تشهد دول الجوار للعراق نمواً متسارعاً في التجارة الإلكترونية، إذ تحوّلت المنصات الرقمية في تركيا والإمارات والأردن إلى أسواق مفتوحة تستقطب مئات آلاف الزبائن العراقيين يومياً.
لكن في المقابل، لا يزال العراق متأخراً في بناء منظومة رقمية متكاملة للتجارة الإلكترونية، مما جعل المواطن العراقي يتحول إلى زبون لهذه الدول بدل أن يكوّن سوقاً إلكترونية وطنية منافسة.
-
ضعف البنية التحتية المالية والتقنية
رغم الخطوات الحكومية والمصرفية لتحسين الدفع الإلكتروني، إلا أن البنية الداعمة ما زالت محدودة.
العديد من المنصات المحلية لا تمتلك أنظمة دفع آمنة أو خدمات لوجستية منظمة، في حين تقدّم المتاجر الإقليمية تجربة رقمية متكاملة وسريعة، ما يجعل المستهلك العراقي يفضّل الشراء من الخارج.
-
ضعف اهتمام التجار العراقيين بالتحول الرقمي
الكثير من التجار العراقيين ما زالوا يعتمدون الأساليب الكلاسيكية في البيع والتعامل المالي.
فبدل ربط متاجرهم ببوابات دفع إلكترونية محلية، ما زالوا يتعاملون بالنقد والوسطاء، الأمر الذي يعرضهم لمخاطر نقل الأموال، السرقة، أو الاحتيال.
كما أن انشغالهم بالاستجابة البطيئة للقرارات الحكومية حول تسجيل الشركات وتنظيم أعمالهم الإلكترونية جعلهم يتأخرون في مواكبة السوق الحديثة.
-
ضعف القناعة الضريبية واللجوء للسوق الموازي
عدد كبير من التجار لا يزال غير مقتنع بدفع الضرائب أو التعامل عبر القنوات المصرفية الرسمية.
ويفضّل كثيرون تنفيذ حوالاتهم الخارجية عبر السوق الموازي لتجنب المتطلبات الرسمية، ما يُضعف الاقتصاد الوطني ويزيد من مخاطر غسل الأموال.
ولذلك، فإن بناء منظومة حوافز ضريبية رقمية، وتبسيط الإجراءات، خطوة أساسية لإعادة الثقة وربط النشاط التجاري بالنظام المصرفي.
-
غياب التمويل عن الشباب العاملين في التجارة الإلكترونية
العديد من الشباب العراقيين أطلقوا صفحات بيع إلكتروني ناجحة، لكنهم يواجهون صعوبة في الحصول على تمويل بسبب غياب الضمانات التقليدية المطلوبة من المصارف.
رغم أن لديهم حركة مبيعات حقيقية وإقبالاً كبيراً من الزبائن، إلا أن النظام المصرفي لم يطوّر بعد منتجات تمويل رقمية مبنية على بيانات النشاط الإلكتروني.
وهنا تكمن فرصة مهمة للبنك المركزي والمصارف لإطلاق قروض رقمية صغيرة تعتمد على الأداء الفعلي لا على الضمانات الورقية.
-
غياب القيادة المؤسسية والإعلام التوعوي
مشروع التجارة الإلكترونية في العراق يفتقر إلى قيادة مؤسسية موحّدة تجمع بين الجهات الحكومية والمصارف وشركات الدفع والقطاع الخاص.
التحول الرقمي ليس مجرد أنظمة، بل مشروع وطني يحتاج إلى إدارة موحدة تمتلك رؤية اقتصادية وتنموية.
كما أن غياب الدور الإعلامي في التوعية على فوائد التجارة الإلكترونية جعل المواطن والتاجر غير مدركين لقيمتها الحقيقية.
إن نجاح هذا التحول يتطلب حملة وطنية إعلامية متزامنة مع التنفيذ التقني والمالي.
-
غياب التكامل بين القانون والمؤسسات
رغم وجود قانون للتجارة الإلكترونية في العراق، إلا أنه غير مفعّل فعلياً، بسبب عدم ارتباطه بأنظمة وزارة المالية والگمارك والمصارف وهيئة الضرائب.
القانون أُقرّ نظرياً دون أن يُربط ببنية رقمية تنفيذية، مما جعل تطبيقه محدوداً وغير قادر على ضبط السوق الإلكترونية أو حماية المستهلك.
-
الأثر الاقتصادي والاجتماعي
تسرب العملة الأجنبية إلى الخارج عبر المنصات الإقليمية أدى إلى خسائر كبيرة في الميزان التجاري.
كما أن ضعف التنظيم المحلي قلل فرص العمل وأضعف ثقة المستهلك بالمنتج العراقي.
إن استمرار هذا الوضع يجعل العراق مستهلكاً رقمياً بدل أن يكون مُصدّراً رقمياً
- الحلول الواقعية المقترحة
- تحديث قانون التجارة الإلكترونية وربطه بالمؤسسات الحكومية والمصرفية.
- إنشاء منصة وطنية موحدة للتجارة الإلكترونية والدفع الآمن.
- إطلاق برامج تمويل رقمية للشباب وأصحاب المشاريع الصغيرة.
- تفعيل الربط بين نظام الأسكودا والضرائب والگمارك إلكترونياً.
- إطلاق حملات إعلامية وطنية للتوعية بفوائد التجارة الإلكترونية.
- تأسيس مركز وطني لمتابعة تنفيذ هذه المشاريع وتقييم نتائجها سنوياً.
واخيراً
إن التحول الرقمي في التجارة العراقية لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية لحماية الاقتصاد المحلي، وتنويع الإيرادات غير النفطية، وتمكين الشباب من العمل الشريف والإنتاج الإلكتروني.
حين تتكامل المصارف، والدفع الإلكتروني، والقانون، والإعلام، سيصبح العراق سوقاً رقمية وطنية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.


