تدخل المنطقة مرحلة رمادية معقدة يمكن توصيفها بدقة بأنها “لا حرب ولا سلم”، حيث تتشابك الضغوط العسكرية مع المناورات الدبلوماسية، في مشهد يعكس صراع إرادات مفتوحاً بين محورين: أحدهما يسعى لفرض الوقائع بالقوة، وآخر يعمل على إعادة صياغة قواعد الاشتباك بأدوات غير تقليدية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري في الملف الإيراني عن التطورات المتسارعة في الساحة اللبنانية، فالمعركة واحدة وإن تعددت الجبهات، والعناوين الكبرى باتت مترابطة إلى حدّ التداخل العضوي.
إيران… إعادة ترتيب الأولويات ومعادلة “هرمز”
في كواليس المشهد التفاوضي، يتضح أن طهران لم تعد معنية بالدخول في مفاوضات شكلية تُدار تحت الضغط. فإلغاء المشاركة في اللقاء الذي كان مرتقباً في باكستان لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن زمن المراوغة الأمريكية لم يعد مقبولاً.
من هنا، تعيد إيران ترتيب أولويات أي مسار تفاوضي وفق ثلاثة عناوين حاسمة:
أولها، وقف شامل للعدوان على إيران ولبنان بضمانات دولية حقيقية، لا مجرد تعهدات لفظية قابلة للانهيار عند أول اختبار.
ثانيها، تثبيت حقها في تنظيم الملاحة في مضيق هرمز، بما يشمل إدارة حركة العبور والجباية بالتنسيق مع سلطنة عمان، وهو ما يعكس انتقال طهران من موقع الدفاع إلى موقع الشريك المفروض في أمن الطاقة العالمي.
أما الملف النووي، فقد تراجع إلى المرتبة الثالثة، في انقلاب واضح على الأولويات الأمريكية التي تسعى لحصر التفاوض في هذا العنوان تحديداً.
لكن جوهر التحول يكمن في ما يمكن تسميته بـ”معادلة هرمز”، حيث بات المضيق بمثابة “السلاح النووي السياسي” لإيران. فهذه الورقة لا تستهدف مواجهة عسكرية مباشرة، بل تضرب في عمق الاقتصاد العالمي، ما يجعل أي تجاهل لدور طهران مكلفاً إلى حد لا يمكن تحمّله دولياً.
لبنان… هدنة شكلية وعدوان مستمر
على الضفة اللبنانية، تتكشّف صورة مغايرة تماماً لما يُروّج له تحت عنوان “الهدنة”. فالوقائع الميدانية تشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بها يوماً واحداً، بل استثمرها كغطاء زمني لاستكمال عملياته العسكرية، من تفجيرات ممنهجة في القرى الجنوبية إلى طلعات استطلاع اخترقت العمق اللبناني وصولاً إلى بيروت والضاحية والبقاع.
غير أن الأخطر لا يكمن فقط في هذه الخروقات، بل في الأداء الرسمي اللبناني. فالصمت تجاه ادعاءات بنيامين نتنياهو بأن هذه العمليات تتم بتنسيق مع الدولة اللبنانية يطرح علامات استفهام كبيرة، ويستدعي موقفاً واضحاً لا يحتمل الالتباس.
إن استمرار هذا الصمت يفتح الباب أمام تكريس رواية العدو، ويحوّل التفاوض القائم إلى ما يشبه “تطبيعاً مقنّعاً”، يمنح الاحتلال غطاءً سياسياً لمواصلة عدوانه تحت سقف إدارة الأزمة لا حلّها.
بين التصعيد والمفاجآت… من يحدّد التوقيت؟
المعطيات الإقليمية لا توحي بأن الأمور تتجه نحو التهدئة، بل على العكس، تشير إلى احتمال دخول المنطقة مرحلة تصعيد نوعي خلال فترة زمنية غير بعيدة. فإيران، التي ترفض الانتظار ضمن “التوقيت الأمريكي”، تدرس خيارات أكثر جرأة لكسر الحصار البحري المفروض عليها، ما يعني أن قواعد الاشتباك قد تتغير بشكل مفاجئ.
في موازاة ذلك، يبدو أن لبنان مقبل على تصعيد سياسي داخلي يتقاطع مع التصعيد العسكري، في ظل محاولات واضحة لجرّ البلاد إلى انقسام داخلي يخدم المشروع الإسرائيلي-الأمريكي.
خلاصة المشهد
ما نشهده اليوم ليس مجرد توتر عابر، بل إعادة تشكيل لموازين القوى في المنطقة. “هرمز” لم يعد ممراً مائياً فحسب، بل تحوّل إلى عنوان صراع استراتيجي، فيما يقف لبنان على خط تماس بين العدوان الخارجي والارتباك الداخلي.
وفي خضم هذا المشهد، تبقى المعادلة الأكثر حسماً هي تلك التي تُرسم في الميدان، حيث تسعى المقاومة إلى إدارة الصراع بعقل بارد، بهدف فرض قواعد ردع جديدة، لا تكتفي بامتصاص الضربات، بل تعيد تعريف حدود الاشتباك برمّتها.


