ربما يحمل هذا العنوان مفارقة سياسية لافتة؛ فهو يشير إلى أن الدول التي تُصنَّف اليوم في الخطاب السياسي على أنها خصوم لإيران كانت في مرحلة سابقة من أبرز شركائها وحلفائها. ويُظهر هذا التحول كيف أن العلاقات الدولية تتغير بتغيّر الأنظمة السياسية والخيارات الاستراتيجية، وأن مفهوم الصداقة والعداوة بين الدول يرتبط غالبًا بالمصالح والسياسات أكثر مما يرتبط بالثبات الدائم.
في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، كانت إيران تتمتع بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي وفرت للنظام دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا، وعدّته أحد أهم حلفائها في منطقة الشرق الأوسط. كما ارتبطت إيران بعلاقات تعاون مع دول أوروبية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية، وشهدت تلك المرحلة أيضًا علاقات رسمية وتعاونًا اقتصاديًا وأمنيًا مع إسرائيل.
وفي تلك الحقبة، كانت هذه الدول تُقدَّم بوصفها أصدقاء لإيران، لأنها وجدت في النظام الملكي شريكًا ينسجم مع توجهاتها الاستراتيجية ويحافظ على توازنات تخدم مصالحها في المنطقة. غير أن هذه الصداقة لم تكن قائمة على ارتباط عاطفي أو ثقافي، بل على توافق سياسي ومصالح مشتركة.
بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة الإمام روح الله الخميني، تغيّر الاتجاه السياسي لإيران بصورة جذرية. فقد أعلنت الجمهورية الإسلامية رفض التبعية للقوى الكبرى، ورفعت شعار الاستقلال السياسي، ودعمت قضايا الشعوب المستضعفة وحركات التحرر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ومع هذا التحول، دخلت العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في مرحلة من القطيعة والتوتر، كما تصاعدت الخلافات مع عدد من القوى الغربية.
ومن هنا تنشأ المفارقة عندما يكون أعداء إيران هم الأصدقاء. فالدول التي تُعد اليوم خصومًا سياسيين لإيران … مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ومعهما بعض القوى والدول الغربية والعربية … كانت في الماضي من أقرب حلفائها عندما كان النظام الإيراني يسير في اتجاه سياسي مختلف.
إن هذه التجربة تؤكد أن العلاقات بين الدول ليست ثابتة، وأن توصيف الصديق والعدو يتبدل تبعًا للسياسات والمواقف والمصالح. فما يُعد صداقة في مرحلة معينة قد يتحول إلى خصومة في مرحلة أخرى عندما تتغير الأولويات والرؤى.
وهكذا، فإن محور المفارقة لا يكمن في تحول الصديق إلى عدو، بل في استمرار إيران نفسها على ثوابت أيديولوجية واحدة بينما يتغير العالم من حولها. فمن كان حليفاً بالأمس أصبح خصماً اليوم ليس لأنه خانها، بل لأنها هي من غيرت قواعد اللعبة ورفعت شعار “لا شرقية ولا غربية”. وبالتالي فإن قراءة التاريخ الإيراني الحديث تكشف أن بوصلة المواقف الإيرانية لا تدور حول مصالحها الثابتة، بل حول مركز الثورة الذي يقدس التحدي ويعادي أي تقارب مع من يُصنف كـ”طاغوت”.
وهكذا، فإن التاريخ الإيراني الحديث يوضح أن بعض أبرز خصوم إيران المعاصرين كانوا في السابق من أقرب شركائها. وبذلك يصبح أعداء إيران هم الأصدقاء تعبيرًا عن حقيقة سياسية مفادها أن العداوة الراهنة لا تمحو سجلًا طويلًا من التعاون السابق، وأن السياسة الدولية كثيرًا ما تعيد تشكيل التحالفات وفق معادلات جديدة ومتغيرة.


