منذ عقود، اعتمدت دول الخليج العربي على الوجود العسكري الأجنبي، وخصوصاً الأمريكي، باعتباره ضمانة أمنية في منطقة تعيش توترات متلاحقة وصراعات مفتوحة . فالقواعد العسكرية المنتشرة في عدد من العواصم الخليجية قُدمت دائماً على أنها خط الدفاع الأول ضد أي تهديد خارجي، وبالأخص ضد إيران التي تمتلك نفوذاً إقليمياً واسعاً وقدرات صاروخية متطورة . غير أن التطورات السياسية والعسكرية في السنوات الأخيرة أعادت طرح سؤال جوهري : هل وجود هذه القواعد يحمي دول الخليج فعلاً، أم أنه يجعلها في قلب أي مواجهة محتملة ويحوّل أراضيها إلى أهداف مباشرة ؟ الحقيقة التي بدأت تتكشف مع كل أزمة إقليمية أن تلك القواعد لا توفر بالضرورة مظلة أمان كاملة للدول المضيفة، بل قد تضعها في واجهة النيران . فحين تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين إسرائيل وإيران، تصبح القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج جزءاً من معادلة الردع والهجوم معاً، ما يعني أن أي حرب واسعة قد تبدأ بضرب هذه المواقع قبل أي شيء آخر. إيران لم تُخفِ يوماً أن القواعد الأمريكية في الخليج تقع ضمن بنك أهدافها العسكرية . المسؤولون الإيرانيون يكررون باستمرار أن أي اعتداء على إيران سيقابله رد مباشر على المصالح والقوات الأمريكية في المنطقة، وأن الدول التي تستضيف تلك القوات ستكون عملياً جزءاً من الحرب حتى وإن لم تشارك فيها سياسياً أو عسكرياً . هذه الرسائل ليست مجرد تصريحات إعلامية، بل تستند إلى قدرات حقيقية طورتها طهران خلال السنوات الماضية، خصوصاً في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة . ففي أي سيناريو لمواجهة عسكرية، لن تحتاج إيران إلى إرسال جيوش تقليدية أو خوض معارك حدودية واسعة مع دول الخليج، بل يمكنها توجيه ضربات دقيقة إلى القواعد العسكرية والمطارات والمنشآت النفطية من مسافات بعيدة . ومع تطور تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة، أصبحت المسافات الجغرافية أقل أهمية، وأصبح استهداف المواقع الحيوية أمراً ممكناً خلال دقائق . اللافت أن التجارب السابقة أثبتت هشاشة مفهوم الحماية المطلقة . ففي عام 2019، تعرضت منشآت نفطية سعودية لهجوم كبير أدى إلى تعطيل جزء مهم من إنتاج النفط العالمي، ورغم وجود أنظمة دفاع متطورة وقواعد عسكرية أجنبية في المنطقة، لم تتمكن تلك المنظومات من منع الضربة أو إسقاط جميع الأهداف المهاجمة . يومها أدرك كثيرون أن امتلاك أحدث الأسلحة لا يعني بالضرورة القدرة على توفير حماية شاملة . الأمر ذاته ينطبق على القواعد العسكرية الأمريكية نفسها. فهذه القواعد، رغم تحصينها، ليست بعيدة عن التهديد. الصواريخ الإيرانية الحديثة قادرة على الوصول إلى معظم أنحاء الخليج، والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة باتت تمثل تحدياً حقيقياً لأنظمة الدفاع التقليدية . وفي حال اندلاع حرب شاملة، فإن كثافة الهجمات قد تتجاوز قدرة الدفاعات الجوية على التصدي الكامل لها . المشكلة الأكبر أن وجود القواعد الأجنبية يجعل دول الخليج مرتبطة مباشرة بالسياسات الأمريكية، حتى عندما لا تكون تلك الدول راغبة في التصعيد . فالقواعد ليست منشآت مستقلة عن محيطها، بل تقع داخل أراضٍ ومدن وموانئ ومطارات خليجية، ما يعني أن أي استهداف لها ستكون له تداعيات واسعة على السكان والاقتصاد والبنية التحتية . وبالتالي فإن الخطر لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى الأمن الداخلي والاستقرار الاقتصادي . وفي حال تعرضت تلك القواعد لهجمات واسعة، فإن المنشآت النفطية ومحطات الكهرباء والموانئ قد تصبح بدورها أهدافاً جانبية أو مباشرة، لأن الحرب الحديثة لا تفصل بين العسكري والاقتصادي . وهذا ما يجعل دول الخليج، التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على صادرات الطاقة والاستقرار المالي، عرضة لهزات خطيرة قد تؤثر على مستقبلها لعقود . من جهة أخرى، فإن الرهان على الحماية الأمريكية لم يعد يبدو مطلقاً كما كان في السابق. فالتجارب السياسية الأخيرة أظهرت أن واشنطن تتعامل مع المنطقة وفق مصالحها المتغيرة، وليس وفق التزامات ثابتة غير قابلة للتبديل . الولايات المتحدة نفسها باتت أقل رغبة في خوض حروب مباشرة طويلة في الشرق الأوسط، خاصة بعد تجارب العراق وأفغانستان التي كلفتها خسائر مالية وبشرية وسياسية هائلة . كما أن الأولويات الأمريكية تغيرت نحو منافسة الصين وروسيا، وهو ما دفع كثيراً من المراقبين إلى الاعتقاد بأن الشرق الأوسط لم يعد يحتل الموقع نفسه في الاستراتيجية الأمريكية . وهذا يعني أن دول الخليج قد تجد نفسها في لحظة حرجة أمام تهديدات كبرى، بينما تكون واشنطن أقل استعداداً للتورط العسكري المباشر دفاعاً عنها . هذه المعادلة المعقدة دفعت بعض دول الخليج خلال السنوات الأخيرة إلى محاولة تنويع علاقاتها السياسية والأمنية، وعدم الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة. فشهدنا تقارباً خليجياً مع الصين وروسيا، إضافة إلى محاولات لخفض التوتر مع إيران عبر الحوار والوساطات الإقليمية . والسبب في ذلك يعود إلى إدراك متزايد بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق فقط عبر القواعد العسكرية، بل عبر بناء توازنات سياسية وأمنية تقلل احتمالات الحرب أصلاً . لكن رغم هذه التحركات، ما تزال المنطقة تعيش فوق صفيح ساخن . فكل تصعيد بين إيران وإسرائيل، أو بين طهران وواشنطن، يعيد القلق إلى العواصم الخليجية التي تدرك أن أراضيها قد تتحول خلال ساعات إلى ساحة صراع مفتوح . وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً : هل القواعد الأجنبية عامل ردع يحمي الخليج، أم أنها تجعل دوله رهينة للصراعات الدولية ؟ أنصار الوجود العسكري الأمريكي يرون أن هذه القواعد تمنع إيران من التفكير في أي مغامرة عسكرية مباشرة، وأنها توفر توازناً استراتيجياً ضرورياً في منطقة مضطربة . ويعتقد هؤلاء أن غياب القوات الأمريكية قد يفتح الباب أمام نفوذ إيراني أكبر، أو يدفع المنطقة إلى سباق تسلح أكثر خطورة . كما يشيرون إلى أن الأنظمة الدفاعية والتعاون الاستخباراتي والتدريبات العسكرية المشتركة أسهمت في تعزيز قدرات الجيوش الخليجية . غير أن منتقدي هذا الطرح يعتبرون أن الردع الحقيقي لا يتحقق فقط بالقواعد الأجنبية، بل ببناء منظومات أمن إقليمية مستقلة تقوم على الحوار والتفاهمات السياسية . فوجود قواعد أجنبية ضخمة في منطقة متوترة يجعل احتمالات الاستهداف أكبر، خصوصاً عندما تُستخدم تلك القواعد في عمليات عسكرية أو استخباراتية ضد أطراف إقليمية . كما أن الاعتماد الطويل على الحماية الخارجية قد يخلق نوعاً من الهشاشة الاستراتيجية، حيث تصبح الدول أقل اعتماداً على قدراتها الذاتية وأكثر ارتباطاً بقرارات القوى الكبرى . وفي حال تغيرت أولويات تلك القوى، تجد الدول نفسها أمام فراغ أمني مفاجئ . إضافة إلى ذلك، فإن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش التقليدية، بل على الهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والحروب الاقتصادية . وهذا النوع من التهديدات يصعب منعه بالكامل حتى بوجود قواعد عسكرية متطورة . فالهجوم قد يأتي من الجو أو البحر أو الفضاء الإلكتروني، وقد يستهدف البنية التحتية الحيوية بشكل يعطل الحياة اليومية والاقتصاد خلال وقت قصير . ومن المهم الإشارة إلى أن أي مواجهة واسعة في الخليج لن تكون مجرد حرب عسكرية عابرة، بل ستكون لها آثار عالمية ضخمة . فالمنطقة تمثل شرياناً رئيسياً للطاقة العالمية، وأي اضطراب كبير فيها سيؤثر على أسعار النفط والاقتصاد الدولي وحركة التجارة العالمية. ولهذا السبب تحاول القوى الدولية تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه تستمر في تعزيز وجودها العسكري، ما يخلق تناقضاً دائماً بين منطق الردع ومنطق التصعيد. في المقابل، تدرك إيران أن استهداف القواعد الأمريكية في الخليج لا يعني فقط ضرب القوات الأمريكية، بل توجيه رسالة سياسية واقتصادية إلى العالم بأسره . فتعطيل القواعد أو تهديد الملاحة والمنشآت النفطية يمكن أن يرفع كلفة أي حرب على خصومها بشكل هائل، وهو ما تعتمد عليه طهران ضمن استراتيجيتها القائمة على الردع غير المتكافئ . هذه الاستراتيجية تجعل دول الخليج في موقف حساس للغاية، لأنها تقع جغرافياً في قلب المواجهة، بينما تمتلك إيران عمقاً جغرافياً وسكانياً أكبر يسمح لها بتحمل جزء من تبعات الحرب لفترة أطول . أما الدول الخليجية، ورغم إمكاناتها الاقتصادية الضخمة، فإنها تعتمد على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي بشكل يجعلها أكثر تأثراً بأي اضطراب أمني كبير. ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال اندلاع الحرب، بل في حقيقة أن دول الخليج قد تدفع الثمن الأكبر حتى لو لم تكن صاحبة القرار في إشعالها. فوجود القواعد الأجنبية يجعل أراضيها مرتبطة مباشرة بالصراعات الدولية والإقليمية، ويضعها تلقائياً ضمن حسابات أي رد عسكري إيراني . لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الأمن لا يُبنى فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بالسياسة والدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية . وربما تكون التجربة الأهم التي بدأت بعض دول الخليج تستوعبها هي أن الاعتماد المطلق على الحماية الخارجية لا يوفر أمناً دائماً، بل قد يحول الدول إلى ساحات صراع بالوكالة . وفي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، تبدو الحاجة ملحة لإعادة التفكير في مفهوم الأمن الخليجي بعيداً عن فكرة القواعد العسكرية وحدها. فالأمن الحقيقي قد يكون في تخفيف التوترات، وبناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية، وتطوير قدرات دفاعية مستقلة، بدلاً من تحويل المنطقة إلى مخزن للقواعد والأساطيل الأجنبية . وفي النهاية، تبقى الحقيقة الواضحة أن أي حرب كبرى بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل لن تبقى بعيدة عن الخليج، بل ستصل نيرانها سريعاً إلى القواعد العسكرية المنتشرة فيه . وعندها ستكتشف المنطقة أن تلك القواعد، التي وُجدت تحت شعار الحماية، قد تصبح في لحظة المواجهة أهدافاً مفتوحة، بينما تجد دول الخليج نفسها أمام اختبار صعب : كيف تحمي أوطانها عندما تتحول أراضيها إلى خطوط مواجهة متقدمة في صراع أكبر منها ؟


