومة فاوضت العدو وطبّعت معه ووقّعت معه اتفاق استسلام؟ ولن يغفر التاريخ لها إصدار بيان من وزرائها يقول إنهم لم يكونوا يعلمون.
اقتلاع أنياب الاحتلال في الداخل
أسقطوا وقف النار السياسي مع حكومة التطبيع وتشريع الاحتلال، لكي تُقلع أنياب الاحتلال في الداخل.
فهذه الخطوة ضرورية لإنقاذ الجيش والقوى الأمنية والإدارة والمؤسسات من الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي، الذي سيطارد المقاومين في وظائفهم ومؤسساتهم ومدارسهم ومستشفياتهم، ويصادرها بحجة أنهم «خارجون عن القانون».
وربما تبادر الحكومة لاحقاً إلى تجريدهم من بعض حقوقهم المدنية، مثل جواز السفر أو رخصة القيادة أو المعاملات الرسمية.
ومن هنا، لا يبدو الخطر نظرياً أو بعيداً، بل يتحول تدريجياً إلى احتمال سياسي وإداري وقانوني قد يطال حياة الناس اليومية.
ما بعد الحسابات المصرفية
ماذا لو أصدرت الحكومة قراراً بمنع المنتسبين إلى المقاومة من حق الاقتراع، كما منعتهم من حق فتح حسابات مصرفية؟
إن هذا السؤال يكشف طبيعة المسار الذي قد تذهب إليه الأمور إذا استمر الصمت السياسي، واستمرت المهادنة تحت عنوان الواقعية أو انتظار الظروف.
لذلك، تصبح المبادرة قبل فوات الأوان ضرورة سياسية ووطنية وأخلاقية. فالتصرف يجب أن يكون وفق الواقع، لا وفق الأوهام والظن، لأن من جرّب الحكومة المجرّبة خسر الميدان والسياسة والمستقبل.


