تعد الاعترافات الأخيرة الصادرة عن إذاعة جيش العدو تحولاً دراماتيكياً في مسار المواجهة، وهي ليست مجرد “تعديل أهداف”، بل هي إقرار علني بالعجز وبداية تدوين محضر “الهزيمة الاستراتيجية”.
ويمكن تفنيد هذا التراجع عبر النقاط التالية:
1. من “سحق القدرات” إلى “تعديل المسافات” حين يقر الجيش بأن نزع سلاح حزب الله “غير ممكن”، فهو يسقط أكبر شعار رفعه المستوى السياسي والعسكري منذ عقود. الانتقال من هدف “تطهير لبنان من السلاح” إلى هدف “الإبعاد لـ 4 كلم” (وهي مسافة جغرافية تقع تحت مرمى النيران المباشرة أصلاً)، يعني أن الآلة العسكرية الإسرائيلية اصطدمت بحائط مسدود، وأن قوة الردع لدى المقاومة فرضت معادلة “بقاء السلاح” كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.
2. الاعتراف بـ “فائض الوهم” (طموحة أكثر من اللازم) وصف تصريحات نزع السلاح بأنها كانت “طموحة أكثر من اللازم” هو تعبير دبلوماسي عن الفشل الاستخباراتي والعملياتي. هذا الاعتراف يعني أن تقديرات العدو لقوة المقاومة وبنيتها كانت قاصرة، وأن الميدان في جنوب لبنان أثبت أن السلاح ليس مخازن يمكن ضربها، بل هو عقيدة وبيئة متجذرة لا تستطيع التكنولوجيا الإسرائيلية اقتلاعها.
3. الانكفاء نحو “أمن المستوطنات” كطوق نجاة تقزيم أهداف الحرب لتقتصر على “تأمين المستوطنات” هو اعتراف بأن المقاومة نجحت في نقل المعركة إلى قلب الكيان. العدو الآن لا يقاتل من أجل “النصر الاستراتيجي”، بل يقاتل من أجل “الهروب من الهزيمة” ومحاولة إعادة المستوطنين الذين تحولوا إلى نازحين، وهو هدف تكتيكي صغير جداً مقارنة بحجم التهديدات التي أطلقها قادة العدو في بداية المعركة.
4.دلالات الـ 4 كيلومترات: اعتراف بمدى النار المطالبة بـ 4 كلم فقط تعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن العمق اللبناني بات محرماً عليه برياً، وأن أي محاولة لتوسيع المنطقة العازلة ستكلفه أثماناً لا يستطيع تحملها بشرياً أو عسكرياً. هذا التراجع يمنح المقاومة نصراً معنوياً وميدانياً، كونه يُثبت أن “اليد العليا” في الميدان هي التي فرضت تقليص سقف المطالب الإسرائيلية.
هذا التحول لا يعكس مجرد تراجع ميداني، بل إعادة تعريف للمعادلة الاستراتيجية تحت ضغط الكلفة والتوازنات الدولية. فإسرائيل تجد نفسها أمام صراع لا يمكن حسمه بالقوة الصرفة، بل يتطلب إدارة دقيقة للاحتكاك وتفادي الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وفي ظل خصم مرن ومتجذر، تتآكل فعالية الردع التقليدي، ليحل محله نمط احتواء طويل الأمد. وهو ما يجعل الصراع مفتوحاً على استنزاف محسوب بدل الحسم السريع.
الخلاصة التقييمية:
ما جرى هو “هزيمة بالنقاط” تحولت إلى “تراجع بالضربة القاضية” للمنطق العسكري الإسرائيلي.
العدو اليوم ينتقل من استراتيجية “الهجوم لتغيير الشرق الأوسط” إلى استراتيجية “الدفاع لحماية النافذة الشمالية”.
بالمختصر: الاحتلال دخل الحرب لإنهاء “التهديد”، فخرج منها وهو يبحث عن “تسكين الألم”.
هذا التراجع هو شهادة وفاة لمشروع “نزع السلاح” وانتصار لإرادة الصمود التي حطمت أساطير “الجيش الذي لا يُقهر”.


