المقدمة:
تعيش مصر لحظة استراتيجية دقيقة في ظل تصاعد التوترات في الخليج والبحر الأحمر واليمن، حيث تتداخل الحسابات الدولية والإقليمية في معادلة شديدة التعقيد. وبينما تؤكد القاهرة أن تحركاتها تأتي في إطار حماية الأمن القومي العربي وتأمين الملاحة الدولية، يبرز سؤال جوهري: هل ما تزال مصر قوة إقليمية مستقلة قادرة على صياغة التوازنات، أم أنها تتجه تدريجياً نحو أدوار خارجية قد تؤدي إلى الاستنزاف وتراجع الأولويات الوطنية؟
ويزداد هذا السؤال أهمية مع استحضار تجربة اليمن في ستينات القرن الماضي، حين تحول التدخل العسكري المصري إلى عبء استنزاف استراتيجي سبق هزيمة 1967، ما يجعل التاريخ إطاراً تحذيرياً في قراءة الحاضر.
العرض:
أولاً: دوافع الانخراط المصري – بين الحوافز والضغوط
لا يمكن فهم أي انخراط مصري في ترتيبات الخليج بمعزل عن شبكة المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية المتشابكة.
– الدعم الخليجي والاستثمارات: تمنح القاهرة متنفساً اقتصادياً في ظل الأزمات المالية، لكن ربط الاستقرار المالي بالالتزامات العسكرية يحدّ من استقلال القرار الوطني.
– الضغوط الخارجية: الولايات المتحدة تدفع نحو ترتيبات أمنية في البحر الأحمر والخليج، فيما تستفيد قوى إقليمية أخرى من انشغال مصر خارج حدودها.
– الشرعية الإقليمية: شعار “مسافة السكة” يمنح التدخل غطاءً سياسياً عربياً، لكنه قد يتحول إلى التزام مفتوح طويل الأمد.
الأكثر اتزاناً هو تجنّب تحويل هذه العوامل إلى تورط عسكري واسع.
ثانياً: التواجد العسكري المصري في الخليج
أظهرت التطورات الأخيرة مستوى متقدم من التنسيق العسكري المصري–الخليجي، خصوصاً بعد تفقد الرئيس عبد الفتاح السيسي و محمد بن زايد مفرزة من المقاتلات المصرية داخل قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات.
ورغم رمزية هذا التواجد، فإنه يظل محدوداً، وأي توسع فيه قد يرفع مستوى المخاطر السياسية والعسكرية ويضع مصر في دائرة استنزاف لا تخدم أولوياتها الوطنية.
ثالثاً: سيناريو التورط المصري في الخليج
الخطر الأكبر لا يبدأ بحرب شاملة، بل بتوسع تدريجي في الانخراط العسكري. فلو تطورت المواجهة الإقليمية إلى صدام واسع مع إيران، قد تجد مصر نفسها مدفوعة نحو مشاركة أكبر، سواء عبر حماية الخليج أو حتى عمليات برية محدودة.
لكن طبيعة الصراع، المعتمدة على الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير التقليدية، تجعل أي تدخل مرشحاً للتحول إلى استنزاف طويل الأمد.
الأفضل لمصر أن تتجنب هذا السيناريو منذ البداية، لأن الخروج من حرب مفتوحة أصعب بكثير من الدخول إليها.
رابعاً: قناة السويس والاقتصاد المصري
تشكل قناة السويس أحد أهم أعمدة الاقتصاد المصري، وأي اضطراب في البحر الأحمر أو باب المندب ينعكس مباشرة على إيراداتها.
– تراجع حركة الملاحة،
– ارتفاع تكاليف التأمين،
– انخفاض العائدات،
– وزيادة الضغوط الاقتصادية الداخلية.
تجنّب الانخراط العسكري الذي يوسع دائرة التوتر البحري يمثل ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
خامساً: الداخل المصري بين التماسك والتآكل التدريج.
رغم صلابة مؤسسات الدولة، فإن تراكم الضغوط الاقتصادية والعسكرية قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في القدرة على التحمل الداخلي.
تجنّب التدخل الخارجي يحافظ على التماسك الداخلي ويمنع تآكل الشرعية السياسية.
سادساً: من قوة ردع إلى قوة استنزاف
يمثل الجيش المصري أكبر قوة عربية تقليدية، لكن الانخراط المستمر في جبهات بعيدة قد يحوله تدريجياً من قوة ردع إلى قوة مستنزفة.
الحفاظ على قوة الردع يتطلب تجنّب المغامرات العسكرية خارج نطاق الأمن المباشر للدولة.
سابعاً: تعدد الجبهات
تواجه مصر تحديات متزامنة: غزة، سيناء، سد النهضة، والأزمة الاقتصادية. فتح جبهة خارجية إضافية يعني تشتيت الأولويات.
تجنّب فتح جبهات جديدة ضرورة استراتيجية للحفاظ على التوازن العام للدولة.
ثامناً: إسرائيل وإعادة تشكيل ميزان القوى
انشغال مصر في الخليج يخفف الضغط عن إسرائيل، ويمنحها هامش حركة أوسع في ملفات إقليمية حساسة، خصوصاً القضية الفلسطينية.
تجنّب التدخل يحرم إسرائيل من هذه المكاسب ويحافظ على قدرة مصر على المناورة الاستراتيجية.
تاسعاً: اليمن وذاكرة الاستنزاف التاريخي
يبقى التدخل المصري في اليمن خلال الستينات مثالاً تاريخياً واضحاً على مخاطر الانخراط في حروب طويلة خارج الحدود.
الدرس التاريخي الأهم هو أن تجنّب التورط في حروب خارجية طويلة هو الخيار الأكثر اتساقاً مع حماية القوة الوطنية.
الخاتمة: تبقى مصر قوة مركزية في الشرق الأوسط، غير أن الحفاظ على هذا الدور لا يتحقق عبر التوسع في الانخراطات العسكرية الخارجية، بل عبر تجنّب التحول إلى طرف مستنزف في صراعات إقليمية مفتوحة.
فالحوافز الاقتصادية والضغوط السياسية، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تدفع القاهرة نحو حروب طويلة قد تستنزف الجيش والاقتصاد وتعيد إنتاج دروس التاريخ بصورة أكثر تعقيداً.
المعضلة الأساسية أمام مصر ليست في إدارة التدخل، بل في تجنّبه منذ البداية، حفاظاً على توازنها الداخلي واستقلال قرارها الاستراتيجي ودورها الإقليمي كقوة تصنع التوازنات.


