فعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، اعتمد العراق بشكل شبه كامل على مصدر واحد للإيرادات وهو النفط، مع تركّز الإنتاج في منطقة جغرافية محددة (البصرة)، واعتماد شبه كلي على منفذ تصدير واحد، وتوجّه مبيعاته بشكل رئيسي إلى سوقين فقط هما الصين والهند، اللتان تستحوذان على نحو 85% من الصادرات النفطية العراقية.
ورغم التحذيرات المتكررة عبر سنوات طويلة، إلا أن الواقع اليوم يكشف أن إدارة الأزمات لم تكن بالمستوى المطلوب. ومن أبرز مظاهر هذا الخلل هو غياب الاستثمار في قطاع النقل النفطي. فبلد يعتمد اقتصاده بهذا الحجم على النفط، لم يعمل على تطوير أسطول وطني من ناقلات النفط، وبقي معتمداً على الناقلات الأجنبية وشركات التأمين الدولية. وهذا الاعتماد تحوّل إلى نقطة ضعف حرجة، ظهرت بوضوح عندما امتنعت شركات التأمين الأجنبية عن تغطية شحن النفط العراقي، مما قيّد قدرة العراق على التصدير رغم توفر فرص بديلة.
وعند المقارنة، نجد أن السعودية تمتلك ما يقارب 80 ناقلة نفط، وإيران نحو 60 ناقلة، بينما لا يمتلك العراق سوى عدد محدود جداً لا يتجاوز 3 إلى 4 ناقلات صغيرة، وهو رقم لا يتناسب إطلاقاً مع حجم صادراته النفطية.
ورغم أن العراق مساهم رئيسي في الشركة العربية البحرية لنقل البترول بنسبة تتجاوز 14%، ويمتلك مقعداً في مجلس إدارتها، إلا أن ضعف الأداء والإدارة حال دون الاستفادة الفعلية من هذه الشراكة الاستراتيجية، مما يعكس خللاً ليس فقط في الموارد، بل في آليات توظيفها.
هذه المؤشرات، وغيرها الكثير، تكشف عن ضعف عميق في إدارة الدولة خلال أكثر من 23 عاماً، رغم إنفاق تجاوز 1.2 ترليون دولار، منها أكثر من 400 مليار دولار كنفقات استثمارية، دون تحقيق بنية اقتصادية قادرة على الصمود أمام الأزمات.
قد يبرر البعض هذا الواقع بانشغال الدولة بالملف الأمني خلال السنوات الماضية، لكن الحقيقة أن النفط، بصفته العمود الفقري للاقتصاد العراقي، كان يفترض أن يُدار بمنطق استراتيجي لا يقتصر على تعظيم الإنتاج، بل يشمل تنويع قنواته، وتأمين مساراته، والسيطرة على مفاصله الحيوية، وفي مقدمتها النقل والتأمين.
فدولة يبلغ حجم تبادلها التجاري أكثر من 180 مليار دولار سنوياً، ويعتمد أكثر من 80% منه على النقل البحري، لا تمتلك أسطولاً بحرياً فاعلاً، ولا قطاع تأمين قادر على تغطية هذا النشاط، إنما تعكس خللاً هيكلياً في المنظومة الإدارية والاقتصادية، وعجزاً واضحاً في الاستعداد لمواجهة الأزمات.
ما نعيشه اليوم يجب أن يُفهم كجرس إنذار حقيقي، يستدعي إعادة ترتيب أولويات الدولة، والانتقال من اقتصاد ريعي هش إلى اقتصاد مستدام. اقتصاد يقوم على إدارة متكاملة لسلسلة القيمة، بدءاً من الاستكشاف والإنتاج، مروراً بالنقل والتسويق، وصولاً إلى المستهلك النهائي، مع التوجه الجاد نحو تصدير المنتجات النهائية بدلاً من المواد الأولية، وتنويع مصادر الدخل، وضبط الإنفاق العام لتوجيهه نحو استثمارات استراتيجية تبني منظومة اقتصادية متكاملة وقادرة على الصمود.


