” إن أمريكا وإسرائيل في مقدمة أعداء الإسلام”
السيد الخميني قدس سره
يعد الصراع الإيراني والحديث عن الظلم والجور الذي تقوم به كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني انتهاكا واضحا للأعراف السياسية والاجتماعية ويعد الصراع الأمريكي الإيراني اليوم واحدا من أكثر الصراعات السياسية تعقيدا في منطقة الشرق الأوسط إذ تمتد جذوره إلى عقود طويلة من التوترات السياسية والاستراتيجية التي تداخلت فيها المصالح الجيوسياسية مع الأيديولوجيا والثروة النفطية وموازين القوى الإقليمية وكذلك الصراع الديني لم يكن بعيداً عن الصراع .
وقد أسهم هذا الصراع في إعادة تشكيل كثير من التحالفات في المنطقة، كما كان له تأثير مباشر في قضايا الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي حيث تعود بدايات الصراع الحقيقي بين إيران والولايات المتحدة إلى عام 1953عندما دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا الانقلاب الذي أطاح برئيس الوزراء الإيراني الدكتور محمد مصدق بعد قراره تأميم النفط الإيراني وقد أعاد هذا الانقلاب الشاه محمد رضا شاه بهلوي إلى السلطة بعملية قام بها جهاز المخابرات الامريكية اطلق عليها عملية “اجاكس” الأمر الذي جعل إيران حليفا رئيسيا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط طوال فترة الحرب الباردة.
غير أن هذه العلاقة تحولت جذريا بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بقيادة الإمام روح الله الخميني، حيث شكل اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 بصورة مفاجئة صدمة على الصعيدين العالمي والإسلامي، وأثار سلسلة من التساؤلات حول طبيعتها وأبعادها فقد رافقت هذه الثورة ضجة إعلامية واسعة النطاق قادتها الولايات المتحدة الامريكية ساهمت في تضخيم قدراتها ومنحت قادتها هالة من القداسة والكفاءة التنظيمية الخارقة، مما أفضى إلى تهميش وتحجيم أبعادها الفكرية والاجتماعية الفعلية وفي هذا السياق، رأى بعض المحللين أن الثورة الإيرانية تعكس نمطا مألوفا في الحياة السياسية لدول العالم الثالث، حيث تسود التناقضات العميقة، ويغيب التخطيط العلمي فلا تجد النخب أمامها سوى خيار الثورة أو الانقلاب كحلول عاجلة ومحدودة الأثر عوضا عن اللجوء إلى أساليب دستورية أو إصلاحية ممنهجة تعالج المشكلات من جذورها التي وصفت في الخطاب السياسي الإيراني بـ “الشيطان الأكبر” كما اطلقها روح الله الخميني. وقد تصاعدت الأزمة بشكل كبير بعد أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران عام 1979، التي استمرت حتى عام 1982 وأدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ولهذا شهد الصراع الإيرانية الأمريكية منذ ذلك الحين سلسلة من الأزمات المتتالية. ففي ثمانينيات القرن العشرين دعمت الولايات المتحدة العراق خلال الحرب العراقية–الإيرانية 1980–1988 علماً بان الولايات المتحدة خلال تلك الفترة دعمت الطرفين من اجل استمرار الحرب واستئناف الدولتين بهدف الحد من النفوذ الإيراني والعراقي في المنطقة. كما فرضت واشنطن خلال تلك الفترة سلسلة من العقوبات الاقتصادية والسياسية على إيران بسبب سياساتها الإقليمية وبرنامجها النووي.
وفي العقدين الأخيرين، أصبح البرنامج النووي الإيراني محور الصراع الأساسي بين الطرفين. فقد اتهمت الولايات المتحدة إيران بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي، بينما تؤكد طهران أن برنامجها النووي ذو أهداف سلمية. وقد أدت هذه الخلافات إلى توقيع الاتفاق النووي عام 2015 بين إيران ومجموعة (5+1)، الذي حد من أنشطة إيران النووية مقابل رفع العقوبات. لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب الولاية الاولى أعاد التوتر إلى مستويات غير مسبوقة.
لم يقتصر الصراع الإيراني–الأمريكي على الجوانب الدبلوماسية والاقتصادية، بل امتد إلى ساحات الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط. فإيران تدعم عددا من القوى والحركات في المنطقة مثل بعض الفصائل في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بينما تعمل الولايات المتحدة على الحد من هذا النفوذ من خلال تحالفاتها العسكرية والسياسية مع دول المنطقة.
وقد تجلى التصعيد العسكري بشكل واضح في إقامة الولايات المتحدة الامريكية مجموعة من الاغتيالات المباشرة داخل وخارج الأراضي الإيرانية مثل اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الشهيد قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس عام 2020 بضربة أمريكية في بغداد، وهو حدث أدى إلى تصعيد خطير كاد أن يقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين البلدين.
يتجاوز الصراع الإيراني الأمريكي مجرد خلاف سياسي ليشمل عدة أبعاد رئيسية من ضمنها البعد الجيوسياسي للسيطرة على موازين القوى في الخليج العربي والشرق الأوسط.
[وكذلك البعد الأيديولوجي المبني في الاختلاف بين النظام الإسلامي في إيران والنموذج السياسي الغربي الذي تمثله الولايات المتحدة والبعد الاقتصاد المتمثلf العقوبات الأمريكية ومحاولة الضغط على الاقتصاد الإيراني، مقابل سعي إيران للالتفاف على هذه العقوبات وأخرها البعد الأمني والعسكري هو التنافس حول البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية.
لذلك يبدو أن الصراع الإيراني الأمريكي سيظل عنصر أساسيا في معادلات السياسة الدولية في المستقبل القريب وحتى البعيد. فالتوتر بين الطرفين يرتبط بملفات معقدة تشمل البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة العالمي. وعلى الرغم من وجود محاولات متكررة للحوار والاتفاق، فإن غياب الثقة المتبادلة واستمرار الصراعات الإقليمية يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أمرا صعبا في المدى المنظور كون اليوم الولايات المتحدة الامريكية وقيادها المتمثلة بالارعن ترامب يتم توجيه من قبل الكيان الصهيوني نتنياهو .
ومع ذلك، فإن احتمالات التفاهم الدبلوماسي بالوقت الحاضر تعتبر شبه معدومة بسبب ما اقترفه االكيان الصهيوني من استهداف المرشد الأعلى اية الله السيد علي الخامنئي ، لكن رغم هذا تبقى مسألة إيقاف الحرب قائم، خاصة إذا ما أدرك الطرفان أن استمرارالحرب قد يؤدي إلى صراع أوسع يهدد استقرار المنطقة والعالم. ولذلك فإن مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الجانبين على تحقيق توازن بين المصالح الاستراتيجية ومتطلبات الأمن الإقليمي.
في ضوء ما يحدث اليوم من التصعيد المتزايد في حدة المواجهة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، وما يرافق ذلك من استهدافات عسكرية محتملة للمفاعل النووية الإيرانية والإسرائيلية، فضلاً عن احتمال توسع دائرة الصراع لتشمل حلفاء الطرفين في المنطقة، يمكن ان تكون في عدد من السيناريوهات المستقبلية المحتملة التي قد تحدد مسار هذه المواجهة.
أولها : توسع نطاق المواجهة الإقليمية
يفترض هذا السيناريو أن تتطور المواجهات العسكرية المحدودة إلى صراع واسع النطاق يمتد ليشمل معظم مناطق الشرق الأوسط. وفي هذه الحالة قد تنخرط الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في مواجهة مباشرة مع إيران وحلفائها الإقليميين ( روسيا ، الصين ، وحتى باكستان ) ، الأمر الذي قد يؤدي إلى فتح جبهات متعددة في الخليج العربي وشرق البحر المتوسط والعراق وسوريا واليمن ولبنان. ويعني تحقق هذا السيناريو انتقال الصراع من مستوى الضربات المحدودة إلى حرب عالمية ثالثة قد تنعكس تداعياتها على الأمن الدولي وأسواق الطاقة العالمية.
ثانياً : انسحاب أمريكي تكتيكي من الصراع
يقوم هذا السيناريو على احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى تقليص مشاركتها العسكرية المباشرة بعد تحقيق أهداف محددة من العمليات العسكرية، مثل إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أو توجيه ضربات للبنية التحتية الاستراتيجية وحتى ضرب المفاعل النووية او استهداف اخر لقادة لها تأثيرها في ايران. وفي هذه الحالة قد تعلن واشنطن انتهاء عملياتها العسكرية، مع ترك مسألة التغيير السياسي الداخلي في إيران لعوامل داخلية، وهو ما يمكن تفسيره بوصفه محاولة للحفاظ على التوازن السياسي وتجنب الانخراط في حرب طويلة الأمد وكذلك حفظ ماء الوجه لها .
ثالثا: إنهاء الحرب وفق معادلة توازن تميل لصالح إيران
يفترض هذا السيناريو أن تنتهي المواجهة العسكرية بتسوية أو بوقف لإطلاق النار يعكس تعزيز مكانة إيران الإقليمية نتيجة قدرتها على الصمود أو فرض معادلة ردع جديدة في المنطقة. وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تسعى إيران إلى توظيف نتائج الصراع سياسياً واستراتيجياً لتعزيز نفوذها الإقليمي وترسيخ دورها بوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين في معادلات الأمن الإقليمي.
رابعا : تشكيل تحالف دولي واسع بقيادة الولايات المتحدة :
يقوم هذا السيناريو على احتمال أن تتجه الولايات المتحدة إلى توسيع دائرة التحالفات العسكرية الدولية عبر إشراك عدد من حلفائها الغربيين، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، في إطار تحالف عسكري يشبه إلى حد ما التحالف الدولي الذي تشكل خلال حرب الخليج عام 1991. ويهدف مثل هذا التحالف إلى زيادة الضغط العسكري والسياسي على إيران، وتوزيع أعباء المواجهة بين عدد من القوى الدولية.
وأخيرًا، تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على اللعب على الأقليات الإيرانية، حيث إن إيران تتميز بتنوع قومي وإثني واضح نتيجة اتساعها الجغرافي وتاريخها الطويل، إذ تضم مجموعة من القوميات والأعراق التي أسهمت في تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية للدولة الإيرانية مثل (الفرس، الأذريون، الأكراد، العرب، البلوش، التركمان، اللور، القشقاي، وأقليات أخرى).
وهذا ما يظهر جلياً في تحريك القضية الكردية والاتفاق غير المعلن مع الأكراد للتحرك من شمال العراق على المنطقة الشرقية من ايران، وهذه المحاولة قد تكون في الحقيقة طلقة الرحمة للقضاء على القضية الكردية المعقدة في المنطقة.
تشير هذه السيناريوهات إلى أن مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى، سيظل مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين اتساع الصراع إقليميا أو احتوائه ضمن حدود محددةأو الوصول إلى تسويات سياسية تعيد تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط وتعتمد ترجيحات هذه السيناريوهات على طبيعة التطورات الميدانية إضافة إلى مواقف القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في مسار الأزمة.
ومن الله التوفيق


