ديناميات الأمننة وإعادة إنتاج التهديد في الشرق الأوسط المعاصر

ديناميات الأمننة وإعادة إنتاج التهديد في الشرق الأوسط المعاصر
تحلل الدراسة ديناميات الأمننة في الشرق الأوسط بوصفها أداة سلطوية لتحويل القضايا السياسية والهوياتية والبيئية إلى تهديدات وجودية، بما يبرر القمع وحالة الاستثناء، ويؤدي إلى إعادة إنتاج الاستبداد وتهميش الأمن الإنساني لصالح أمن النظام....

مقدمة

شهد حقل الدراسات الأمنية تحولات عميقة مع نهاية الحرب الباردة، حيث تراجعت هيمنة المنظور التقليدي الذي يحصر الأمن في البعد العسكري وتوازن القوى بين الدول، ليبرز مكانها مقاربات نقدية أكثر شمولاً واتساعاً، وتعد (مدرسة كوبنهاغن) الرائدة في هذا التحول من خلال تطويرها لمفهوم (الأمننة) الذي ينقل الأمن من كونه حقيقة مادية موضوعية إلى كونه (فعلاً خطابياً) وبناءً اجتماعياً، في منطقة الشرق الأوسط، اكتسبت ديناميات الأمننة أهمية استثنائية ليس فقط كأداة تحليلية بل كممارسة سياسية تعيد من خلالها الأنظمة والنخب إنتاج مفاهيم (التهديد) لضمان بقائها وشرعيتها .

تسعى هذه الورقة لتحليل كيفية توظيف الأمننة في الشرق الأوسط المعاصر لتحويل القضايا السياسية والاجتماعية والهوياتية إلى قضايا وجودية تستوجب إجراءات استثنائية، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من إعادة إنتاج التهديد وتهميش الأمن الإنساني لصالح أمن النظام، ولتفكيك هذه الديناميات المعقدة سنحلل الأبعاد النظرية للأمننة وممارساتها تجاه الهوية والمعارضة والأجندات الدولية، مع استعراض السيناريوهات المستقبلية لإعادة إنتاج التهديد في المنطقة .

أولاً: الإطار النظري للأمننة (الأمن كفعل خطابي) .

تقوم نظرية الأمننة كما أسسها (أولي ويفر) وطورها (باري بوزان) على فكرة جوهرية مفادها أن الأمن ليس ظاهرة موضوعية موجودة بشكل مستقل بل هو نتيجة لعملية خطابية يقوم بها (فاعل مؤمنن)، وتبدأ هذه العملية عندما يصرح فاعل سياسي أو نخبة حاكمة بأن قضية ما تمثل (تهديداً وجودياً) لموضوع مرجعي معين مثل (الدولة، أو الهوية، أو المجتمع) هذا التصريح ليس مجرد وصف للواقع بل هو (فعل كلام) يهدف إلى اعادة التنظير والتوجيه لتغيير مسار القضية من حيز (السياسة العادية) القائمة على النقاش والديمقراطية ونقلها إلى حيز (حالة الاستثناء) أو (سياسة الضرورة) .

ولكي تنجح عملية الأمننة، لا يكفي مجرد النطق بالتهديد، بل يجب أن يقبل الجمهور المستهدف هذا الادعاء، فمتى ما اقتنع الجمهور بأن الخطر وجودي يصبح من المشروع للفاعل المؤمنن استخدام (وسائل استثنائية) خارجة عن القواعد القانونية المعتادة للتعامل مع هذا التهديد،  وفي الشرق الأوسط غالباً ما يتم اختزال (الجمهور) في النخب البيروقراطية أو العسكرية أو يتم تطويع الرأي العام عبر أدوات الإعلام الموجه مما يجعل الأمننة أداة قوية في يد السلطة لتبرير القمع أو التوسع العسكري تحت غطاء الضرورة الأمنية .

ثانياً: أمننة الهوية والصراعات الطائفية .

تُعد أمننة الهوية في الشرق الأوسط المعاصر من أبرز تجليات تحويل التنوع الاجتماعي إلى مصدر دائم للتهديد حيث لم تعد الاختلافات العرقية والمذهبية مجرد سمات ثقافية بل جرى تصويرها كقضايا وجودية تمس بقاء الجماعات والدول وتعتمد هذه العملية على (الفعل الخطابي) الذي ينقل الهوية من حيز السياسة العادية إلى حيز (سياسة الضرورة) حيث تنجح النخب في إقناع جمهورها بأن مجرد وجود (الآخر) المذهبي يمثل خطراً داهماً يستوجب اتخاذ إجراءات استثنائية غالباً ما تكون عسكرية وقمعية خارج إطار القانون العادي .

وتبرز الأزمة السورية كنموذج كلاسيكي لهذا المسار حيث تم استغلال الانقسام الطائفي لإعادة صياغة موازين القوى الإقليمية، فقد عمدت قوى فاعلة مثل المملكة العربية السعودية وحزب الله إلى أمننة هذا النزاع عبر خطابات تعتبر بقاء الطرف الآخر تهديداً لجوهر الذات، ويلاحظ إن هذا التوظيف للأمننة أدى إلى تعميق ما يسمى (المأزق الأمني المجتمعي) حيث تؤدي محاولات كل طرف لتأمين هويته إلى زيادة شعور الطرف الآخر بالخوف مما ينتج دوامة من العداء المتبادل الذي يصعب تفكيكه سياسياً .

وبذلك تحولت الطائفية من ظاهرة اجتماعية إلى أداة سياسية وظيفية تُستخدم لإعادة إنتاج التهديد مما يهمش مفاهيم المواطنة الشاملة ويجعل الاستقرار الإقليمي رهيناً بتوازنات الخوف بدلاً من التوافق السياسي .

ثالثاً: أمننة المعارضة السياسية وإعادة إنتاج الاستبداد .

تمارس الأنظمة السلطوية في منطقة الشرق الأوسط ديناميات الأمننة كآلية جوهرية لضمان بقائها واستدامة سيطرتها، وذلك من خلال الخلط المتعمد والممنهج بين (أمن النظام) و(من الدولة)،  وفي هذا السياق لا يتم التعامل مع المعارضة السياسية أو الحركات المطلبية والاحتجاجية كجزء من التنافس الديمقراطي الطبيعي في حيز (السياسة العادية) بل يجري تحويلها عبر (الفعل الخطابي) المكثف إلى (تهديدات وجودية) تستهدف كيان الدولة واستقرارها القومي، وبمجرد نجاح النخب الحاكمة في وصم المعارضين بـ (الإرهاب) أو (التبعية لأجندات خارجية)، حيث يتم انتزاع الشرعية اللازمة لاستخدام (وسائل استثنائية) وقمعية تتجاوز الأطر القانونية والدستورية المعتادة للتعامل مع هذه (الأزمات المفتعلة) .

هذا المسار يؤدي إلى (أمننة المجال العام) بشكل كامل حيث تُوظف المؤسسات التشريعية والقضائية لسن قوانين طوارئ ومكافحة إرهاب فضفاضة تتيح مأسسة العنف الرسمي وتبرير القمع المادي المفرط، اذ إن جوهر هذه العملية يكمن في إعادة صياغة (الصفقة السلطوية) مع المجتمع بحيث يقدم (الأمن) كمقايضة حتمية مقابل التنازل عن (الحريات السياسية)، وبذلك تنجح الأنظمة في إعادة بناء ركائز حكمها في أعقاب فترات الاضطراب السياسي عبر تصوير الاستقرار كقيمة عليا لا تتحقق إلا بتصفية الأصوات المنادية بالتغيير، حيث إن هذا التوظيف للأمننة يؤدي في النهاية إلى تجميد السياسة وخنق مساحات النقاش العام مما يجعل الدولة تعيش في حالة (استثناء دائمة) تهدف إلى حماية النخبة الحاكمة بينما تظل التهديدات الحقيقية المرتبطة بسوء الحوكمة والمظالم الاجتماعية دون معالجة، مما يساهم في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج التهديد لضمان استمرار السلطوية تحت غطاء الضرورة الأمنية .

رابعاً: الأمننة الكلية والارتباط بالأجندات العالمية .

لم تتوقف ديناميات الأمننة في الشرق الأوسط عند المستويات المحلية والوطنية فحسب، بل تشابكت بعمق مع ما يعرف في مدرسة كوبنهاغن بـ (الأمننة الكلية –  (Macro-securitization وهو نمط أمني يتجاوز الفواعل الفردية ليخلق بناءات عالمية للتهديد قادرة على تنظيم العلاقات الدولية لعقود، لقد مثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر المنعطف الأبرز في هذا السياق حيث أطلقت الولايات المتحدة خطاب (الحرب العالمية على الإرهاب) الذي أعاد صياغة مفهوم الأمن الدولي وفق ثنائية حادة تقوم على منطق (من ليس معنا فهو ضدنا)، هذا الخطاب العالمي وفر (مظلة شرعية) مثالية للأنظمة الحاكمة في المنطقة حيث سارعت لتبني هذا المنطق وتطبيقه على سياقاتها الداخلية مما مكنها من أمننة خصومها المحليين وحركات المعارضة تحت مسمى مكافحة الإرهاب العابر للحدود .

مثل هذا التداخل المعقد بين الأجندات العالمية والمطامح المحلية أدى إلى عولمة المصالح الأمنية للأنظمة حيث أصبح الحفاظ على بقاء النظام الحاكم ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الكبرى للقوى الدولية، مقابل انخراط هذه الأنظمة في التحالفات الأمنية والعسكرية العالمية، وقد ترتب على ذلك (تضخم أمني) هائل تجلى في زيادة الإنفاق العسكري وتوسيع صلاحيات الأجهزة الاستخباراتية ومأسسة قوانين الطوارئ وكل ذلك جرى تبريره كجزء من المعركة الكونية ضد التهديدات الوجودية المفتعلة، ونتيجة لهذا المسار جرى تهميش قضايا الأمن الإنساني وتجاهل المظالم الاجتماعية حيث تقلص مفهوم الاستقرار ليصبح مجرد وظيفة للضبط الأمني والقمع المشرعن دولياً .

كما يلاحظ إن الأمننة الكلية في الشرق الأوسط لم تساهم في تحقيق أمن المجتمعات بقدر ما ساهمت في (إعادة إنتاج التهديد) كحالة دائمة لضمان استمرار الدعم الخارجي والشرعية الأمنية للأنظمة السلطوية مما أبقى المنطقة أسيرة لدوامة من اللاأمن المستدام .

خامساً: أمننة القضايا المستجدة (الهجرة – السيبرانية – البيئة) .

توسعت ديناميات الأمننة في الشرق الأوسط المعاصر لتشمل قطاعات غير تقليدية حيث جرى تحويل قضايا اجتماعية واقتصادية وبيئية إلى (تهديدات وجودية) تستدعي تدخلات استثنائية وعاجلة، حيث تبرز أمننة الهجرة كأحد أهم هذه المسارات، إذ لم تعد تُعالج كظاهرة إنسانية أو سوسيو- اقتصادية مرتبطة بالبحث عن حياة أفضل بل جرى تصوير المهاجرين واللاجئين، لا سيما في الحوض المتوسطي كتهديد مباشر للهوية الوطنية والتماسك المجتمعي والأمن القومي، هذا الفعل الخطابي سمح للدول بتبني سياسات حدودية صارمة وعسكرة إدارة تدفقات البشر مع الربط المتعمد في الخطاب الرسمي بين الهجرة والجريمة المنظمة والإرهاب لانتزاع الشرعية اللازمة لممارسة إجراءات طوارئ تهمش الحقوق الأساسية للأفراد لصالح أمن الدولة الصارم .

وفي سياق موازٍ برز الفضاء السيبراني كميدان جديد للأمننة المكثفة وإعادة إنتاج التهديد فمع تصاعد (السلطوية الرقمية) في المنطقة جرى تصوير النشاط الرقمي وحرية التعبير عبر الإنترنت كتهديدات تقنية قادرة على تقويض أركان الدولة وزعزعة استقرار الأنظمة، هذا التوجه أتاح للحكومات شرعنة التجسس الرقمي وسن قوانين صارمة تستخدم كأدوات للرقابة الجماعية واختراق الخصوصية بالإضافة إلى تبرير ممارسات التضليل المعلوماتي تحت غطاء الدفاع عن (السيادة الرقمية)، وبذلك انتقل الفضاء الافتراضي من كونه أداة للتمكين الديمقراطي إلى ساحة (مؤمننة) تمارس فيها الأنظمة سيطرة أمنية استثنائية .

أما القطاع البيئي، فقد شهد تحولاً جذرياً عبر ما يعرف بـ (أمننة المناخ والمياه) فبدلاً من التعامل مع ندرة الموارد كقضية حوكمة وإدارة مستدامة جرى تأطيرها كصراع وجودي محتدم بين الدول كما يظهر في أزمات أحواض الأنهار الدولية مثل النيل والفرات، إن أمننة هذه القضايا تؤدي إلى عسكرة التعامل مع الموارد الطبيعية وتصوير (الآخر) المرجعي كمهدد لبقاء الجماعة مما يقلص مساحات التعاون الدبلوماسي لصالح سياسات المقايضة الأمنية، حيث يلاحظ إن هذه الأمننة الشاملة للقضايا المستجدة لا تسعى بالضرورة لحماية البيئة أو الإنسان بل تهدف غالباً إلى إعادة إنتاج (الخطر)  لضمان استمرارية حالة الاستثناء التي تبرر بقاء النخب الحاكمة وهيمنتها على المجال العام .

سادساً: السيناريوهات المستقبلية لديناميات الأمننة في المنطقة .

بناءً على التحليل السابق، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأمننة في الشرق الأوسط:

  1. سيناريو استدامة الأمننة (تأبيد الاستبداد): وهو السيناريو الذي تستمر فيه النخب الحاكمة في أمننة كل جوانب الحياة العامة  من المعارضة السياسية إلى التنوع الثقافي، في هذا المسار تزداد فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع وتتراكم المظالم تحت غطاء الاستقرار الأمني الظاهري مما ينذر بانفجارات اجتماعية عنيفة أو انهيارات مفاجئة للأنظمة حينما تعجز أدوات القمع عن احتواء المظالم المتزايدة .
  2. سيناريو نزع الأمننة (التحول نحو السياسة العادية): يفترض هذا السيناريو نجاح القوى المدنية والمجتمعية في الضغط نحو (نزع الطابع الأمني) عن القضايا العامة، وبذلك يتطلب إعادة تعريف الأمن ليتمحور حول (الإنسان) بدلاً من (النظام) وإعادة القضايا الخلافية (مثل الهوية والدين والمعارضة) إلى حيز النقاش السياسي والقانوني، هذا المسار هو الكفيل بتحقيق استقرار حقيقي ومستدام لكنه يواجه عقبات هيكلية كبرى تتمثل في مصالح المؤسسات الأمنية والريعية .
  3. سيناريو أمننة الصراعات الإقليمية الكبرى: وفيه تنتقل الأمننة من المستوى المحلي إلى مستوى (المركبات الأمنية الإقليمية) بشكل كامل حيث تندلع حروب باردة أو ساخنة قائمة على أمننة الهويات العابرة للحدود، في هذا السيناريو تصبح المنطقة ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية وتختفي السيادة الوطنية لصالح المحاور الأمنية الكبرى، مما يؤدي إلى تفتيت المجتمعات وإعادة إنتاج التهديد كحالة وجودية دائمة لا مخرج منها .

يرجح السيناريو الاول استدامة الأمننة، فالمصادر تؤكد غلبة نمط عدم الاستقرار تاريخياً ويرتبط هذا المسار بالتحولات القطبية الدولية وغياب المؤسسية في صنع القرار، مما يكرس إعادة إنتاج التهديد .

الخاتمة

ختاماً يمكن القول إن ديناميات الأمننة في الشرق الأوسط المعاصر لم تعد مجرد استجابة لتهديدات واقعية، بل تحولت إلى استراتيجية حكم مركزية تهدف إلى إعادة إنتاج السلطوية وتأبيد (حالة الاستثناء)، لقد برعت النخب في توظيف الفعل الخطابي لتحويل التنوع الهوياتي والمعارضة السياسية وحتى التحديات البيئية والرقمية إلى تهديدات وجودية تبرر تجاوز الأطر القانونية، مما أدى إلى تغليب (أمن النظام) على حساب (الأمن الإنساني) الشامل .

تسببت هذه الدوامة من الأمننة المكثفة الى استنزاف مقدرات المنطقة في سباقات تسلح وأنظمة مراقبة، بينما ظلت الجذور الحقيقية لعدم الاستقرار المتمثلة في غياب العدالة وسوء الحوكمة دون معالجة، ومع ترجيح سيناريو استدامة هذا النهج يظل الاستقرار الإقليمي رهيناً لتوازنات الخوف وليس لرضا المجتمعات،  إن كسر هذا النمط يتطلب مساراً جاداً نحو (نزع الأمننة) عن القضايا العامة وإعادة تعريف الأمن ليتمحور حول حقوق الإنسان وتنميته كركيزة أساسية لبناء دول مستقرة ومستدامة، وطالما ظلت الأمننة هي الأداة الوحيدة لإدارة الصراعات، سيبقى الشرق الأوسط سجيناً لدورات مستمرة من اللاأمن المفتعل وإعادة إنتاج التهديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *