الاتفاق بين واشنطن وطهران فجر أمس الأربعاء 8 نيسان / ابريل الحالي على وقف الحرب فورا، الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوكالة الانباء الفرنسية، وأكده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والوسيط رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، حتى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو باركه مرغما، مازال متأرجحا، وبدا واضحا أنه غامض وملتبس وغير محدد المعالم، ففي الوقت الذي أكد عراقجي ان الاتفاق يشمل الجبهات كافة وخاصة لبنان، وهو ما عززته تغريده شريف على منصة “إكس” صباح أمس، الا أن نتنياهو نفى ذلك، وأعلن في تصريح، أن الاتفاق لا يشمل لبنان، ولهذا استفرد أمس بالجبهة اللبنانية بأكثر من 100 هجوم جوي حربي، أودى بحياة أكثر من ألف شهيد وجريح لبناني، كما ان الناطقة باسم البيت الأبيض ورئيسه نفوا ان يكون الاتفاق يشمل لبنان. وما يؤكد هشاشة الاتفاق أيضا إطلاق الصواريخ الإيرانية على دول الخليج العربي، وهو ما يشي بأن الاتفاق ركيكا وضعيفا، وقد يتآكل قبل الجلوس على طاولة المفاوضات في اسلام اباد يوم غدٍ الجمعة 10 ابريل الحالي.
وما لم يتمكن الوسيط الباكستاني من جسر الهوة بين أطراف الحرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية والنظام الفارسي فإن الاتفاق قاب قوسين أو أدنى سيتلاشى، وتعود أصوات الصواريخ الإيرانية والهجمات الجوية الأميركية والإسرائيلية تزمجر في سماء الشرق الأوسط الكبير عموما وإيران وإسرائيل خصوصا. وبالتالي ساعات قليلة تفصل ساحة الحرب عن تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود. لا سيما وأن حكومة الائتلاف الحاكم في إسرائيل ترفض وقف الحرب من حيث المبدأ، واعتبر بعض أركانها أن ترمب خذلهم، واتهموه بأقذع الصفات. كما أن اركان المعارضة الاسرائيلية من يئير لبيد الى افيغدور ليبرمان الى غادي ايزنكوت اتهموا نتنياهو بالفشل، وأن إسرائيل ليست على طاولة المفاوضات. وتناسوا جميعا، أن دولتهم ليست أكثر من أداة وظيفية في خدمة الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا.
وكي يغطي نتنياهو عورة الاتفاق، أكد على نجاحه في فصل الجبهات عن بعضها البعض، وقام بأوسع عملية انتقام من الشعب اللبناني الشقيق، لتحقيق أكثر من غاية، أولا تعميق الهوة بين حزب الله والنظام الإيراني، وثانيا توسيع هوة التناقضات داخل الساحة اللبنانية وخاصة بين النظام والحزب، وثالثا ترسيخ عزلة الحزب في أوساط الشعب اللبناني. وكأن لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي يقول للحزب، هذا جزاء تورطك في الحرب الى جانب طهران، التي تركت لقمة سائغة لنا.
لكن لا أعتقد أن القيادة الإيرانية تتخلى في هذه الحرب عن أدواتها في الإقليم، وستعاود إطلاق الصواريخ على إسرائيل إن لم تُلزم الولايات المتحدة أداتها بوقف القصف على الجبة اللبنانية. بيد أنها شاءت من خلال تأكيدها لموقف القيادة الإسرائيلية، إعطاء فرصة لنتنياهو ليصفي حسابه مع الحزب لبعض الوقت، لذر الرماد في العيون الإسرائيلية، من خلال إعطاء حكومتهم فرصة لتحقيق بعض أهدافها، خاصة وان الأهداف التي أعلنتها الحكومة بلسان رئيسها واركانها لم يتحقق منها شيء. بتعبير آخر، الإدارة الأميركية قد لا تعود لدوامة الحرب، لاعتبارات أميركية خاصة، وحتى لو عادت، فإن عودتها ستكون محدودة، ولن تذهب بعيدا في متاهة الحرب، ولتغطي عار تراجعها وانسحابها من الحرب، أعلن الرئيس ترمب وأركان إدارته انهم حققوا نصرا كاملا، وهزموا إيران.
والحقيقة ان الإدارة الأميركية لم تحقق أي من أهدافها، لأن النقاط العشر الإيرانية، التي وافق عليها ترمب، تعكس فشله في أي من الأهداف التي أعلن عنها خلال ال 40 يوما الماضية من الحرب، قبل القبول بوقفها. كما أن النظام الإيراني لن يذهب بعيدا في قصف دول الخليج العربي، التي ذهب بعضها الى اعتبار نفسه أنه “انتصر”، والذي ينطبق عليه المثل الشعبي “إجو يحذو الحصان، مد الفأر ذيله!”، والدليل استمرار القصف على الدول العربية، وبالتالي فإن نظام الملالي سيقايض أميركا بوقف الحرب على الجبهات كلها.
ساعات قليلة جدا تفصل العالم والمراقبون السياسيون والاعلاميون عن مألات الحرب ومتاهة الاتفاق الملتبس، وأعتقد أن جميع الأطراف باستثناء حكومة إسرائيل، معنيون بوقف الحرب.


